الثوار وأهل الحكم

دخلت التحركات الشعبية المطلبية منتصف الأسبوع الثاني ولم يبدُ في الأفق أي مؤشر إلى حلحلة في الوضع الذي يتفاقم أكثر فأكثر. بينما المطالب المطروحة باتت معروفة من الأطراف جميعها؛ كذلك الحلول ضمن الأطر المتعارف عليها هي مطلب الجميع. فهل من بوادر تلوح في الأفق الذي بات مسدودًا؟ وهل ستستطيع السلطة السياسية الحالية إنتاج سلطة جديدة؟ أم أنها ستعيد إنتاج ذاتها بذاتها؟

مما لا شك فيه أننا دخلنا في نفق كلما تقدمنا أكثر فيه، كلما ازدادت ظلمته أكثر، مع العلم أن الجهة التي من المفترض أن يأتي نور الأمل منها معروفة الاتجاه. في حين أن الطلب الأساسي بات اليوم استقالة الحكومة الحالية، مقابل أن تتشكل حكومة أخصائيين لتشرف على المرحلة المقبلة. في حين أن حزب الله يظهر بموقع معطل الحلول كما اعتاد اللبنانيون على سياسته التعطيلية في هذين العقدين.

تمسك حزب الله بتوزير باسيل ليس إلا تمسكًا بالمكاسب التي حققها في الانتخابات النيابية الأخيرة وما تلاها من أوراق ضغط مارسها على مختلف الأفرقاء، من الحريري إلى جنبلاط، فضلا عن ترهيبه المستمر لشارعه الخاص. وعلى ما يبدو أن الشارع الشيعي قد كسر هذا الحاجر الذي وضعه الحزب قرابة أربعة عقود حيث علت أصوات في بيئته تطالبه بالتغيير، وذلك نتيجة الجوع والظلم اللذين فتكا بهذا الشارع، وأوصلاه إلى مستويات معيشية دنيا لم يعش مثلها حتى في لحظات حرمانه القصوى.

إضافة إلى ذلك، تمسك الحزب بالحريري ليس إلا تمسكًا بالعهد. فهو بدأ بالتنازل التدريجي حيث عرض بقاء الحريري مقابل التغيير الحكومي. لكن بتمسكه بالحريري يحافظ على جزء من مكتسباته في محاولة منه لامتصاص النقمة الشعبية. بينما تمسكه بتوزير باسيل قد يطيح بهذا الاقتراح ويرجع الأمور إلى نقطة الصفر. ولن يستطيع التمسك أكثر بهذه الحكومة وعدم الاستجابة لضغط الشارع تحت حجة المحافظة على الأطر الدستورية. ولطالما كانت هذه النغمة الأحب إلى قلب الشارع المسيحي. فلقد انقلبت المقاييس، ما هما

في السطوح أضداد باتا في الأعماق التقيا. الشارع السني لا سيما في طرابلس، يطالب باستقالة الحريري، بينما الشارع الشيعي المتمثل بثنائية الحزب والحركة يزداد تمسكًا به أكثر فأكثر!

من هنا، يبقى إلى حينه شرط إعادة توزير باسيل العائق أمام أي تغيير حكومي. ومدير العهد، أي نصرالله وحزبه، يصران على هذا الشرط، وذلك للمحافظة على المكتسبات السياسية التي حققها الحزب بغطاء من باسيل وتياره. ومن المفارقة مسألة رفع السرية المصرفية التي يزمع وزراء ونواب التيار القيام بها لا تعدو كونها خطوة فولكلورية في محاولة من هذا التيار لشراء ما يمكنه من الوقت، عسى يحدث أي تبديل في موازين القوى نتيجة أي حدث طارئ قد يقع.

من هنا، نحن أمام خيارات باتت محدودة بحلين اثنين فقط في المرحلة الراهنة:

–     تشكيل حكومة أخصائيين بعيدًا من أي وجه من الوجوه السياسية النافرة.

–     استعادة الأموال المنهوبة الموجودة في الداخل عبر تكليف هيئة التحقيق الداخلية. وخارجيا من خلال معاهدة STAR التي تسمح للدولة اللبنانية باستعادة الأموال المنقولة وغير المنقولة.

 

خلاصة القول، لا يستطيع من بقي في هذه الطبقة السياسية إلا أن يستمع لصوت الناس. والقلة التي تجرأت واستقالت يجب أن تشكل الأنموذج الذي يحتذى به، وليس الطغمة الكبيرة المتمسكة بمقاعدها ومراكزها. ولن ينفع بعد اليوم أمام الشارع الذي استفاق من غيبوبته الوطنية إعادة إنتاج سلطة مسخ على غرار ما تم إنتاجه سابقًا.

لذلك، على الثوار الاستعداد دائمًا للمحاسبة كما فعلوا في هذه المرحلة. أي تغيير يحمل وراءه نوايا للإلتفاف على الشارع الوطني اللبناني لن يمر. وأي تغيير جزئي في محاولة لمن يملك فائض قوة السلاح غير الشرعي لن يجدي. المطلوب واحد، و”مرتا” السلطة تهتم بأمور كثير وتضطرب أمام الواقع. وعلى أهل الحكم أن يختاروا، كما الشعب، النصيب الأفضل كي لا ينزع منهم، وإلا…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل