الأزمة في مكان آخر

تعيش منطقة الشرق الأوسط بأكملها أزمة مصيرية لم تعد مرتبطة فقط بالصراع العربي – الاسرائيلي الذي بات في ذهن الشرق- أوسطيين مسألة اعتادوا على وجودها؛ نحن اليوم أمام أزمة جديدة تتجلى في صراع جديد العهد، بغض النظر عن قدمه  في التاريخ الانساني لهذه المنطقة. وهذا الصراع  وجهه قومي – حضاري بين الفرس  والعرب وواقعه استراتيجي – جيوسياسي. فما هو تأثير هذا الصراع على لبنان وأزماته؟

لبنان في عين العاصفة وسط هذا الصراع، لا بل تفاخر الجمهورية الاسلامية في إيران بسيطرتها على القرار في الجمهورية اللبنانية بوساطة حزب الله، الذراع الايرانية في لبنان. كذلك تفاخر إيران بسيطرتها في العراق واليمن والبحرين وسوريا عبر أذرعها العسكرية.

وفي السياق عينه، لا يألو جهدًا المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية علي خامينئي، بفرض السياسات التي تتناسب وسياسته التوسعية في الاقليم العربي، وذلك لمزيد من تثبيت سيطرة إيران فيه؛ إستنادًا إلى ما أدلى به بشكل علني. والمفارقة أنه دعا المتظاهرين في لبنان والعراق إلى “اتباع الأطر والهيكليات القانونية في بلادهم لتحقيق مطالبهم”. مقابل ذلك يقمع المتظاهرين في بلاده ولا يُخرِج حقيقة ما يحدث داخل جمهوريته وما باتت تعانيه من تصدعات بين القوميات المتواجدة فيها من فرس وآذريين وبالوش وعرب وأكراد وجيلاك ومازندرانيون ولور، وبختياري وتركمان وأرمن ويهود.

والمفارقة أيضًا أنه يهدد بعملية سلب الأمن من هذه البلدان التي تسيطر أذرع جمهوريته عليها. لكأن هذه العواصم التي صرح باحتلال قرارها السياسي، صنعاء وبيروت وبغداد وغزة، تنعم باستقرار أمني وسياسي لا مثيل له في بلدان الشرق الأوسط كلها. والأكثر من ذلك لا يوفر أي جهد بضخ نظرية المؤامرة التي تتمثل بحسب تيار الممانعة بأميركا وإسرائيل. مما لا شك فيه أن هاتين الدولتين قد تستغلان ما يحدث في الشرق الأوسط خدمة لمصالحهما، ولا سيما في مسألة الصراع الفارسي- العربي.

فالأزمة في لبنان بحقيقتها أزمة معيشية. لقد تم ضرب منظومة النظام بمنظومة الفساد الذي بات له نظامًا خاصا به. وانطلاقًا من حرص اللبنانيين على عدم انهيار الهيكلية القانونية للدولة، يجب عليهم حصر المطالب بتشكيل حكومة اختصاصيين لتستطيع أن تواكب الأزمة الاقتصادية – المالية التي يعتبر حزب الله من أكثر الناس المتضررين منها. ومما لا شك فيه أن مشهد الوحدة الوطنية الذي تجلى في التظاهرات الأخيرة هو مشهدية افتقر إليها المجتمع اللبناني بأسره. ولم يستطع أي تسوية أو أي نظام أن يجمعهم في كنفه. وبالتالي لقد أسقطوا التسويات الهجينة بأسرها واجتمعوا حول جوعهم وفقرهم.

ولمعالجة جذرية لهذه الأزمة يجب التنبه إلى منبعها الذي يبدأ من سيطرة الجمهورية الاسلامية في إيران على القرار السياسي في لبنان، من خلال ذراعها العسكري أي حزب الله. من هنا، لو تم معالجة هذه الأزمة المالية الاقتصادية، كما نأمل، لن يدوم هذا الحل طويلا إلا بعلاج الأزمة الرئيسة التي تكمن في مكان آخر كليا يبدأ من طهران ويصل إلى ضاحية بيروت الجنوبية.

من هذا المنطلق، القوى السياسية بأكملها، بما فيها حزب الله، مسؤولة عما وصل إليه الوضع المالي في لبنان، فضلا عن القرار السياسي الذي تم تجييره لحساب بعيد. لكن يبقى أن الذين حاولوا جاهدًا الوقوف بوجه هذا النهج منذ العام 2005 لا يتحملون أي مسؤولية سياسية أو اقتصادية أو مالية، أو حتى في المكان الذي وصلت إليه منظومة الفساد في الدولة.

لذلك كله، يجب الكف عن التعالي وتقبل إرادة الشعب الذي أراد الحياة في لبنان رغمًا عن أنوف المتكابرين على السلطة والدولة والجمهورية، حيث وصلت وقاحتهم للتطاول على الكيانية اللبنانية على أعتاب الاحتفال بمئويتها. وهذا ما هو مرفوض بالمطلق إذ أثبت اللبنانيون أنهم يستحقون لبنان الكبير، لبنان البطريرك حويك، الذي لطالما حاول المغرضون نسفه، بوصف المسيحيين بالانعزاليين تارة، وبعنجهية ووهج السلاح تارة أخرى. لبنان يا سادة باقٍ باقٍ باقٍ والذين يسعون إلى ضرب حقيقته الوجودية الكيانية هم إلى زوال. والتاريخ لن يرحمهم، سيتسيدون مزابله أينما وجدت هي، وأينما وجدوا هم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل