لبنان والفرص الضائعة

كتب عضو تكتل الجمهورية القوية النائب وهبي قاطيشه:

“يشكّل الساحل اللبناني جزءاً من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ؛ وهذا الأخير كان عبر التاريخ، ميدان صراعات عسكرية تاريخية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. كما شكل محطة إلزامية للتبادل التجاري والعبور بين شرقي آسيا وأوروبا. هذا الساحل مرشح اليوم للدور التجاري الأهم عبر تاريخه الطويل، فهل لبنان جاهزٌ لاقتناص هذه الفرصة التاريخية؟

تطورت التجارة البحرية بين الدول، بعد أن تكثّفت حركة التبادل التجاري البحري، بين المكونات الإقتصادية في العالم، في اتجاه اختزال تكلفة النقل البحري وتسريعه بين المكونات التجارية الأساسية، بين شبه القارة الهندية وشرقي آسيا من جهة، والقارة الأوروبية والشرق الأميركي من جهة أخرى. التطور التجاري البحري المستجد، يقضي باختصار مسافات النقل البحري، وذلك بالإستغناء عن الدوران حول أفريقيا وتوفير حوالى أحد عشر ألف كلم (11 ألف كلم) وأسبوعين من الإبحار، بين شرقي آسيا وأوروبا. والإستغناء قدر الإمكان عن هذه الطريق، ببناء محطات للتبادل التجاري البحري وتبادل الحاويات بين شرقي آسيا وأوروبا. والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط هو المؤهل جغرافياً وطبيعياً للعب هذا الدور الدولي.

لماذا الساحل الشرقي؟

الساحل الشرقي هو المنطقة الأهم، وقد تكون الوحيدة لملء هذا الدور للأسباب الآتية:

1 -لأن البواخر القادمة من الشرق الآسيوي، أو من الغرب الأورو – أميركي، قد تحمل على متنها بضاعة للمشرق العربي، فتصيب بهذه المحطات عصفورين بحجر واحد. لذلك يُعتبر الساحل الشرقي للمتوسط المكان الأمثل لهكذا مرأب لتبادل الحاويات أو لنقلها براً إلى دول المشرق العربي.

2 – لأنه يؤمن التواصل البري بين الساحل الشرقي والمشرق العربي، والذي يقدر الخبراء حجمه في المستقبل بملايين الحاويات سنوياً، ويوفر على التجار مبالغ كبيرة بتنفيذ التبادل.

3 – يوجد على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ثلاثة مرافئ بحرية مؤهلة مائياً، على ما يبدو، لاستقبال هذه السفن هي: مرفأ حيفا، مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس.

يبقى السؤال: لماذا لبنان؟

1 – لأن ميناءي بيروت وطرابلس موجودان على الساحل اللبناني؛ وهما قادران، مع بعض الأشغال على استيعاب أحجام السفن المطلوبة.

2 – لأن الساحل السوري لا يتضمن موانئ طبيعية يمكنها منافسة ميناءي بيروت وطرابلس.

3 – لأن ميناء حيفا يقع تحت سيطرة إسرائيل، ولا يوجد صلح بين دول المشرق العربي وإسرائيل. ولكن يجب التنبُّه الى أنه إذا تحقق صلحٌ بين تل أبيب ودول المشرق العربي، فإن دور مرفأي طرابلس وبيروت سيتراجع لصالح مرفأ حيفا؛ لأن إسرائيل أكثر قدرة من لبنان على تأهيل مرفأ حيفا وتوسعته، ومن ثم ربطه بشبكة طرق هامة وسريعة بدول المشرق العربي ومصر؛ ويساعدها بذلك الشبكة الواسعة من ارتباطاتها بالشركات البحرية الدولية.

4 – لأن ميناء الإسكندرية في مصر، ذا الإمكانات البحرية والبرية الكبيرة، لديه نقطة ضعف أساسية ؛هو الأبعد عن دول المشرق العربي، كما إنه لا يتصل براً مع دول هذا المشرق التي تشكل عنصراً مهماً في حركة التبادل. ويبدو أن مصر تسعى إلى التواصل براً مع دول المشرق العربي بإحدى الطرق الآتية:

– إقامة جسرٍ بري يربط سيناء بالأردن ومنه إلى المشرق العربي، وذلك باستئجار أرضٍ إسرائيلية محتلة في جنوبي النقب لإقامة هذا الجسر.

– أو إقامة جسرٍ فوق خليج العقبة.

– أو نفق تحت مياه خليج العقبة.

لكن هذه المشاريع المصرية الثلاثة تخضع لموافقة إسرائيل؛ ويبدو أن ما حُكيَ عن صفقة القرن، كان يتضمن شق طريقٍ من هذا النوع.

إنطلاقاً من هذا الوضع على لبنان أن يبادر إلى:

أولاً: تأهيل مرفأي بيروت وطرابلس، وتوسعة مرائب الحاويات في المرفأين، بردم قسم كبير من البحر المتاخم لهما، ليتمكنا من استيعاب ملايين الحاويات المرتقبة سنوياً.

ثانياً: لقد أنجزت دار الهندسة دراسة لمرفأ طرابلس قضت بردم قسم كبير من الشاطئ الممتد بين مرفأ طرابلس وقاعدة القليعات الجوية بتكليف من رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال. يمكن للحكومة الإستئناس بهذه الدراسة

ثالثاً: إن تكاليف المشروع تتجاوز طاقات لبنان المالية؛ لكن الشركات الدولية جاهزة لتنفيذ هكذا مشاريع بالشراكة مع الحكومة اللبنانية، ما يوفّر عشرات الآلاف من فرص العمل للبنانيين سنوياً بشكل تصاعدي.العوامل المؤثرة في المشروع

العامل الأول: محدودية طاقات قناة السويس للسفن القادمة من شرقي آسيا لإجراء التبادل؛ والمحددة بوزن 120 ألف طن، أو بحجم suezmax

العامل الثاني: أما العامل الثاني الذي يجب التنبه له، فهو أن إسرائيل تخطط منذ تأسيسها لتقيم مشروعاً بديلاً عن قناة السويس المحدودة الطاقات؛ وذلك بحفر قناة حديثة تربط مرفأ إيلات على خليج العقبة بالبحر الأبيض المتوسط بطول 200 كلم، تسمح بمرور أكبر السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة، بحيث لا يبقى للطريق البحري الذي يدور حول أفريقيا سوى حوالى 10% من النقل البحري الدولي.

في النهاية، يمكن للدولة اللبنانية إذا توافرت لديها الرؤية، اقتناص الفرصة التاريخية التي قد تنقل لبنان إلى محطة متقدمة جداً في مستقبله ومستقبل أبنائه. وسنغافورة أكبر شاهد تاريخي على هكذا مشروع.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل