#adsense

الشهيدان نديم عبد النور ونعمان كرم

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1699

الشهيدان نديم عبد النور ونعمان كرم

عودة الأبطال للضيعة وكتاف الرفاق جبال الوفا…

 

نديم عبد النور لنعمان كرم: «بخاطرك رفيقي أنا راجع ع الضيعة، كم شهر وإنت كمان بترجع ع ضيعتك متلي، مستعجل عم إسمع صوات عرسي ببقى بشوفك».

نعمان لنديم : «الله معك رفيقي، أنا كمان بدّن يرجعوني، بشكر ربي على نعمة الشهادة وعلى نعمة رفاقي لـ بعدن تحت ما نسيوني، مشتاق كتير لترابي ولجبين بيي يزورني من يوم ليوم»…

وعاد الرفيقان الى حيث ينتميان. هذا ليس مشهدًا مفترضًا، إنه حوار ينبض بالحب تحوّل الى واقعة حقيقية، حين قرعت أجراس العودة لعريسين من عرسان شهداء «القوات اللبنانية»، ورقصت لأجلهما أبواب الضيعة حين عادت وتمايلت النعوش البيض على أكتاف الوفاء، وأخيرًا نام الشهيدان في حضن الأهل بعد طول غياب…

بتأثر بالغ حمل بيار بو عاصي منديلاً وبدأ يمسح دمع والد الشهيد. إقترب منه أكثر، سانده في مشيته المتثاقلة في حزنها، بدأ يجفف العرق المتصبب على جبينه، ثم عانقه بحنان لا يقارب. والد الشهيد متهالك الى دمعه ينتظر تحت شمس أيلول عودة إبنه، ليس الى الحياة، فنعمان إرتفع ذات لحظة نضال على مذبح الشهادة ليسكن بيت الرب، لكن ليعود الى تراب الضيعة التي بها جُبل كل ذاك الحب. غاب نعمان كرم طويلاً طويلاً عن ضيعته الأصلية، الى أن قرر رفاقه في «القوات اللبنانية» أن يعيدوه إليها، فكان ذاك الأحد 8 أيلول 2019، حيث عاد البطل الى ضيعة قلبه العدوسية.

 

لم تشهد ساحات لبنان على أعراس مشابهة! إرتفع لنا شهداء بالآلاف ولم ننسَ حتى اللحظة شهيدًا واحدًا. مذ لحظة استشهاده في معارك شرق صيدا ذاك الـ31 آذار 1985، ونعمان يرقد في سريره الموقّت في بلدة روم في جزين. لم يكن الوقت حان بعد لعودته الى ضيعته لأسباب كثيرة، لكن أربعة وثلاثين عامًا من الإنتظار، كانت أكثر من كافية ليعود الشهيد ويرقص في نعشه الأبيض مترنحًا بالكرامة والعنفوان، وينام حيث يحب ويستحق في قلب تراب ضيعته، حيث ترابهم ليست إلا سمادًا للأرض، والأرض ليست سوى منبت سنابلهم الحبلى بقمح الكرامة.

وقف والد الشهيد عند باب الضيعة ينتظر نعمان، محاصراً بالأهل والرفاق ومنديل بيار بو عاصي يمسح دمعه المالح من وقت لآخر، الرفاق في لهفة الإنتظار، يهمسون من وقت لآخر في إذن «بو نعمان»، إن ما يجري على طريق عودة العريس لا يوصف، أكثر من رائع، يهزّ الأب رأسه فخورًا حزيناً سعيدًا، هذا إبنه الذي خسر حضوره في حياته، وهذا الشهيد الذي جعله بي الشهيد الذي دافع عن تراب الأرض في وجه الغرباء والمحتلين والعملاء. أيهما أصعب وأقوى، الحزن على الشهيد أم الفخر بأن تكون مساهمًا في تحرير الأرض بسبب دماء الشهيد؟ لا أب، لا أم في العالم يملكون الإجابة القاطعة «يا ريت أنا متت فدا إبني ولبنان وبقي هوي عايش» قد يقولون، هي الشهادة إذن في كل الإتجاهات، الأب والإبن واحد في الفداء لأجل الأرض ولأجل المسيح الإله.

 

هو أيلول الشهداء والشمس الحزينة تعرف كيف تلقي شعاعها فوق القلوب الدامية، فتبعث بذاك الدفء النادر الذي يلف الحضور بالحنين، أخبَروا والد الشهيد أن أكثر من مئتي سيارة يمشون في مواكب مهيبة خلف نعمان، إنطلقوا من روم وبدأوا يشقّون القرى والبلدات، والورود والزغاريد مطرًا ينهال فوق رأس الشهيد في عرسه، وادي بعنقودين، القرّية، درب السيم، إصطفت القلوب قوافل شواهد تحت حنين أيلول في انتظار البطل. قرعت أجراس الكنائس ألحانها السماوية الأرضية المدوية بصخب الحب واللهفة والإنتظار، طارت ألوان المفرقعات في سماء الأمكنة كمن يعلن للدنيا أن شهداءنا لا يموتون، ما راحوا، هم هنا بين تلك الحشود المكتظة بالوفاء.

لما وصل نعمان الى العدوسية إنهال الورد والأرز، إرتفعت زغاريد النساء كمن يزف الأرض لعرس المواسم، وهذه مواسمنا دائمًا، نزرع التراب منا ونحصد الحرية لنا وللوطن. دخل الشهيد بيته للمرة الأخيرة، فرأى أنه ممتلئ منه وفيه، عيون البيت من عيونه وعبق الطرّاحة والفراش والنافذة والحديقة والفيراندا من عبق حضوره الذي لم يغب لحظة بعد. إطمأن قلبه، دمعت عيناه رقراقة من عيون تسكنه، إلتف على بيرقه ونام في نعش الكرامة أمام مذبح كنيسة مار يوسف، وما لبث أن حمله الوفاء الى بيته الأبدي الأخير حيث ضحك قلبه حين شمّ تراب الضيعة، فأغمضت جفونه على عيون الرب ونام في حرير الوفاء….

 

عند مدخل بلدة عيتنيت في البقاع الغربي، رفضت أم الشهيد نديم عبد النور إلا أن تتحامل على عبء السنين والمرض لتنتظر عودة إبنها. إقترب منها الوزير ريشار قيوميجيان، قبّل يديها، عانقها، قال لها الكلام الجميل النابع من قلب الوفاء، «تقبرني إنتَ متل نديم وأكتر»، وقف الى جانبها والشمس نوار، ينتظر عودة البطل أخيرا الى ضيعته المترامية حلا. هناك عند كف الباروك على عيون السهل الأخضر. يومها، كانت مرت سبعة وعشرون عامًا على غياب البطل القسري عن ضيعته، من نوّار الإغتيال الى نوار العرس زمن عبر فيه شهداء ومناضلون وشرفاء وجبناء واحتلال وثورة وحرية وآلاف آلاف الوجوه، ولم يمحُ تفصيل واحد وجه شهيد واحد، وبقي وجه نديم منتصبًا في ساحة الرميل في الأشرفية في وجه المجرمين العملاء وهم يوجهون السلاح الى صدره ولم ينحنِ. أنزل ابنه عن يديه وصرخ «ركوض بابا» وقتلوه الجبناء على عيون الإبن والزوجة والناس في وسط النهار، في زمن السلم المفترض، ومنعوه من العودة شهيدًا عالي الجبين الى ضيعته، فبقي في الموقت في مدافن رأس النبع إلا أن حانت لحظة الوفاء الكبير. لأجله شيّدت له «القوات» مدفناً خاصًا، أو لنقل شيّدت له بيته الأخير هناك بين سنديان الجبل ووعر الجرد وعبق الوزال وريحة الطيون، حيث تعبق الشهادة والعنفوان من ورود البندقية التي لم تشهد إلا على شرف القتال في وجه المحتل والمعتدي.

سبعة وعشرون عاما ما بين الإغتيال والإحتفال، السبت 4 نوار 2019، إنتظرنا نديم على حفافي الطرقات وفي الساحات، حمل الرفاق بيارقهم وحناجرهم، تسلحت الصبايا بالزغاريد والبسمات المتهاوية على الدمع الرقراق، وكلما عبر نديم في ضيعة وبلدة إنهال الوفاء مفرقعات قصائد غناء أناشيد «القوات» والوطن وكل تلك القلوب الغامرة بحبها، وقفت الى نوار العذراء مريم تحب وتصلي لسيدة الأزرق أن تلف الشهيد بمشلح الرحمة، ولبنان بالأمان.

اتكأت أم نديم الى بسمتها، كانت تبتسم طوال الوقت والرفاق من حولها يحاصرونها، «كلكن ولادي متل نديم وبدي ضل إضحكلكن تـ يضل نديم مبسوط». ولما أطلت سيارة البطل تهاوت فوق دمعها، رقص نديم في نعشه الأبيض، علت البيارق والأناشيد ترحّب بالعودة الكبيرة الى أحضان الأهل، مر أمام بيته ليتأكد من أنه لم يرحل بعد، فوجد فيضًا من حاله في كل الأمكنة، وجوه الرفاق عيونه، وعيونه مغروزة في ملامح الوفاء تلك، شق صفوفه بصعوبة الى كنيسته، أدّوا له التحية العسكرية، قلدوه الأوسمة هو من زرع والرفاق الشهداء أوسمة الشرف على تاريخنا وصدورنا وتراب وأرز لبنان. إستكان نعشه الأبيض أمام مذبح الرب وما لبث أن عاد ليرتفع في الزغاريد والتصفيق، فُتح باب القبر…أقصد باب البيت الأخير، إبتسم نديم ، «خي رجعت على ضيعتي أخيرًا بشكركن يا رفاق على هالوفا كلو». وأسدل عينيه على بيرقه وتلفلف بضيائه وغفت الجفون فوق هنائها، «كل يوم رح صبّح ومسّي عليك بيي وقلّك أنا إبن الشهيد وشايف حالي فيك، ومن ضحكة الغيم شوف بسمتك تطلّع عليي وتحرسني بالصلا» قال طوني إبن الشهيد….

 

تلك مشهديات نادرة لوفاء نادر، لا يغيّب القبر لنا شهيدًا، نعوشنا البيض تبقى ترقص حتى في غيابها، هي رقصة العنفوان قبل أي شيء، لن تفتحوا قبرًا لتجدوا لنا رفاتاً أو عظامًا وهياكل، قبورنا فارغة لأننا نسكن رجاء القيامة مع المسيح، ومن يرحل منا يبقى منه هنا الآلاف لأن «ندر الوفا ما بينوفى إلا بالوفا» يقول سمير جعجع، وأنتم حتى اللحظة لم ترحلوا لأننا هنا نبقى وتبقون ونكمل النضال ونصرخ عاليًا عاليًا في وجه محتل وعميل «ما راحوا ومش رح نروح والبقاء لبلادنا الى أبد الآبدين»… مش هيك يا نعمان ويا نديم؟!…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل