
منذ وقف الأعمال الحربية في لبنان العام 1990 حكمت لبنان طبقة سياسية استولت على موقعها بعناوين مذهبية، وتحت هذه العناوين سرقت ونهبت وراكمت الثروات ومارست أعمال السمسرة حتى على النفايات.
ومنذ العام 1990 كانت السلطة تتكرر وبوجوه مختلفة تزعم بناء الدولة والقانون، مقابل الفساد والسرقات لدى بعض القادة السياسيين قابلها حالة فقر تتراكم أيضاً هددت كل مواطن، فقام الشعب اللبناني بانقلاب على أحرف “الثروة” عليهم وحولها “ثورة ” كانت ضريبة الـ”واتساب” شرارتها.
نتيجة تراكمات لسنوات من الفساد والسرقة والهدر والسمسرات من معظم القادة السياسيين على مختلف طوائفهم ومذاهبهم ومكانتهم الوظيفية والادارية، ناهيك عن تعدد المداخيل تبعاً للمناصب والمسؤوليات التي تولوها النيابية والوظيفية والإدارية، تظهّرت قصور ومنازل فخمة ومنتجعات وعقارات في لبنان والخارج وطائرات ويخوت وسيارات وبزخ وترف في حفلات عامة وخاصة وأعراس ومواكب وتسخير القوى الأمنية على اختلاف أجهزتها كسائقين لأفخم السيارات وللحماية والمواكبة لهم ولعائلاتهم وأولادهم، والسفر على درجات رجال الأعمال بمعظمها على حساب اللبنانيين مثلا لحضور مباراة كرة قدم في الخارج، ودعوات لحضور حفلات زفاف في الخارج على نفقة الداعين من بطاقات سفر ومحل إقامة، حتى شاع خبر منذ أيّام أن أحدهم عمد إلى نشر قوة امنية لتأمين حماية لحفلة ذكرى مولد ابنه، وباتت صور ساعات اليد التي يحملها الوزراء والمسؤولين موضوع متابعة ورصد لنوعها وقيمتها من قبل الناس.
مقابل ذلك حالة عسر دقّت، لا سيما منذ سنتين، ابواب اللبنانيين على مختلف طبقاتهم أدت إلى تراجع مستوى المعيشة المتوازن الذي حافظوا عليه بجهدهم وتعبهم لسنوات من التعليم والعمل، وخوف على لقمة عيشهم نتيجة غلاء المعيشة وتفشي البطالة وازدياد المتطلبات، أضف إلى تدني أجرهم وتراجع قيمته الشرائية، في غياب سياسة استشفاء وتوقف القروض الإسكانية وغياب مواصلات النقل العامة والانكماش الاقتصادي حدا بعديد من الشركات إلى فصل عدد كبير من موظفها أو تخفيض ساعات عملهم لتخفيض أجورهم.
ناهيك عن إقفال الشركات وصرف موظفيها من دون إعطائهم حقوقهم وتراكم الديون التجارية عليها لمصلحة شركات ومؤسسات وافراد. وفي ظلّ هذا الانكماش وإغراءات المصارف على فوائد الديون حدا ببعضهم للمبادرة إلى الاستثمار التجاري مقابل فوائد تصل إلى 10 % يشكل ربحاً صافياً مرتفعاً له يغنيه عن مخاطر الأعمال التجارية والاستنزاف الذي يتعرّض له والرشوة عن كل معاملة لدى أي دائرة من دوائر الدولة والرسوم العالية والخوات غير المنظورة عبر فرض الشراكة بنسبة مرتفعة من النشاط التجاري والذي انعكس على نقص فرص عمل لمواطنين لا سيما مع تخرّج آلاف الطلاب سنوياً من الجامعات لمختلف المهن.
اما على المستوى المعيشي للفرد عدا عن القهر الذي يتعرّض له من الخدمات السيئة والمكلفة التي بات لا غنى عنها تبعاً لحاجتها التي تقدمها الدولة وهي دون المستوى المطلوب مقابل اشتراكات تغدو إلى توصيفها “سرقة “، ومع تفشي البطالة والصرف من العمل نتيجة الانكماش الاقتصادي أدى إلى اختلال في حياة المواطنين وعجزهم عن تسديد بدلات إيجار أو استحقاقات أقساط شراء المنازل والتي فوجئ منهم إلزامهم من قبل المصارف تحويل الديون إلى العملة الاجنبية، واضطرارهم نقل اولادهم تطبيقاً لسياسة التقشّف من مدارس خاصة ذات اقساط عالية إلى أخرى أقل كلفة او إلى مدارس رسمية، فباتت العائلات خائفة على قوتها اليومي ومستقبل أولادها.
وفي ظل انسداد الأفق وغياب الخطط المستقبلية لمواجهة كل ذلك، لا بل على العكس ونتيجة زيادة النفقات وتراجع مداخيل اللبنانيين راحت السلطة تبحث عن ضرائب جديد لتفرضها على المواطن لتحمّله سياستها في الهدر والتهريب وفشلها في الجباية وهدر الأموال والصفقات والسمسرات التي تنهش كل التزام أو صفقة حتى ان توصيف “البطر” لم يعد يكفي، فكانت شرارة الـ”واتساب” التي انطلقت منها الثورة.
إلا أن المفاجئ هي السرعة التي انطلقت بها وعدد المشاركين فيها والتي عمّت كافة المناطق اللبنانية، فكان الاعتقاد للوهلة الاولى ان مصيرها مصير تظاهرات “أزمة النفايات” وما انتهت إليه فيما بقيت الازمة من دون معاجلة.
إلا ان هذه لثورة تختلف عن تظاهرات النفايات وتشبه ثورة السيادة في العام 2005 والتي لن تنتهي إلا كما انتهت الأخيرة بتحقيق اهدافها لعدّة أسباب:
لأنها ثورة لقمة العيش ووقف السرقات والهدر وانتظام عمل المؤسسات وتأمين العمل والسكن والتعليم والخدمات الحياتية اليومية الأساسية وعلى عكس ما هي عليه “أسوء خدمة مقابل أعلى كلفة”.
شملت الثورة كافة الطبقة السياسية من دون تمييز بين طائفة او مذهب أو حزب او تيّار سياسي أو حزب مذهبي ـ سياسي، ومن دون تمييز بين رئيس او وزير أو نائب مهما علا شأنه مهما كان منصبه، وبوجه كافة فئات موظفي الدولة ذات المراتب العالية على الامتيازات التي يحصلون عليها والتي تفوق أضعاف أضعاف حدّ أدنى لمجموعة أجراء أجمعين.
شمولها كافة المناطق اللبنانية، من طرابلس إلى صور والنبطية مرورا بالكورة والبترون وكسروان والمتن الشمالي والجنوبي وبيروت، وكانت المفاجأة بعدد المتظاهرين الذي وصل إليه في بعض المناطق وكسر حاجز الخوف والتي كانت تعتبر حكراً على قرار احزابها أو أخرى كانت تنعت بأنها مناطق إرهاب وداعش وتطرف وغيرها.
تناولها مختلف الفئات العمرية الشبابية التي سدت مجالات العمل امامهم، والكبار الذين تراجعت أحوالهم المعيشية، والنساء التي عانت هجرة اولادها، على خلفيات اجتماعية مختلفة عامة تتناولهم في حياتهم اليومية.
حضاريتها، رغم أعمال الشغب والسرقة التي وقعت في اليوم الاول، فإنها ثورة مدنية حضارية مشرّفة لا تخلو من بعض الفكهات والطرفات و بعض المغالات في التعبير التي تحتاج إلىMicro لتحديدها، ولم تشكّل خدشاً لحياء الناس مقابل الفجور السياسي الممارس من قبل السلطة الحاكمة.
ازاء مبدأ شمولية التظاهرة من مختلف المذاهب ووحدة المطالب “لقمة العيش”، وتناولها كافة القادة السياسيين من دون استثناء بين مذهب أو مرجع حتى لو كيانات دينية، فبات من المستحيل نعتها بانها فئوية حزبية مناطقية طائفية، ومن المستحيل مواجهتها أو إسقاطها مهما كانت وسائل المواجهة، بعدما وصل صداها إلى مختلف دول العالم وشارك فيها لبنانيو الاغتراب للتضامن مع ابناء وطنهم وإسماع اصواتهم لسلطات الحكومات في الدول المقيمين فيها.
ولا يمكن خلق فتنة مقابلها لأنها ليست دينية، ولا مناطقية لأنها تشمل كل المناطق وهي لبنانية بامتياز، وبات كل ما يحكى عن قمعها هو تمني ورغبة من أعدائها، ولا تتجاوز الشائعة لإرهاب الناس وإحباط عزيمتهم عن الخروج ودفعهم إلى التردد وللمترددين للامتناع عن التظاهر لأسباب ومكاسب سياسية لا تختلف عن استكمال مشاريع السرقة والنهب.
ومع ورقة الإصلاحات التي طرحتها الحكومة ورفضها من المتظاهرين، بات سقوط الحكومة محتوم بتعداد أيام او أسابيع، لا سيما مع استمرار زخم المتظاهرين مرتكزين على لقمة عيشهم في غياب الثقة بالطبقة بالحكومة الحالية، إلا أن تظاهراتهم باتت تحتاج إلى تنظيم عبر لجان مناطقية لوضع وحدة رؤيا تحدد الاهداف من دون الوقوع في حظر الفوضى، أهداف قابلة للتحقيق ووضع لائحة محظورات لخطوات وأسماء كي لا تفشل هدفها او تسرقها منهم أو تحيدها عنها.
اما على مستوى الطبقة السياسية، فإذا كان مناصرو القوات اللبنانية انزعجوا من عبارة “كلن يعني كلن” ، ذلك لان معظمهم من تلك الفئات المتظاهرة، طبقياً مطلبياً مادياً فكرياً ووعياً وقد سبقوا قيادتهم في المشاركة فيها، وخافوا على انفسهم كي لا يعيروهم أنهم من فئة الفاسدين او المغطّين للفساد إلى حين استقالة وزرائهم فباتوا مثلهم مثل كافة المتظاهرين خلفهم لا أمامهم، أهدافهم من أهداف المتظاهرين ولن تتقدم عليهم وهي جزء منهم صوتاً وصورة مكملين لهم من دون منّة ومن دون مقابل.
أما لبعض اولئك المتعمشقين المتغطرسين في السلطة فإنهم يعرفون مصيرهم تمام المعرفة، أصوات المتظاهرين سمتهم بالأسماء بأعمالهم الكاذبة الفاسدة، لكن رحمة بالناس وأحوالهم ولقمة عيشهم لا ترتكبوا الحماقات ولا تورطوا أجهزة الدولة بأعمال لن يقدموا عليها لأنه لا اختلاف بينهم والمتظاهرين. بالأمس تقاعستم عن لقمة عيشهم، وجعهم واحد نظرتهم واحدة وهدفهم واحد دولة المواطن والحرية والمساواة والكرامة في الحقوق ولقمة عيش كريمة تطبيق القانون العادل في ما بين أبنائها بعيداً عن أي تمييز مهما علا شأنه، كما نجحت ثورة السيادة العام 2005 إنها ثورة على الفساد في العام 2019، وستنجح بدرجة ممتاز.