ماذا بعد الشارع؟

ثلاثة عشر يومًا جعلت من شوارع لبنان شارعًا وطنيا واحدًا، أوصلته إلى غاياته المنشودة من قبل اللبنانيين جميعهم. فتحقق المطلب الأول المتمثل بإسقاط الحكومة، بغض النظر عن الأكلاف التي دفعها الناس العزل أمام الهمجية التي قادتها مرتزقة القمصان السود المقنعة، والمكشوفة الانتماء والهوية.

وذلك اندرج في سياق مشهدية سياسية ألِفها اللبنانيون طيلة العقود الثلاثة. لكن التغيير الذي أصاب العقلية الخانعة ودفعها إلى الثورة، دفع بدوره اللبنانيين جميعهم إلى رفض التدرج التصاعدي الذي بدأ مع مهلة الاثنتين وسبعين ساعة التي أعطاها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري في كلمته. وتلتها كلمة رئيس الجمهورية التي لم يدع فيها إلى الاستجابة لمطالب الناس، وهو الذي فتح قصره للناس يوم كان من هذه الناس. فجاءت مطالبته بإعادة النظر بالواقع الحكومي وفق الآليات الدستورية، مطالبة هزيلة لم ترض الشارع الثائر.

بعد القوى الشرعية والدستورية ظهر الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله مطلقًا لاءاته الثلاث: لا لتقصير ولاية الرئيس التي تعني عمليا الاسراع بالانتهاء من هيمنة الحزب على الرئاسة الأولى. واللا الثانية جاءت على استقالة الحكومة التي تعني إن حدثت عمليا، تعني سقوط منظومة حزب الله في لبنان. واللا الثالثة تمثلت برفضه الانتخابات النيابية المبكرة التي بحدوثها، قد تغير الأكثرية التي حصدها الحزب عمليا بالعملية الديمقراطية، وفعليا بقوة وهج السلاح.

عمليا سقطت هذه اللاءات عندما رفض الشارع الانصياع إلى من يملك القدرة على التحكم بمفاصل الحياة السياسية في البلد، أعني هنا حزب الله تحديدًا. ولما كان لذلك أن يحدث لولا أن أغلبية المتظاهرين في الشارع تشكلت من البيئة التي حضنت حزب الله طيلة النيف وثلاثة عقود. إضافة إلى إقدامه على استخدام القوة التي لم ترهب جمهوره. فما حدث في ذلك السابع من أيار 2008 لم يعد صالحًا بعد 17 تشرين 2019.

أسقط الشارع حواجز الخوف عند مالكي القدرة على استخدامه، والعنجهية والتكبر عند أولئك الذين يفاخرون بارتهانهم لمن يملك هذه القدرة، بغية تحقيق مآربهم الشخصية التي باتت معلومة لدى الجميع. واليوم بتنا أمام معادلة جديدة نتجت عن تخلي المجلس النيابي عن مهمته الأساسية، أي المحاسبة، فانتقل الدور من البديل، أي النواب، إلى الأصيل، أي الشعب. وبات الشعب اليوم بقوة الشارع قادرًا على المحاسبة. وهذه المسألة التي لم يألفها سابقًا الساسة في لبنان. لذلك، لا خوف بعد اليوم على التهرب من عملية المحاسبة التي يجب أن تبدأ أولا بمحاسبة أولئك الذين أرهبوا المواطنين العزل، واعتدوا عليهم في الساحات بهذه الطريقة الهمجية. فالكاميرات قد أظهرت معظم الوجوه، والمحاسبة يجب أن تطاول من أصدر الأمر لهؤلاء أيضًا.

وفي السياق عينه، يجب الانتقال سريعًا إلى إعادة تشكيل سلطة تنفيذية من أصحاب الاختصاص لتتفرغ إلى معالجة الأزمات، وأولها: الأزمة الاقتصادية، مع معالجة مسبباتها التي تتركز في مكافحة السلاح الذي حمى الفساد طيلة العقود المنصرمة، بهدف السيطرة على القرار الاستراتيجي، والسياسة الخارجية للدولة لحساب الدويلة، لتغيير صورتها الكيانية على أعتاب احتفالية القرن من عمرها.

إذًا، ستبقى معادلة الشارع حية إلى حين استعادة من أناط به الدستور دور المحاسبة لدوره الحقيقي. وغير ذلك أي كلام لن ينفع. والمعالجات يجب أن تكون جذرية، من دون الدخول في عمليات المماطلات والمماحكات السياسية والادارية والدستورية. وإن غدًا لناظره قريب جدا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل