ثورة الانسان 2019

 

مما لا شك فيه أن الأزمة التي وضع فيها نفسه رئيس الحكومة اللبنانية هي أزمة مصيرية في الساعات المتبقية، والمهلة التي وضعها الرئيس الحريري لا تتعدى كونها اللعب في مرحلة الوقت الضائع قبل انتهاء قواعد اللعبة السياسية الشعبية في الشارع.

لا تختلف ثورة الانسان 2019 عن ثورة الأرز 2005 بل هي تكملها. في حين كانت ثورة الأرز ثورة سيادية استقلالية وقد حققت غاياتها كلها بخروج جيش الاحتلال السوري في 26 نيسان من العام عينه، تأتي “ثورة الإنسان 2019″، ثورة اجتماعية اقتصادية، لا بل قل ثورة إنسانية. لذلك هي ثورة الانسان. من هذا المنطلق، لا تصل أي ثورة إلى أهدافها الحقيقية بلحظة وقوعها. فما يحدث اليوم هو تتمة لما حدث في العام 2005؛ ولن يستطيع أحد منع هذه الثورة لأنها هي المياه الجارفة الحقيقية التي ستجرف من يقف بدربها.

الناس كالمياه التي لا يستطيع أحد منع تفجرها. لا بد وأن تجد مكان وزمان تنفجر منه. وما حدث لا يعدو كونه رد فعل شرعي. ولا ينحسر بفئة معينة. لذلك لا يطالبن أحد من أحد أن يتحمل مسؤولية ما بطريقة منفردة. من هنا، أي استقالة من الحكومة لأي طرف بطريقة منفردة سيتلقفها بشكل سريع من هم في موقع تملك الأكثرية ليحولوا أكثريتهم إلى أكثرية مطلقة، لا معارضة على أدائها من قبل أي أحد. المطلوب استقالة الحكومة بأسرها، وذلك بإعلان من قبل رئيسها، اليوم قبل الغد، ومن دون انتظار المهلة الهزلية التي حددها لشركائه في التسوية.

الحكومة سقطت لكن يُنتَظر إعلان ذلك. والمطلوب تشكيل حكومة اختصاصيين لتعمل على حل المشكلة الاقتصادية. الشعب أسقط الحكم الفاسد. ولن يعود الناس إلى بيوتهم لو مهما حاولوا تقويض ثورتهم. فهي ليست ثورة سياسية بل ثورة إنسانية، ولن يستطيع أحد أن يمنع الحياة عن الناس. ولن يكون أحد كبش محرقة لا سيما إن تحلى بشجاعة الاعتراف بوجع الناس وبخطئه في معالجة ممارساته السياسية الخاطئة. فالابتعاد عن منطق الدولة ومصالح الشعب أدى إلى هذا الانفجار. وأنصاف الحلول لم تعد نافعة.

المطلوب اليوم قبل الغد الالتفاتة إلى مطالب الشعب فما من شيء سيتغير في المهلة التي حددها الرئيس الحريري، ما سيحدث هو ازدياد نقمة الشارع الذي خرج عن طاعة سياسييه الذين ما زال بعضهم مصرا على إحياء الميت. فلا هوية للجوع، لا دينية ولا سياسية. هوية الجوع واحدة: هوية إنسانية. تعويم الحكومة سقط. والتسوية التي ما وراءها سقطت. لا إقالة بعض الوزراء تنفع ولا المهلة التي وضعها الرئيس الحريري. وهذا التراكم من السياسات الخاطئة الذي لا يمكن تحميل كل من شارك في السلطة مسؤوليته هو ما أوصل إلى ما وصلنا إليه.

لكن ما يجب القيام به تحمل المسؤولية كل بحسب نتائج أفعاله. وذلك لأن حكم الشعب وحكم التاريخ سيكون قاسيًا جدا. ولا مكان لأولئك الذين يعملون على تصفية حساباتهم السياسية مع بعض الفئات الذين وقفوا بوجه فسادهم سدا منيعًا، ما أعاق مشاريعهم المحاصصاتية. ولأولئك الذين بخياراتهم الاستراتيجية التي رهنوا الدولة لحساب دويلتهم ولخدمة مشاريعهم الأيديولوجية، لا يستطيعون الركوب على أمواج ثورة الانسان 2019. فمن أبرز أسباب ما وصلنا إليه من أزمات اقتصادية سببه الرئيسي تقويض الدولة سياسيا واستراتيجيا.

شارع زعماء التسوية خرج من يد روادها والذين يتربعون على عروش جنات الحكم؛ أما الشارع الذي حاول أن يجاري هذه التسوية ليحافظ على ما تبقى من الوطن فهو الذي سيقود عملية الانقاذ المرتقبة. الخطوات الجريئة تبدأ بالمعالجة السياسية الشفافة التي لا تكون من جيوب الناس. المعالجة الحقيقية تكون بحكومة الرجل المناسب في المكان المناسب. فمعالجة اقتصادية تبدأ بتسكير مزاريب الهدر من الحدود إلى شتى مرافق ومرافئ الدولة. بذلك تُستَعاد الثقة بالدولة، وليس بإعطاء الأمر المباشر بإجهاض هذه الثورة لأنها خضت مضاجعهم.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل