الثورة مصدر السلطات ومانحة الثقة

 

بعد 13 يوماً من صراخ الثوار، استقال رئيس الحكومة سعد الحريري فسقطت الحكومة في الشارع.

ربما البعض لا يستغيث بكلمة “السقوط في الشارع” إلا أن الكلمة باتت للثوّار، هم الذين أسقطوها وهم من سيحددون هوية السلطة المقبلة.

ولا تختلف مواقع أفرقاء، فهم في السلطة سقطوا جميعاً على يد الثوّار، “كلن يعني كلن”، من دون الحاجة لأي تفسير أو تأويل، لإن الجميع يتحمّل المسؤولية السارق والمشارك والمتدخل.

إذا كان رئيس الحكومة ومع احتدام الثورة، بات يميل إلى الاستقالة، إلا أن تأخيرها كان الحؤول دون الفراغ، والبديل، بناءً على مطالبات الثوّار، حكومة جديدة غير سياسية يتمتّع الوزراء بالكفاءات المطلوبة، منزّهين لخدمة الشأن العام.

أقلّ تعديل في الحكومة السابقة كان ليحدث صدمة إيجابية شعبية واقتصادية تبعد أسماء نافرة، عدد الثوار بعضها، إلا ان هذا السعي قوبل برفض من بعض من في السلطة القائمة، منهم تتعلق بأهدافهم الإستراتيجية ومشاريعهم الإقليمية، ومنهم بطروحاتهم السياسية الضيقة ومشاريعهم التجارية في الدولة، وإزاء تعنّت كل هؤلاء كانت الاستقالة.

والسؤال هو: ماذا بعد الاستقالة؟ أثبت الثورة وستثبت التطورات، أن الكلمة الفصل للثوّار.

الثابتة الأولى، محاولة الاستمالة قبل الاستقالة لمعرفة هويتهم للتهديد، وبعد الاستقالة للحوار فالتفرقة، لان السلطة بحاجة لإيجاد مخرج للواقع الذي وصلت إليه من رفض لها ولأشخاصها ورموزها، وجاءت هذه الثورة لتدفن أحلامها التي كانت تبنيها منذ أشهر أو سنوات للبعض بأقل من 13 يوماً.

الثابتة الثانية، محاولة التدجين، مع حكومة تصريف أعمال تؤجل حديد موعد الاستشارات لتسمية رئيس حكومة، فتتفاقم الضغوطات الاقتصادية على اللبنانيين لتجتمع السلطة السياسية وتُحمّل الثورة الازمة الاقتصادية بعكس الواقع الذي يؤكد أن الأزمة الاقتصادية سببت الثورة التي كان شعار ثوارها “إنقاذ الاقتصاد ومنع الانهيار”.

أضف إلى ذلك، في محاولة لإعادة تشكيل حكومة تسعى إلى تخفيف الاحتقان في الشارع مطعّمة ببعض الوجوه المعروف يتحكم بها أكثرية من السلطة الحالية لتستمر بمخططاتها وأهدافها، إلا أن الثوار تنبهوا لها فسقطت بالأمس.

الثابتة الثالثة، إن الوضع الاقتصادي لا يحتمل أكثر مما هو عليه.

ومن يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، قبل وبعد الاستقالة، هو كل من سعى إلى مكسب من هنا او موقع من هناك او يسعى اليوم إلى التمسّك بشخص أو فرض آخر.

الثابتة الرابعة، إن السلطة القائمة هي امتداد لإيران بناءً انطباع اللبنانيين وتصاريح المسؤولين الإيرانيين وقادة حزب الله وممارساتهم، إلا إن الوضع الإقليمي الضاغط على إيران والحصار المالي والاقتصادي عليها، حدّ من نشاطاتها في المنطقة، سواء المادية أو السياسية، هي العائدة خائبة منهمكة من حرب سوريا.

أضف إلى التصدّع الحاصل في بيئة “ولاية الفقيه” ومجتمعه من هتافات وصرخات ضد قادته بشكل غير مسبوق والتعرّض إليهم لأول مرّة، بالتكسير والتخريب علانياً ومن دون رادع، بعدما كانت تشكل هامات لا يجوز إلا الإنحناء أمامها.

الثابتة الخامسة، إن الاقتصاد اللبناني وبحسب الخبراء الاقتصاديين، مدولر بنسبة 70%، بمعنى أن من يتحّكم باقتصادنا هو “مصدّر العملة”، أي من يطبعها، وهو الذي يحجبها ويحدد قيمتها ويراقب ويلاحق مزوّريها وغاسلي الأموال وتجار المخدرات المستفيدين منها، وهو يفرض العقوبات ويحجبها ويتحّكم باقتصادنا تبعاً لنسبة دولرته المرتفعة، ناهيك عن الانكماش الاقتصادي في لبنان والعالم الذي انعكس انخفاضاً في تحويلات اللبنانيين وفقدان التوازن في الميزان التجاري.

إن هذه الثوابت، إنما تؤكد أن السلطة الحاكمة ومهما كانت أكثريتها في البرلمان اللبناني ليست هي من ستسمّي رئيس الحكومة وتمنح الثقة للحكومة العتيدة.

إن أي تسمية خلافاً لنبض الثوّار، كما أن أي تشكيلة قد تُفرض عليه ستسقط مرّة أخرى، وببقائهم في الشارع ورفضهم لأية تشكيلة ورغم منحها ثقة السلطة السياسية في البرلمان، ستعتبر حكومة مناهضة وفاقدة لثقة اللبنانيين، وحكومة إرهابية ظالمة بنظر مجموع الدول المؤثرة، وتبطل بعدها مفاعيل مؤتمر “سيدر” الاقتصادي.

ولحين تشكيل الحكومة، تبقى العين على الجيش اللبناني وعدم التعرّض إليه أو مواجهته لإضعافه لأنه يبقى القوّة الساهرة على أمن الثوّار ومستقبل الوطن الذي نطمح إليه.

إضافة إلى ذلك، يجب التنبه من التلاعب على العواطف عند تشكيل الحكومة من أسماء يروّج أنها مستقلة إنما ترشّحت على لوائح السلطة في الانتخابات النيابية الأخيرة، وأخرى انفصلت عن كتلها إنما تربطها بالسلطة حبل سرّي، ليمارس توزيع الأدوار وتلتفّ على الثوار تقويضاً لنجاحاتهم، مما يحتّم تنقية بالأسماء لا تربطها علاقة أو مصالح بأي من المشاريع مع السلطة السياسية.

ويبقى إذا كانت القوات اللبنانية من بادر إلى الاستقالة في الأيام الاولى من انطلاق الثورة، فهي نتيجة الوضع الذي كان قد حذّر منه عدة مرات رئيسها سمير جعجع الموثّق بطلب تشكيل حكومة حيادية من ذوي الاختصاصات قبل الوصول إلى الانهيار الاقتصادي.

موقف “القوات” أتى متناسقاً مع تمايزها الدائم عن باقي فرقاء السلطة وكأن هذا التمايز فيما ولو استمرت في الحكومة، كان ليوكن شكلياً، لأن بقائها يوحي بأن شريكة بتغطية الطبقة الفاسدة وهي بالتالي شريك في الفساد أيضاً.

استقالة “القوات” لم تكن محاولة لخطف نجاح الثورة أو الاستفادة منها إنما فقط للالتحاق بها سيما أن محازبي القوات ومناصريها بمعظمهم نزلوا إلى الشارع بمبادرة فردية.

ما جمع القواتيين بالثوار هو ألم ووجع واحد لتأمين لقمة عيش كريمة وحياة لائقة لحقوق المواطنين بعيداً من التدخلات والوساطات وغيرها من الظواهر التي عودتهم عليها الطبقة السياسية الحاكمة.

وكم سعى أهل السلطة قبل وبعد استقالة “القوّات” إلى توريطها مع الثوار باعتبار أنها هي من تدير الثورة في محاولة للانقضاض على الثورة وإجهاض أهدافها، إلا ان الكلمة الفصل كانت وستبقى للثوّار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل