ثورة لبنان الكبير

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1700

 

هي ليست ثورة «القوات» حتمًا. ولكن «القوات» هي في قلب هذه الثورة حتمًا. بعد مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير أثبتت ثورة 17 تشرين الأول أن لبنان هو فعلاً كبير وأن هذه الثورة هي ثورة لبنان الكبير.

على مدى مئة عام كان هناك سؤال دائم يدور حول الهوية اللبنانية وحول ما إذا كان خيار لبنان الكبير صائبا أم لا. ربما كانت لهذا السؤال أسباب كثيرة موجبة بفعل الإنقسامات الكثيرة التي حصلت خلال هذه الأعوام والحروب الصغيرة والكبيرة التي دارت على أرض لبنان. ولكن بعد توحد اللبنانيين في شكل عام على رفض الواقع التعيس الذي يرزحون تحته بات من الواضح أن الهوية اللبنانية وحدتهم وأن إنتفاضتهم واحدة من أجل تثبيت لبنان الكبير في ظل إدارة راشدة للدولة وللجمهورية وللمؤسسات بعيدًا من الفاسدين والفساد.

 

من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن بيروت إلى البقاع في كل الشوارع إنتفاضة واحدة من أجل الكرامة الوطنية. صرخة واحدة تتردد. تكاد تنتفي الهويات الطائفية في ظل الهوية اللبنانية الواحدة والهم المعيشي والوطني الواحد. ثمة جيل جديد ينهض من عمق المعاناة. جيل لم يدرك الذين يتمسكون بالسلطة أنه بات عابرًا للطوائف والمذاهب ليكون جيل الوحدة الحقيقية في المعاناة وفي طلب الحياة الكريمة في ظل دولة تؤمن الحد الأكبر من الكرامة الشخصية والوطنية. فجأة إنفجر هذا الكمّ الهائل من الوعي الوطني. ثمة صرخة واحدة من كل المناطق ومن كل الأعمار ومن كل الطوائف: نريد أن نعيش في لبنان وأن نموت في لبنان وأن نعمل في لبنان. لا نريد بلدًا بل نريد وطناً. نريد دولة تحمينا وتعطينا الأمل بأن مستقبلنا ومستقبل أولادنا مؤمّن فيها. نريد دولة قادرة أن تكون حرة سيدة مستقلة. نريد دولة يحميها جيش واحد. لا يكون فيها حكم فاسد. هذا الوعي الذي تفجّر على الشاشات كان أكبر بكثير من محاولة قمعه وتخفيف إندفاعته وقوته بأوراق سُمّيت إصلاحية وباستجداء لطلبات الحوار واستدراج إلى الكشف عن قيادات. هذا التيار الجارف يقود نفسه عفويًا. ويحدد مطالبه عفويًا ولا يمكن أن يقبل بأن تكون السلطة الفاسدة التي يطالب بتغييرها وبمحاكمتها هي التي تقود عملية التغيير وتصادر نضال الذين نزلوا إلى الشوارع ليكونوا شارعًا واحدًا وصوتاً واحدًا وصفاً واحدًا.

 

في ظلال هذا الشارع الكبير يكاد «حزب الله» وحده يكون خارج المشهد المطالب بالتغيير، وأكثر من ذلك يضع نفسه في مواجهة هذا التغيير. لقد حاول الحزب من خلال أول إطلالة لأمينه العام السيد حسن نصرالله أن يستوعب الإنطلاقة الأولى للثورة عبر تبرئتها من المؤامرة ولكن المحاولة باءت بالفشل. بعد أسبوع خرج السيد نصرالله ثانية ليكيل الإتهامات بالتآمر والتمويل الخارجي مستندًا إلى الورقة الإصلاحية التي أعلن عنها رئيس الحكومة سعد الحريري وإلى كلام رئيس الجمهورية حول قبول مبدأ إعادة النظر في الوضع الحكومي. وقد سبقت كلمة نصرالله الثانية عمليات إعتداء على المتظاهرين في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء وتبعتها مسيرات في الضاحية الجنوبية وبعض مناطق الجنوب في عملية عرض قوة وتهديد مباشر للتحركات الشعبية. ولكن لا ورقة الرئيس سعد الحريري ولا كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون ولا تهديدات السيد نصرالله إستطاعت أن تضع حدًا للحراك. محاولات إستدراج الثورة فشلت. ولم يكن «حزب الله» مضطرًا ليكون في الواجهة لولا سقوط الجدران التي كان يقف خلفها. رئيس الحكومة يحاول أن يستفيد من قوة الحراك ليحسّن وضعه داخل تركيبة الحكم المطلوب تغييرها ولكن من دون نتيجة. رئيس الجمهورية بدا فاقدًا للمبادرة ومن أدوات للحكم. التيار الوطني الحر يعاني من الترهل والإنقسامات والضعف ويتعرض لحملات التهم بالفساد. الجيش اللبناني رفض أن يكون في مواجهة الحراك واكتفى بتأمين الأمن وكذلك قوى الأمن الداخلي. بقي الرهان على الوقت. هذا العامل أيضًا لن يفيد لأنه أيضًا ليس في مصلحة المتمسكين بمنع التغيير.

ثمة عامل مشترك برز بين «حزب الله» والتيار الوطني الحر بقيادة الوزير جبران باسيل يقضي بتوجيه التهم إلى «القوات اللبنانية» بأنها تقف وراء الحراك وتقطع الطرقات. ولكن هذه التهم كانت مردودة أصلاً، ذلك أنها زادت من حجم حضور «القوات» في قلب الثورة شعبيًا ومعنويًا ولم تنطل على الحراك وبرزت أهدافها بحيث أن أي ظهور علني لـ»القوات» لم يُسجل في أي من نقاط التحركات وأن الإدعاءات انقلبت على من أطلقها بدليل أن «القوات» إذا كان يمكن أن تكون في الشفروليه أو في جل الديب أو في زوق مصبح وجبيل والبترون، فكيف يمكن أن تكون في النبطية وطرابلس وبعلبك؟

 

لقد تعاطت «القوات» بمسؤولية فائقة منذ تفاهم معراب الذي فتح الطريق نحو انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية. وقد أرادت أن يكون هذا التفاهم من أجل إستعادة الحضور المسيحي الفاعل في قلب الدولة، ومن أجل إستعادة دور الدولة الحقيقي ودور المؤسسات والكفاءات. وليست «القوات» مسؤولة عن إنقلاب الوزير باسيل على هذا التفاهم والذهاب في اتجاه إحتكار السلطة والتعيينات واستخدام عهد الرئيس عون ليكون طريقه إلى خلافته في رئاسة الجمهورية مستفيدًا من دعم «حزب الله». ولكن قبل أن تمضي أعوام ثلاثة على عهد الرئيس عون حتى انهار الهيكل الذي حاول باسيل أن يبنيه. إنهار عليه في الشارع وفي الساحات وكشف موقع «حزب الله». وانقلب عليه داخل «تكتل لبنان القوي» وداخل بيت الرئيس حيث برزت إعتراضات عائلية على الدور الذي كان يقوم به على خلفية تحميله مسؤولية هذا الإنهيار الذي أصاب صورة الرئيس عون والعهد القوي.

لقد أرادت «القوات» أن يكون العهد قويًا بالعدل وليس بجعل قصر العدل مطية للرغبات السياسية. لقد أرادت «القوات» أن يكون العهد إصلاحيًا بكل ما للكلمة من معنى لا أن يكون غطاء لعمليات تشوبها شبهة الفساد من ملف البواخر إلى ملف المعابر غير الشرعية والشرعية وصولاً إلى موازنة شفافة لا موازنة حسابات دكنجية. لقد عملت «القوات» على أن تكون الدولة سيدة فعلاً ومستقلة فعلاً لا سلطة تغطي سلاح «حزب الله» وتريد أن تغطي أيضًا النظام السوري. لكل هذه الأسباب أرادت «القوات» أن تكون صوت الضمير في طريقة عمل الحكومة وفي توعية الأطراف السياسية المشاركة في التسوية إلى خطورة الأوضاع الإقتصادية والسياسية وتقدمت باقتراحات كثيرة من أجل معالجات هادئة تكون لها بداية قبل أن يقع الإنهيار الشامل. ولكن أكثرية الحكومة تعاطت باستخفاف مع هذه الإقتراحات وحاولت أن تضع «القوات» خارج الحكم حتى لا تكون مجرد شريك مزعج. ولذلك اختارت «القوات» أن تستقيل من الحكومة. حتى هذه الإستقالة بدل أن تكون بداية طريق نحو تغيير شامل يأخذ في الإعتبار مطالب الناس حاول من بقي في السلطة أن يجعلوها ثغرة من أجل الإلتفاف على المطالب الشعبية وعلى الثورة لتكون مقدمة لتعديل وزاري لا يفيد ولا يقدم ولا يؤخر بل يفاقم الأزمة.

 

الشارع قال كلمته. وستبقى له الكلمة حتى يحصل التغيير المطلوب. الشارع حاضر بينما ما تبقّى من هذه السلطة غائب ومستتر. كأن الحكومة بحكم المستقيلة وكأن الشارع هو الذي يمسك بزمام المبادرة. ثمة أكثرية على الأرض تنشد التغيير بكل الوسائل السلمية ولا بد من أن يأتي هذا التغيير على حجم الأمل بأن تكون مئوية لبنان الكبير على حجم لبنان الكبير وثورة لبنان الكبير.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل