مصارف لبنان في مواجهة الأزمات والعقوبات – 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1699 

من إنترا الى جمّال تراست بنك

مصارف لبنان في مواجهة الأزمات والعقوبات (1)

 

هل ثمّة من يستهدف النظام المصرفي اللبناني، أم أن ما يطال لبنان من ضغوط وما يعانيه من أزمات، بات لا يوفر قطاعا أو جهة بما فيها عموده الفقري؟ هناك من يؤكد على هذا الصعيد، أن النظام المصرفي اللبناني ليس مستهدفا، وأن العقوبات الأميركية ليست جديدة وهي أعطت مُهَلًا للمصارف المشكوك بأدائها فرتّبت وضعها بحسب الشروط والتعاميم الصادرة عن مصرف لبنان. ربما يصح في القطاع المصرفي اللبناني وصفه بنظام مقاومة الأزمات. فمنذ ستينات القرن الماضي من أزمة بنك إنترا وصولًا حتى قضية جمال تراست بنك، وهو يعيش المساكنة مع أزمات متواصلة وضغوط متوالدة. وما كان ينقص تلك الهزّات إلا الحرب الأميركية على تمويل حزب الله ومكافحة الإرهاب، حتى تكتمل عناصر العصف مدعومة بالشائعات من جهة والهلع من جهة أخرى. تعددت المحطات التي اهتز فيها النظام المصرفي اللبناني، إذ لم يكن البلد خرج بعد من صدمة إنترا حتى واجه سقوط بنك المشرق. ولم يكد يمتص تداعيات سقوط بنك المدينة وأزمة اللبناني الكندي حتى واجه العقوبات على جمّال تراست بنك. لتنطلق بعدها أسراب من الشائعات والتسريبات… فإلى أين؟

 

عرف القطاع المصرفي اللبناني إهتزازات وأزمات، كما عرف عزّا ربما لم تجارِه فيه أي من المصارف، حتى العالمية منها. هو كان يوما نجمة الشرق ودرّة الغرب وخزائن أموال النفط  العربي. كان قبلة المودعين وملجأ المستثمرين. واستطاع بذلك أن يحقق نجاحات له وللبنان، ثبّتتها الإجراءات التي اتخذت على مدى عقود من التطورات المحلية والإقليمية والدولية القاسية التي لم تخلُ من النكسات والتحولات. ويُسجل لهذا القطاع أنه كان دائمًا يخرج من هذه الأزمات سليمًا.

 

أزمة بنك إنترا

أزمة التمويل الأميركية في العام 1966 لم تنحصر آثارها النقدية بما رتّبته على الاقتصاد الأميركي ومصادر تمويل المؤسّسات الأميركية وارتفاع معدل الفائدة، بل انسحبت أيضاً على الاقتصاد اللبناني الصغير والمفتوح. وفيما اعتمدت معظم بلدان العالم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي نظام سعر صرف ثابت، تبنّى الاقتصاد اللبناني نظام سعر صرف عائم. وكانت أولويات السياسة المالية قبل العام 1975 تحقيق التوازن في الموازنة بل تحقيق فوائض فيها. إلّا أن السياسة النقدية كانت غير واضحة، فاقتصرت تدخّلات السلطات المعنية على بيع العملات أحياناً أو شرائها، إذ كان سعر الصرف يتحدّد وفقاً للعرض والطلب.

وفي خمسينات القرن الماضي عرف لبنان نمواً إستثنائياً، تقطّع لأشهر عدّة خلال العام 1958، إلّا أنه عاود الإرتفاع بعد حلّ الأزمة وانتخاب الجنرال فؤاد شهاب على رأس الدولة. وفي حين كانت الدول الصناعية الكبرى تقيّد حركة رؤوس الأموال وتدفّقات رأس المال، كان المستثمرون اللبنانيون والأجانب قادرين على تحويل أموالهم بحرّية من لبنان وإليه. ووجد البترودولار، الذي ارتفع نتيجة لزيادة الإنتاج، ملجأً له في لبنان. كما اختار آلاف الطلاب ورجال الأعمال والصحافيون العرب والغربيون لبنان كمكان رئيسي للعيش وممارسة أنشطتهم الدراسية والمهنية. وكذلك فعلت شركات النفط العربية والغربية التي اتخذت من بيروت مقرّاً رئيسياً لها. وبالتالي أصبح لبنان بلداً سياحياً ومقصدا إستثمارياً بامتياز.

بالتزامن مع ذلك، أدى إعتماد قانون السرّية المصرفية الكلّية، دوراً في تعزيز مكانة بيروت المالية. وأنشئ مصرف لبنان في العام 1964، وارتفعت الودائع المصرفية وتدفّقات رأس المال والإستثمارات الجديدة. وكانت هذه الظروف مؤاتية جدّاً لتأثر لبنان بالأزمة النقدية الأميركية في العام 1966، والتي كانت لها آثار سلبية على النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة، كما على هيكلية التبادل التجاري وسعر الصرف، وصولا إلى إفلاس بنك إنترا في خريف ذلك العام. إذ وبنتيجة إرتفاع أسعار الفائدة الأميركية إرتفعت أيضاً أسعار الفائدة في لبنان.

بين عامي 1950 و1964، إرتفع عدد المصارف اللبنانية من 11 مصرفاً إلى 79 مصرفاً، وكانت إحدى السمات الرئيسية للنظام المالي اللبناني في الستينات، توزيع الودائع المصرفية بين عدد كبير من المصارف. وهذا ما أدّى إلى تقييد الودائع في المؤسّسات المصرفية، بحيث تخطّى مجموع ودائع عدد قليل منها الـ 100 مليون ليرة، وذلك على الرغم من أن ميزة القطاع المصرفي اللبناني كانت بحجم ودائعه المزدادة باطراد. لكن مؤسّسة مالية واحدة شكّلت إستثناءً لهذه القاعدة وهي بنك إنترا، الذي إستحوذ في العام 1965 بمفرده على ربع الودائع في لبنان. وبين عامي 1955 و1965، تجاوز معدّل نمو الودائع السنوي لـ إنترا الـ 40 في المئة مقارنة مع 26 في المئة للمصارف الأخرى. وفي العام 1965، وصل مجمل قيمة الودائع في بنك إنترا إلى 756 مليون ليرة. ونظراً إلى صغر السوق المحلّية وحاجاتها مقارنة مع الودائع الموجودة بتصرّف المصرف، حوّل إنترا إستثماراته إلى الأسواق الخارجية. وهذا شكّل عاملاً رئيسياً في تأثّر البنك بالأزمة الأميركية. فارتفاع أسعار الفائدة العالمية، أثّر في شكل كبير على النظام المالي اللبناني وأدّى إلى خروج رساميل وودائع من لبنان إلى الأسواق التي توفّر عوائد أعلى. فكانت أزمة السيولة في العام 1966.

بعد أزمة السيولة الناتجة من الصدمة النقدية الأميركية، إنخفض عدد المصارف العاملة في لبنان من 94 مصرفاً نهاية العام 1966 إلى 74 مصرفاً في العام 1970.

فبدءاً من الأوّل من آب 1966، تجاوزت المبالغ اليومية المسحوبة من إنترا المبالغ المودعة لديه. وهو ما أدّى إلى انخفاض الودائع، التي زادت من حدّتها بعد أسابيع الشائعات التي روّجت عن أزمة في المصرف. فسحبت مصارف محلّية وأجنبية ودائعها التي بلغت نحو 18 مليون ليرة لبنانية، ومن ثمّ سحب صغار المودعين نحو 52 مليون ليرة بين 3 و14 تشرين الأوّل 1966. وهو ما كان يُعدّ مبلغاً ضخماً في ذلك الوقت. وفي 6 تشرين الأوّل من ذلك العام، طلبت إدارة إنترا المساعدة من المصرف المركزي، الذي منحها تسهيلات بقيمة 15 مليون ليرة خلال سنة بفوائد بنسبة 7 في المئة، ثم مبلغا بقيمة 8 ملايين ليرة. ولما نفدت جميعها ولم يتمكن البنك من نقل ودائعه من الولايات المتحدة وجد نفسه في وضع صعب جداً، وأعلن توقّفه عن الدفع في 15 تشرين الأوّل 1966، فانتشرت الأزمة بين المصارف الأخرى.

 

لعنة إنترا تلاحق المشرق

عرف عقد الثمانينات في لبنان تفكك الدولة واحتدام الصراعات وانهيار العملة الوطنية. في هذا الجو القاتم حصلت أزمة بنك المشرق التي اعتُبرت الأشد في القطاع المصرفي بعد أزمة بنك إنترا. وقد ارتبطت جذور أزمة القطاع المصرفي يومها بتطورات شهدها القطاع إبتداء من العام 1977 عندما انتهى الحظر الذي فرضته الدولة عام 1967 على تأسيس مصارف لبنانية كأحد الحلول للحد من تكرار أزمة إنترا. لكن بعد رفع الحظر بدا نمو القطاع عشوائيا ولم تنفع تدخلات مصرف لبنان في ضبط تلك العشوائية نظرا للظروف العامة المحيطة يومها.

وسط هذا الجو لعب روجيه تمرز دورا محوريا في أزمة القطاع منذ العام 1966 عندما كان ممثلا لشركة «كيدر بي بودي» الأميركية حيث قاد مشروع تصفية أصول بنك إنترا وتوزيعها على المساهمين. وبعد أشهر من إندلاع الحرب غادر تمرز لبنان ولم يعد إلا بعد وصول الرئيس أمين الجميل إلى سدة الرئاسة، نظرا للصداقة التي جمعت بينهما منذ أواسط الستينات. وكان تمرز الشريك الثاني بعد مصرف لبنان في مجموعة إنترا وسيطر على 42 في المئة من بنك المشرق عبر مجموعة «مِلشر». لكنه ارتكب مجموعة أخطاء ترجمها إنسحاب مستثمرين خليجيين من مجلس إدارة إنترا وصولا إلى خسارة أموال لبنك المشرق مودعة في الخارج.

حاول تمرز التقليل من هذه المؤشرات موحيًا أن الوضع سليم، إلى أن دفعه مصرف لبنان إلى الإستقالة من رئاسة مجلس إدارة إنترا وتسلم مكانه جميل اسكندر، واهتز وضع بنك المشرق متأثرا بالوضع غير السليم لشركة «مِلشر». حاول تمرز إستخدام نفوذه لتغطية بعض الممارسات غير القانونية في البنك، وكرر الإيحاء بأن وضعه سليم وأن ما يحصل من إرتباكات سببه إختلاف في وجهات النظر. لكن وضع الشركات التي كان يملكها تمرز تسارع في الإنحدار ومنها جيت ليبانون للطيران، وكذلك تراجع وضع البلد عموما وعجز تمرز عن تأمين تغطية الهدر، أدت جميعها إلى إعلان إفلاس البنك في كانون الأول 1988.

 

اللبناني الكندي أول الضحايا

في العام 2011 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مالية ضخمة على البنك اللبناني الكندي متهمة إياه بتبييض أموال المخدرات، لينتهي الأمر بتصفية المصرف، وضرب شركات لتحويل الأموال كانت تتعامل معه، مملوكة من قبل رجال أعمال لبنانيين.

يُشار إلى أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على المصرف اللبناني الكندي عام 2011 بتهمة إستخدام حساباته من جانب أشخاص ناشطين في تجارة المخدرات والسلاح لمصلحة «حزب الله»، إضافة إلى غسل الأموال، مما أدى إلى إغلاق المصرف ودمجه مع مصرف لبناني آخر وفق خطة للإستحواذ نظمها المصرف المركزي اللبناني.

وبعد عامين تقريبا أصدرت محكمة نيويورك قرارا وافقت بموجبه على دفع البنك اللبناني الكندي مبلغ 102 ملايين دولار إلى الحكومة الأميركية مقابل شطبه عن اللائحة السوداء.

 

بنك المدينة… مسألة أخرى

بنك المدينة الذي ما زال مدرجا على قائمة جمعية مصارف لبنان، له قصة أخرى. فهو لم يخرج من السوق في العام 2003 للأسباب التي طالت مصارف أخرى لناحية إدراجها على لائحة العقوبات الأميركية. بل بسبب سوء الإدارة وهيمنة المخابرات السورية عليه ونهب أمواله لاستخدامها لمنافع خاصة أو لتمويل نشاطها المخابراتي في لبنان. وكان عدنان أبو عياش قد اشترى البنك في العام 1986.وما زال التحقيق جاريا لدى القضاء اللبناني، بتهم الغش والفساد المالي وتبييض الأموال في البنك المذكور.

المتهمة الرئيسية بهذه العملية هي المسؤولة السابقة والمطلقة الصلاحية في البنك رَنا قليلات المسند إليها قيامها بأكبر عملية غش ماليَّة وأكبر فضيحة مصرفية في تاريخ لبنان، والتي تنطوي على هدر أكثر من 1.2 مليار دولار.

ففي تشرين الثاني 1999، نَفَّذت قليلات سلسلة من عمليات تحويل الأموال إلى حسابات وهمية لتسيطر عليها هي وشركاؤها في المصرف. وخلال الفترة من كانون الأول2002  إلى شباط 2003 تاريخ الإفلاس، أصدرت أكثر من 400 شيك باسمها أو بأسماء شركائها بمبلغ إجمالي يناهز الـ150 مليون دولار. وفي آذار من العام نفسه دفعت 470 مليون دولار إلى البنك المركزي، ما أدّى إلى أزمة سيولة وتسبَّب في انهيار البنك. وتلافيا لذاك الإنهيار باعت جزءاً كبيراً من أصول أراضيها (الأراضي والمباني وما إلى ذلك) إلى المصرف المركزي. لكن لم يكن ذلك كافياً لوقف الإنهيار.

كما قام عدنان أبو عياش مالك البنك برفع دعوى إلى محكمة مانهاتن الإتحادية، تتضمن إتهام رنا بأنها كانت تَغسل أموالاً لصالح صدام حسين وساعدت في تمويل تنظيم «الشهيد»، وهو تنظيم لـ«حزب الله» بمبلغ 3 ملايين و500 ألف دولار. كما اتُهمت بإستخدام الأموال المسروقة لتمويل إغتيال الرئيس رفيق الحريري.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل