
افتتاحية صحيفة النهار
سنة رابعة للعهد في ذروة التأزم :هل يعود الحريري؟ انهيار “الهدنة ” وقطع الطرق يتجول بين المناطق
قد تكون جوانب من المشهد “الميداني” الموزع بين مناطق عدة ليل أمس أفضل تعبير عن الواقع الغامض الذي تجتازه البلاد غداة اعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالة حكومته ومع طلب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون منها تصريف الأعمال وقبيل اعلان الرئاسة الاولى موعد اجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس لحكومة جديدة. ذلك أن الانتفاضة التي استجاب بعضها نهاراً لبيان قيادة الجيش بفتح الطرق ولم يستجب بعضها الآخر مما دفع بالجيش الى فتح طرق رئيسية بنفسه، عادت ليل أمس لتثير تساؤلات عما اذا كانت الايام الطالعة ستشهد “هدنة” من أجل تمرير المراحل الأولى الأساسية من انطلاق عملية التكليف وتأليف الحكومة، أم أن الهدنة لن تكون واردة في ظل اتجاهات لدى الانتفاضة للمضي في التصعيد بمنع فتح المدراس والجامعات على الأقل؟
وقد ارتسمت هذه الشكوك وعادت تسابق بل تستبق الاتصالات والمساعي السياسية الجارية لاطلاق المرحلة التالية من استحقاق التغيير الحكومي من خلال تحركات كثيفة عادت الى شوارع عدة ليل امس من أبرزها انطلاقة لافتة للشارع المؤيّد للرئيس الحريري و”تيار المستقبل” عبر مسيرات سيارة وبالدراجات في شوارع وأحياء من بيروت، كما عبر تجمعات وتظاهرات مؤيدة للحريري ومنادية بعودته الى رئاسة الحكومة في عكار وطرابلس وبعض مناطق البقاع وسواها من المناطق، ونادى المتظاهرون بشعار “كلن يعني كلن” رفضا لاقتصار الاستقالة على الرئيس الحريري وحده. وفي موازاة ذلك شهدت ساحة النور في طرابلس اعتصاماً حاشداً أطلقت من خلاله دعوات الى استمرار الانتفاضة والامتناع عن اعادة الحياة الطبيعية اليومية والاستمرار في قطع الطرق كما لاقت هذه الدعوات استجابة من بعض المنتفضين في مناطق أخرى في بيروت وصيدا والبقاع الشمالي من غير أن تخلص الى قرار موحد.
ومنع الجيش ليلاً قطع الطرق عند مستديرة العبدة في عكار بعد مواجهة مع المتظاهرين الذين حاولوا اقفالها وسقط عدد من الجرحى خلالها. كما حصلت مواجهة مماثلة في صيدا وأعيد ليلاً قطع بعض الطرق في مناطق الشمال والبقاع، ومن ثم تمددت عمليات قطع الطرق الى جسر “الرينغ” في وسط بيروت. وتسبب التوتر بتراجع عديد من المدارس عن قرار معاودة الدراسة اليوم.
وفي المقابل، يستعد “التيار الوطني الحر” لاقامة مهرجان حاشد في بعبدا الاحد المقبل احياء للذكرى الثالثة لانتخاب الرئيس ميشال عون، علماً أن اليوم هو الذي يصادف الذكرى وسيوجه رئيس الجمهورية كلمة في المناسبة الى اللبنانيين في الثامنة مساءً.
ماذا عن صورة المشهد السياسي غداة استقالة الرئيس الحريري ؟
الخطوة الأولى في قصر بعبدا غداة استقالة رئيس الوزراء كانت طلب رئيس الجمهورية الحكومة الاستمرار في تصريف الأعمال ريثما تشكل حكومة جديدة. ولم ترشح معلومات عن مضمون الكلمة التي سيلقيها عون مساء علماً أن تزامن الذكرى الثالثة لانتخابه وتسارع التطورات الخطيرة الجارية يضع النصف الثاني من عهده أمام مجهر مكبر من الشكوك الكبيرة بعدما شهدت البلاد انزلاقا نحو احدى أخطر أزماتها في ظل العهد.
أما الاستشارات لتكليف رئيس حكومة جديدة فيبدو أن ثمة تريثاً في تحديد مواعيدها ربما الى مطلع الأسبوع المقبل، وذلك في انتظار أن تتوضح مواقف القوى السياسية من الاسم المرشح ومن صيغة الحكومة المقبلة.
وتفيد المعلومات المتوافرة عن أجواء بعبدا، أن عودة الرئيس الحريري الى رئاسة الحكومة هو الخيار الأول لكنه ليس الخيار الوحيد، على ألا أكون هناك شروط مسبقة تقابل بشروط مضادة.
لكن مصادر أخرى، اشارت الى أن الرئيس الحريري يطرح تشكيل حكومة حيادية إنقاذية تقوم على فصل الوزارة عن النيابة، والقوى السياسية ولا سيما منها الثنائي الشيعي لا تزال تدرس هذا الخيار اضافة الى خيارات اخرى.
وفي معلومات من أكثر من مقر، ان قيام حكومة من غير النواب وبرئاسة الحريري هي الأكثر ترجيحاً. وفصل النيابة عن الوزارة لا ينطبق على موقع رئيس الوزراء لأن الخصوصية اللبنانية تقضي بأن يرأس الحكومة الأكثر تمثيلاً في طائفته.
أما الخيار الآخر، بتشكيل حكومة ترأسها شخصية غير الحريري، فهو، اذا تعذر على الاخير السير بواحدة من الصيغتين الحكوميتين محور المشاورات الجارية: حكومة التكنوقراط أو الحكومة المختلطة من تكنوقراط وسياسيين من غير النواب.
وأما خيار حكومة من غير الحريري فيعني انها ستكون حكومة اللون السياسي الواحد، وإمكان تحولها الى حكومة مواجهة مع الخارج وربما نصف قوى الداخل.
وهذا الخيار المرّ ليس وارداً حتى اللحظة. ولم يوح به كلام رئيس الجمهورية امام وفد الرابطة المارونية، الذي دعا أمامه الى حكومة حيادية من ذوي الاختصاص، وذلك قبل أن تزور بنشعي ومعراب.
وأكد رئيس الجمهورية أمام الوفد أنه “ستكون للبنان حكومة نظيفة”، مانحاً الحراك الشعبي غطاءه بأن اعتبر أنه “فتح الباب أمام الإصلاح الكبير، واذا ما برزت عوائق أمامنا، فالشعب يعود من جديد الى الساحات”.
وبدا لافتاً ما أعلنه نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي بعد لقائه الرئيس الحريري في “بيت الوسط” أمس من أن “الرئيس الحريري هو أحد أعمدة وحدة الوطن وأحد أعمدة المحافظة على العيش المشترك، وأعمدة منطق الممثل الحقيقي للمكوّن الذي ينتسب اليه، وهو أحد مقومات المناعة للبلد في وجه التحديات الخارجية. لذلك اعتقد أنه لا خلاف في العمق اليوم حول ما إذا كان الرئيس الحريري هو الذي يجب أن يكلّف ام لا، لأنه صمام أمان للمسألة المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية، الى جانب أشقائه في السلطة ممثلي المكونات، فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النواب. المسألة ليست مسألة ترف في التسمية، بل القضية هي مصلحة وطن ويجب تحويل ما جرى من استقالة وما سبقها، شحنة إيجابية لإعادة إنتاج منطق الدولة بصورة سليمة تأخذ في الاعتبار كل المشاكل التي كانت سبب الازمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً”.
“بيت الوسط”
وقالت أوساط قريبة من “بيت الوسط” إن الرئيس الحريري يترقب ردود الفعل ويراهن على وعي اللبنانيين وإدراك القيادات لخطورة اللحظة، لافتة الى أن الحريري “يتحرك في ضوء قناعاته والتزاماته تجاه المصلحة الوطنية وموجبات حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار”. ورأت أن “استقالة الحريري شكّلت خطوة في إتجاه اعادة الاعتبار للنقاش السياسي على حساب الدعوات التي تنادي بحلول أمنية وتكليف الجيش فتح الطرق بالقوة”، مضيفة ان”الحريري لم يرمِ الكرة في ملعب أحد لكنه سحب كرة النار من الشارع”. ولاحظت أن “لا جدوى من المراوحة في تحليل الاستقالة وأسبابها والمحاولات الرخيصة التي تضعها في خانة المؤامرة”. كما نفت أن يكون الحريري وضع شروطاً على اعادة تكليفه.
وزارت “بيت الوسط” وفود متضامنة مع الرئيس الحريري. ووزع مقطع من شريط فيديو بدا فيه الاخير يتحدث أمام هذه الوفود قائلاً: “استفادوا مني وسرقوا مني وبالآخر عم يزايدوا علي…”.
المصارف
وفي ما يتعلق بفتح المصارف أبوابها غداً أمام الزبائن، أكدت مصادر مصرفية لـ”النهار” أن اجتماع جمعية مصارف لبنان مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أمس وضع خريطة طريق متينة تسهل عبور القطاع المصرفي هذه الازمة بسلاسة من دون تعرضه لاهتزازات في الملاءة من جهة ومن دون أي تقصير تجاه العملاء من جهة أخرى. واتفق أركان القطاع على حماية حرية الايداع والتحويل مع التشديد على جهوزية المصارف التامة لتنظيم عملها. وأشارت الى إن سعر صرف الدولار سيبقى على حاله.
بين ايران وأميركا!
الى ذلك، وفي اطار ردود الفعل الخارجية على التطورات في لبنان، برز هجوم حاد شنّه أمس المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية علي خامنئي، على المتظاهرين في لبنان والعراق الذين دعاهم إلى “اتباع الأطر والهيكليات القانونية في بلادهم لتحقيق مطالبهم”، محذراً من “مخطط لسلب الأمن في بعض بلدان المنطقة.” وقال في تغريدات عبر موقع “تويتر”، إن “أكبر ضربة يمكن أن يوجهها الأعداء إلى أي بلد هي أن يسلبوه الأمن، الأمر الذي بدأوه في بعض بلدان المنطقة”. وأضاف: “أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشغب وانعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أميركا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربية بأموال بعض الدول الرجعية… للناس مطالب أيضا وهي محقة، لكن عليهم أن يعلموا أن مطالبهم إنما تتحقق حصراً ضمن الأطر والهيكليات القانونية لبلدهم. متى إنهارت الهيكلية القانونيّة يستحيل القيام بأي عمل”.
وفي المقابل، حثّ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الزعماء السياسيين في لبنان “على المساعدة في تشكيل حكومة جديدة تلبّي حاجات شعبها”، بعدما استقال رئيس الوزراء سعد الحريري. وقال بومبيو في بيان: “التظاهرات السلمية ومظاهر التعبير عن الوحدة الوطنية في الايام الـ13 الاخيرة بعثت برسالة واضحة. الشعب اللبناني يريد حكومة تتسم بالكفاءة والفاعلية وإصلاحاً اقتصادياً ونهاية للفساد المستشري”.
**************************************
افتتاحية صحيفة نداء الوطن
فتح الطرقات بلا استشارات يؤجّج الثورة
ذئاب السلطة تدرس توزير نعاجها!
على وقع محاولات تأجيل الاستشارات النيابية وتعامل المنظومة الحاكمة مع ثورة 17 تشرين بمكابرة ومحاولتها الالتفاف على مطالبها او اعادة عقارب الساعة الى الوراء عادت الاحتجاجات مساء امس متركزة في طرابلس وصيدا والبقاع الغربي وعكار حيث سقط جرحى لدى محاولة الجيش فتح الطريق في ببنين، في ما بدا انه رسالة تحذيرية من الشعب الى السلطة. الامر الذي ارخى بظلال من الشك على نتائج فتح الطرقات والدعوة الى استئناف الدراسة في المدارس والجامعات اضافة الى فتح المصارف غداً الجمعة.
ولعل أسوأ ما قد تأتينا به السلطة هو تشكيلة حكومية، يبدو أنها قيد التداول، ترضي شكلاً الثورة، وتطعنها ضمناً بالصميم. الترجمة العملية لذلك هي الإتيان بشخصيات تكنوقراط، من أصحاب السير الذاتية والمهنية الرفيعة الشأن، ولكنها كاملة الولاء لأركان السلطة. هكذا تكون ذئاب السلطة انتدبت إلى الواجهة الحكومية نعاجاً وادعة يرتاح إليها الرأي العام، عبر إنتاج مشهدية توحي بأن هناك تغييراً جذرياً، وأن صوت الثورة حقاً وصل، أما في الواقع فتكون خيوط اللعبة ممسوكة من هؤلاء أنفسهم الذين استقطبوا غضب الشارع ورفضه.
ولاستكمال الخديعة قد يصار أيضاً، وهو أيضاً ضمن الدرس، إلى تنقيح هذه التشكيلة التكنوقراطية ببعض الشخصيات الوسطية أو المعروفة بقربها من المجتمع المدني والتي تحظى باحترام المجتمع الدولي المتابع للشأن اللبناني… هو سيناريو قيد التداول وقد يكون الأكثر احتمالاً خاصة بعد تلقي السلطة رسائل من دول غربية تحضها على الأخذ بالإعتبار تطلعات الشعب اللبناني كشرط لإعادة تفعيل مؤتمر “سيدر” المتوقف والذي سبق ان انفردت “نداء الوطن” بالاشارة الى الغاء اجتماع متعلق به كان مقرراً في 13 تشرين الثاني المقبل. هكذا تكون السلطة ومن خلال هذه البدعة الحكومية قد أصابت عصفورين بحجر. تخدير الثورة من جهة وتطمين الدول المانحة من جهة ثانية.
وعشية الموقف الذي سيعلنه الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله غداً، كان ترقّب لما سيعلنه رئيس الجمهورية ميشال عون مساء اليوم في الذكرى الثالثة لانتخابه، بعدما أعرَبَ عن شكره الحريري والوزراء، وطلب منهم تصريف الأعمال من غير اعلان مواعيد الاستشارات.
وإذ اتضح ان المشكلة الاساسية كان عنوانها “جبران باسيل”، فإن الثنائي الشيعي كان مصراً حتى امس على ان اي تعديل وزاري لن يطاله. ويبدو ان هذا العنوان لا يزال يفرض نفسه في ظل اعتقاد عون و”حزب الله” ان عدم توزير باسيل يعني نهايته السياسية، واستطراداً الرئاسية. وفي المقابل، بات مؤكداً ان لا رئيس حكومة سيقبل بوجود باسيل فيها خصوصاً أن الرأي العام اللبناني حوّله رمزاً يجب التخلص منه.
وأكد عون امام وفد من الرابطة المارونية، انه ستكون للبنان حكومة نظيفة، معتبراً “ان ما حصل في الشارع فتح الباب على الاصلاح الكبير، واذا ما برزت عوائق فإن الشعب في حالة ترقب ومتحفز وسينزل الى الشارع مجدداً”، مشيراً الى “ان مكامن الفساد معروفة ويجب محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم، وعلى من يشتكي من الفساد ان يقدم اثباتات عمّا يرتكبه الفاسدون امام القضاء المختص لا الاكتفاء بمجرد الكلام العام عن الفساد في الصالونات”. وقال: “اليوم لن ننتظرهم وسنقوم بما يجب القيام به”. وشدد على “انه من الآن وصاعداً تغيّر الجو الاجتماعي وصار اللبنانيون يصرخون معنا بما نطالب به في توجهاتنا”.
في هذا الوقت، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول بارز مطلع أنّ الحريري مستعدّ لتولي رئاسة الوزراء في حكومة جديدة بشرط أن تضم تكنوقراطاً قادرين على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بسرعة لتجنب انهيار اقتصادي.
وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه إن الحكومة الجديدة يجب أن تكون خالية من مجموعة من الساسة البارزين الذين شملتهم الحكومة المستقيلة.
وأوضحت مصادر “التيار الوطني الحر” لـ”نداء الوطن”: “حددنا معياراً على قاعدة “من ساواك بنفسه ما ظلم” والامر سار على الجميع. وبالنسبة الينا لا تزال نتائج الانتخابات النيابية هي الاساس في الاستشارات الملزمة”.
في هذا الوقت، نعى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع التسوية السياسية، مؤكداً سقوطها الحتمي، جازماً عدم مشاركة “القوات” في حكومة سياسية، وأكد ان المطلوب “حكومة انقاذ خالية من الوجوه التقليدية المتجذرة في الحكومات منذ سنوات، تضم رجالات مستقلة”.
وحذّر جعجع من الاعتقاد بأن الحراك انتهى، وقال: “هو يكمن على الكوع في انتظار ما ستفعله السلطة، فإذا عمدت الى تبديل الوجوه فقط، فإن مشهد الثلاثة عشر يوماً مرشح للاستمرار لمدة 130 يوماً على الارجح. وآنذاك لن يبقى بلد ليحكموه ويتحكموا به”.
وأوضح ان نواب كتلة “الجمهورية القوية” سيسمّون في الاستشارات من يقبل بتشكيل حكومة بالمواصفات التي ذكرناها، علماً ان الرئيس الحريري هو خيارنا الاول لحكومة مماثلة. وبتقديري ان الشارع سيقبل بحكومة من هذا النوع توحي بالثقة اذا رأسها الحريري.
وفي تدخل سافر بالشأن اللبناني، أعلن مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي أنّ للمتظاهرين في العراق ولبنان مطالب “مشروعة”، ولكنّه دعا إلى التحرك “ضمن الهيكليات والأطر القانونية”.
**************************************
افتتاحية صحيفة الجمهورية
مانشيت “الجمهورية”: التكليف مفتوح على كلّ الخيارات … ودعوات دولية تستعجل تشكيل الحكومة
أخطر ما يواجهه لبنان ما بعد استقالة الرئيس سعد الحريري، أنّ القيّمين على شؤون البلد من أعلى الهرم الى أسفله، لا يملكون رموز «الشيفرة» التي من شأنها أن تفتح باب الخروج من الوضع المعقّد الذي دخله لبنان. كان البلد قبل أيام في أزمة سلطة أعمَت العنجهية السياسية أعيُن القائمين عليها، عن عمق أزمة البلد وصرخات الناس، وما بعد الاستقالة دخل البلد في ما يشبه «أزمة تكليف»، ذلك أنّ شخصية الرئيس المكلّف العتيد ما زالت في عالم الغيب السياسي، فيما هو سيدخل لاحقاً في أزمة تأليف، تُحاط حولها توقعات تشاؤمية من الآن بأنها ستستغرق شهوراً! علماً أنّ موجة من التوتر السياسي بدأت تضرب البلد اعتباراً من مساء أمس.
في اليوم الثاني لاستقالة الحريري، خرج المحتجّون من الشارع وتم فتح الطرقات نهاراً، في وقت ظلت أصوات بعض فئات المحتجّين تتصاعد خشية تمييع حركتهم المطلبية.
الّا انّ التحركات في الشارع عادت بشكل مفاجىء مساء، حيث سجل مساء أمس قطع عدد من الطرقات في الحمراء وجسر الرينغ وعين المريسة مع تجمّع ليلي في جل الديب، من دون أن تُعرف الدوافع الحقيقية لذلك، سواء ما اذا كانت سياسية أو مرتبطة بما لَمسه المحتجّون ممّا وصفوها «ميوعة» في تلبية مطالبهم وتأجيل استشارات التكليف.
إعادة الثقة… صعبة
أمّا في السياسة فإنّ الارباك هو سيّد الموقف في كل المقرّات السياسية والرسمية، بالنظر الى الضبابية التي تعتري صورة مشهد ما بعد الاستقالة. فعلى رغم الصعوبة التي تعتري التكليف، ومن بعده التأليف، فإنّ الأصعب منهما هو ترجمة مطالب الناس وما طرحوه طيلة فترة تحرّكهم، وكيفية معالجة أزمة الثقة التي انكسرت بينهم وبين السلطة.
وهذا معناه، على حد ما يريده الناس، أنّ إعادة ترميم هذه الثقة ينبغي أن تتم بعلاج سياسي جذري يُرضي الناس الغاضبة، ويُحقّق، ولو الحد الأدنى من مطالبهم.
وليس أن تكون الاستقالة مجرّد محطة، يُصار بعدها الى إجراء استشارات تكليف او تأليف، تعيد إنتاج ذات التركيبة، بلون آخر، سواء بحكومة سياسية صافية، أو بحكومة سياسية مطعّمة بتكنوقراط، او بحكومة تكنوقراط مطعّمة بسياسيين، أو بحكومة تكنوقراط صافية ستختارها الطبقة السياسية ذاتها. بما يعني القفز فوق الحركة الاعتراضية التي قام بها الناس على مدى 13 يوماً، فتصبح وكأنها لم تكن.
مهلة للمشاورات
رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي سيطل مساء اليوم في كلمة لمناسبة الذكرى الثالثة لولايته، قَبِل استقالة الحريري وكَلّفه وحكومته تصريف الاعمال، من دون أن يحدد أي موعد للاستشارات الملزمة لتكليف شخصية سنيّة لتأليف الحكومة الجديدة.
وقالت مصادر وزارية مقرّبة منه لـ«الجمهورية»: إنّ تأجيل الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة لا يشكل أي مخالفة دستورية، فالرئيس عون يعطي من خلال التأجيل، ربما الى مطلع الأسبوع المقبل، وقتاً من أجل التشاور لتسمية من سيكلّف تشكيل الحكومة العتيدة.
وأشارت الى انّ الاستشارات لن تقتصر على اسم الرئيس المكلّف، بل ستتعداها الى استشراف المرحلة المقبلة، وخصوصاً ما بعد الاستقالة التي جاءت من دون أي تنسيق مُسبق، كما بالنسبة الى شكل الحكومة وأولوياتها، وهو أمر يجب التشاور بشأنه بين داخل الكتل وفي ما بين الحلفاء، ليأتوا الى الإستشارات بالأجوبة الشافية.
حكومة نظيفة
وقد لفت أمس موقف لرئيس الجمهورية أطلقه أمام وفد الرابطة المارونية، أكد فيه أنه ستكون للبنان حكومة نظيفة، وما حصل في الشارع فتح الباب على الإصلاح الكبير.
وإذا ما برزت عوائق، فإنّ الشعب في حالة ترقّب ومُتحفِّز وسينزل الى الشارع مجدداً، مشيراً إلى أنّ مكامن الفساد معروفة، ويجب محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم، وعلى مَن يشتكي من الفساد أن يُقدّم إثباتات لِما يرتكبه الفاسدون أمام القضاء المختص لا الاكتفاء بمجرد الكلام العام عن الفساد في الصالونات.
وختم قائلاً: «اليوم لن ننتظرهم، وسنقوم بما يجب القيام به».
بيت الوسط
أمّا رئيس الحكومة المستقيل، فبَدا حرصه واضحاً على النأي بخطوة الاستقالة عن المنطق الاتهامي الذي أطلقه بعض الاطراف وأدرج فيها الاستقالة في سياق مؤامرة، من دون أن تَبدر عنه شخصياً أي إشارة الى تَرشّحه لرئاسة الحكومة الجديدة في انتظار ما سيقرره «تيار المستقبل»، علماً انّ أوساط الحريري لم تجد مانعاً أمام عودته لترؤس الحكومة الجديدة، إذا وجد في ذلك مصلحة للبلد.
وأوضحت أوساط بيت الوسط لـ«الجمهورية» انّ الحريري لم يطلب الاستمرار في رئاسة الحكومة ولم يطلب إعادة تسميته، ولكن اذا رَست عليه فلن يتردد في تحمّل المسؤولية.
وإذ أشارت الاوساط الى انّ الإتصالات مقطوعة بين المراجع الرسمية، وخصوصاً بعد التقدّم بالاستقالة، رفضت الحديث عن ضغوط خارجية قادَت إليها.
وقالت إنها صنعت في لبنان، وكانت مدار بحث قبل فترة، وانّ الجميع في أجوائها، وليس من الضروري أن يعبّر أحد عن المفاجأة.
إلّا أنّ اللافت للانتباه جاء ليلاً في انتشار مقاطع فيديو للرئيس الحريري وهو يخاطب حشداً أمام بيت الوسط، يقول فيه: «إستفادوا منّي، وسَرقوا منّي، وبالآخِر عم يزايدو علَيّ».
وظهر في فيديو آخر يقول: «أدّيش استفادوا، وأدّيش سَرقوا منّي؟ صار في لايحَة اليوم، وكل واحد جايي حسابو بإذن الله».
ومساء، دعا الحريري مناصريه الى الهدوء. وكتب في تغريدة أطلقها: «مع تقديري لكل مشاعر التعاطف العفوية، أكرر الطلب الى جمهور تيار المستقبل ومناصريه الامتناع عن العراضات في الشوارع، والتزام التعاون مع الجيش وقوى الأمن الداخلي. إنّ الحفاظ على الهدوء ومنع أي انزلاق الى الاستفزازات، مهمّتنا جميعاً الآن».
التكليف صعب
الى ذلك، لعل هذا الوضع الذي فرضته استقالة الحريري هو الأصعب الذي تشهده حالات كهذه، إذ انّ الصعوبة الاعتيادية كانت تتبدّى في تأليف الحكومات، وهو أمر كان يستغرق أشهراً في بعض الحالات، الّا أنّ الصعوبة في الحالة الراهنة تتبدّى في التكليف، الذي تؤشّر الوقائع المحيطة به الى أنه، كما هي الحال الآن، أصعب من التأليف، ولاسيما بعدما خلطت الاستقالة أوراق المواقف والتحالفات كلها.
خيارات
وفي غياب أي اتصال ما بين الرئيس الحريري ورئيس الجمهورية، وما بينه وبين رئيس مجلس النواب، ظهرت حركة اتصالات مكثفة في الساعات الماضية، ولاسيما على خط التيار الوطني الحر و«حزب الله» وحركة «أمل» وتيار المردة والقوى الحليفة لها. أمّا ما يَطفو على السطح من تسريبات، فيفيد بأنها تتناول مجموعة من الخيارات المتصلة بشخص الرئيس العتيد للحكومة المقبلة، من دون أن ترسو حتى الآن على اسم معيّن يمكن الجزم النهائي بأنّ أصابع الاختيار تؤشّر إليه.
وأكدت مصادر مواكبة لهذه المشاورات، أنّ رئيس الجمهورية لن يدعو الى الاستشارات الملزمة الّا بعد انتهاء هذه الاتصالات، وبلورة موقف موحّد حول الخيار الذي سيتم تسميته في الاستشارات.
وقالت المصادر لـ«الجمهورية»: انّ المعركة الآن أصبحت معركة سياسية، ويبدو انّ الأمور متجهة نحو كباش سياسي أخطر ممّا شهدته الأيام الماضية، لا يملك أحد تقدير الموقف الذي قد يبلغه.
تسمية الحريري
يتزامَن ذلك مع تأكيدات مقابلة بأنّ اسم الحريري ما زال الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة الجديدة، خصوصاً انّ الخيارات البديلة ليست بالثِقل الذي يمثّله الحريري سياسياً ونيابياً وعلى مستوى شارعه الذي بَدأ يتحرّك منذ إعلانه استقالته، واستمر يوم أمس، بتجمّعات وتظاهرات سيّارة ودرّاجة وقطع طرقات في العديد من المناطق اللبنانية. هذا فضلاً عن أنّ إمكانية تسمية شخصية أخرى تعتبر مُستفزّة للحريري وشارعه، من شأنها أن تخلق أجواء ضاغطة أكثر، تزيد من التشنّج القائم حالياً في البلد.
مشاورات تسبق الاستشارات
عملياً، صارت استقالة الحريري نافذة، وهناك أيام قليلة تفصل عن بدء الاستشارات المُلزمة لرئيس الجمهورية. أمّا عَلامَ سترسو هذه الاستشارات؟ فذلك ستحدده أصوات النواب التي ستودعها رئيس الجمهورية.
خريطة المواقف
في موازاة ذلك، رسمت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الجمهورية» خريطة مواقف القوى السياسية من موضوع التكليف، كما يلي:
الحريري
أولاً، الرئيس الحريري، مع 3 خيارات، الأول حكومة تكنوقراط يترأسها، والثاني حكومة سياسية مطعّمة بتكنوقراط يترأسها، والخيار الثالث حكومة سياسية محايدة ومتوازنة ليست برئاسته، مع الافضلية لأن يكون رئيسها من مناخ تيار «المستقبل».
عون
ثانياً، رئيس الجمهورية و«التيار الوطني الحر»، لا شك في انّ الاستقالة أصابت فريق رئيس الجمهورية بصدمة كبرى، فالحريري وبلا تشاور مع رئيس الجمهورية، أطاح بما سُمّيت «حكومة العهد». وتبعاً لذلك، بدأ فريق الرئيس يتصرّف وكأنّ التسوية التي كانت معقودة مع الحريري قد ماتت.
إنما في مقابل ذلك، فإنّ هذا الفريق لا يقول علناً انه سيسمّي الحريري او لا يسمّيه، رابطاً قرار التسمية أو عدمها بما ستقرره المشاورات مع القوى السياسية الاخرى، ولاسيما القوى الحليفة له. إنما الثابت لدى هذا الفريق هو أنه لم يعد مُلزَماً بتسمية الحريري على ما كان عليه الحال أيام التسوية وخلال استشارات تكليف الحريري تشكيل الحكومة المستقيلة، التي تَلت الانتخابات النيابية في العام 2018.
وامّا بالنسبة الى الحكومة الجديدة، وحتى ولو أعيد تكليف الحريري، ففريق رئيس الجمهورية هو مع حكومة «عليها القيمة»، وضد أيّ حكومة تشتمّ منها رائحة ثأرية من الوزير جبران باسيل، فهذا خط أكثر من أحمر.
بري
ثالثاً، الرئيس نبيه بري، مصدوم بدوره من استقالة الحريري، وسعى جهده، حتى قبل دقائق معدودة من إعلانها، الى ثَني الحريري عن الاقدام على هذه الخطوة. وأجواء عين التينة تعكس انزعاجاً شديداً لدى رئيس المجلس «لأنّ هذه الاستقالة رميت في وجهنا».
أمّا في ما خصّ إعادة تسمية الحريري لرئاسة الحكومة، فمعلوم انّ رئيس المجلس لطالما كان السبّاق في إعلان موقفه المؤيّد تكليف الحريري لرئاسة الحكومة، الّا انه في الواقع الراهن لا يأتي على ذكر هذا الأمر، بل يُقارب استقالة الحريري بانزعاج شديد منها.
وقد أكد بري امام نواب الاربعاء، أمس، «انّ البلد لا يحتمل المزيد من المتاعب والمخاطر إقتصادياً ومالياً، جازماً أنّ الوحدة والانفتاح والحوار بين بعضنا البعض كلبنانيين يجب ان تسود المرحلة المقبلة».
ودعا بري الى التعجيل بتأليف الحكومة وفتح الطرقات، محذّراً من فقدان الأمل بالأمن في لبنان، مُبدياً خشيته من الضغوط الدولية إبتداءً من اليوم.
«حزب الله»
رابعا، «حزب الله». من المؤكد أنه لن يسمّي الحريري في الاستشارات الملزمة، وهو في الاساس لم يعلن أنه يضع أي «فيتو» على عودة الرئيس الحريري الى تشكيل الحكومة الجديدة أو لا يضعه. أمّا بالنسبة الى الحكومة فلا يبدو أنه يقبل بحكومة تكنوقراط، سواء أكانت حيادية من رئيسها الى سائر أعضائها أو حكومة تكنوقراط يترأسها الحريري من دون سائر القوى السياسية، إذ كيف تسمّى هذه الحكومة حكومة تكنوقراط طالما انّ رئيسها هو رئيس حزب سياسي؟
جنبلاط
خامساً، «الحزب التقدمي الاشتراكي»، فقد نادى رئيسه النائب السابق وليد جنبلاط بتشكيل حكومة جديدة بعيداً عن التيارات السياسية والأحزاب، تعطي صدمة ثقة للداخل والخارج، وتكون أولوية العمل الوضع المالي وكيفية معالجة الدين، لأنه في كل لحظة تأخير الخسارة أكبر. ولكن في موازاة هذا الكلام جرى حديث عن انّ بعض القوى السياسية تَلقّت من جنبلاط إشارات عن رفضه المشاركة بحكومة بلا سعد الحريري، كما أنه لا يشارك في حكومة بلا «حزب الله»، وانّ الحزب قد تلقّى كلاماً مباشراً بهذا المعنى. وقد سألت «الجمهورية» جنبلاط عن دقة هذا الحديث، فنفى ذلك قائلاً: «لم يصدر عنّي أي شيء من هذا القبيل».
«القوات»
سادساً، «القوات اللبنانية»، مع حكومة برئاسة سعد الحريري، وضد المشاركة في حكومة سياسية.
في هذا الاطار قالت مصادر القوات لـ«الجمهورية»: إنّ استقالة الحريري «خطوة في مكانها الصحيح، والمطلوب اليوم الاسراع في عملية التكليف ومن ثم التأليف، وصولاً الى حكومة جديدة بعيدة كل البعد عن القوى السياسية القائمة وتكون مؤلّفة من اختصاصيين ومن كفايات عالية ومَشهود لها، وتستطيع ان تواجه التحديات المالية والاقتصادية في البلد، وطبعاً المطلوب الاسراع في هذه الخطوة بعيداً عن أي محاولات اخرى، لأنّ ايّ محاولات انتظارية على خلفيات سياسية ستنعكس مزيداً من التدهور، في الوقت الذي يجب الاستفادة من هذه اللحظة والتأسيس عليها بتشكيل حكومة سريعاً تؤدي الى امتصاص نقمة الشارع، وبالتالي الذهاب الى حكومة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بإمكان الشعب اللبناني أن يستعيد ثقته مجدداً، وان تستعيد الحياة طبيعتها خصوصاً انّ التحديات المالية الكبرى تستدعي تشكيلاً سريعاً للحكومة.
المصارف
الى ذلك، ومع بدء استئناف الحياة الطبيعية، أعلنت المصارف اللبنانية إعادة فتح ابوابها صباح غد، في حين انها دعت موظفيها الى القدوم الى مراكز أعمالهم اليوم، لإنجاز أعمال داخلية متراكمة، والتحضير لبدء العمل الاعتيادي بدءاً من الجمعة.
لكنّ السؤال الذي يتراَفق مع عودة المصارف، يتعلق بالاجراءات التي تم الاتفاق عليها في الاجتماع الذي جمع حاكم مصرف لبنان مع رؤساء وممثلي المصارف التجارية، للاتفاق على الخطوات الكفيلة بضبط السوق في المرحلة المقبلة من خلال فرض المزيد من القيود، والسبل الآيلة الى امتصاص المصارف لضغط المودعين في اليوم الاول للافتتاح، واذا ما سيتم إرجاء دفع السندات للزبائن، وكيف ستتم عملية التسديد خصوصاً تلك الديون المتعلقة بالدولار الاميركي؟
هذه المحادثات أثارت تساؤلات حول ما اذا كانت هناك قيود جديدة سيتم فرضها لتقليص إمكانية سحب الاموال او تحويلها من الليرة الى الدولار، أو نقلها الى الخارج، خصوصاً انّ المصارف سبق لها ان اتخذت إجراءات وقيود من دون الاعلان عنها، كما يوضح الخبير الاقتصادي غازي وزني لـ«الجمهورية».
قال وزني: اذا كانت هناك نية لدى السياسيين لتحقيق مطالب الانتفاضة الشعبية من حيث تشكيل حكومة اختصاصيين وفي وقت قصير وتَبنّيها لمشروع الاصلاح ومكافحة الفساد، فإنّ ذلك سينعكس إيجاباً على المرحلة المقبلة. أما اذا طال أمد تشكيل الحكومة ودخلنا في مرحلة فراغ او المجهول أو أتت حكومة لا تراعي مطالب التحرّك، فتبعات ذلك ستكون سلبية على الوضعين الاقتصادي والمالي. لذا، المطلوب وبإلحاح، إسراع القوى السياسية في معالجة الأزمة، لأنّ هذا العامل يساعد في تخفيف الضغوط على الليرة، في حين انّ كل تأخير في المعالجة سيكون عاملاً سلبياً على الاسواق المالية والمصارف.
ورداً على سؤال عن تأجيل فتح المصارف ابوابها ليوم الجمعة، قال وزني: برأيي، من الافضل ان تفتح المصارف أبوابها يوم الاثنين للعموم وليس يوم الجمعة، ففتح المصارف يتأثر كثيراً بالوضع السياسي لأنه يؤثر كثيراً على ثقة المودعين. (ص 12)
ردود دولية
الى ذلك، وغداة الاستقالة، برزت مواقف دولية تنصح بالتعجيل في تشكيل حكومة جديدة، حيث أعرب الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس، عن أمله في ان يتم «تشكيل حكومة جديدة في أقرب وقت ممكن، كي يتمكن لبنان من استعادة عافيته وتفعيل اقتصاده».
بومبيو
بدوره، حضّّ وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو القادة السياسيين في لبنان على الإسراع بتشكيل حكومة جديدة، وقال في بيان: «تدعو الولايات المتحدة الزعماء السياسيين في لبنان الى الإسراع في تسهيل تشكيل حكومة جديدة، يمكنها بناء لبنان مستقر ومزدهر وآمن يلبّي احتياجات مواطنيه».
أضاف: «وجّهت التظاهرات السلمية والتعبيرات عن الوحدة الوطنية في الأيام الـ13 الماضية رسالة واضحة. الشعب اللبناني يريد حكومة كفوءة وفعّالة وإصلاحاً اقتصادياً ووَضع حد للفساد المُستشري».
وأكد أنّ أي أعمال عنف أو تصرفات استفزازية ينبغي أن تتوقف، داعياً الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية إلى مواصلة ضمان حقوق وسلامة المتظاهرين.
خامنئي
وكان اللافت في الردود الخارجية على الاستقالة، دعوة المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، المتظاهرين في لبنان والعراق إلى اتّباع الأطر والهيكليات القانونية في بلادهم لتحقيق مطالبهم، محذّراً من مخطط لسلب الأمن في بعض بلدان المنطقة.
وقال في تغريدات عبر موقع «تويتر» إنّ «أكبر ضربة يمكن أن يوجّهها الأعداء إلى أيّ بلد هي أن يسلبوه الأمن، الأمر الذي بدأوه في بعض بلدان المنطقة».
وقال: «للناس مطالب أيضاً وهي محقة، لكن عليهم أن يعلموا أنّ مطالبهم إنما تتحقق حصراً ضمن الأطر والهيكليات القانونية لبلدهم. متى ما انهارت الهيكلية القانونيّة يستحيل القيام بأي عمل».
عقوبات
من جهة ثانية، قامت الدول السبع الأعضاء في «مركز استهداف تمويل الإرهاب» (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأميركية) بالتصنيف المشترك لـ 25 إسماً مستهدفاً لانتمائهم الى شبكات النظام الإيراني الداعمة للإرهاب في المنطقة، ويُعد هذا الإجراء أكبر تصنيف مشترك في عمر المركز حتى اليوم.
وقد ركّز التصنيف على كيانات تدعم الحرس الثوري الإيراني ووكلاء إيران في المنطقة، ومنها حزب الله. ومن بينهم: شبل محسن الزيدي (مولود في العراق، ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني وبقوات القدس و«حزب الله»)، يوسف هاشم (مولود في لبنان، ومرتبط بـ«حزب الله»)، محمد عبد الهادي فرحات (مولود في الكويت، ومرتبط بـ«حزب الله» اللبناني)، عدنان حسين كوثراني (مولود في لبنان)، وجواد نصرالله (لبناني الجنسية، مرتبط بـ«حزب الله» اللبناني).
**************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
فتح الطرق بقرار أمني ـ سياسي بعد 14 يوماً من الاحتجاجات في لبنان
اتخذت السلطات الأمنية والعسكرية أمس، قراراً بإعادة فتح الطرقات بعد 14 يوماً على الاحتجاجات الشعبية في لبنان، في قرار اعتبره البعض سياسياً – أمنياً، وهو ما تجاوب معه معظم المتظاهرين، مع الإعلان عن الجهوزية الكاملة للعودة إلى السياسة نفسها في حال تأخر تشكيل الحكومة.
وبعد وقت قصير من إصدار الجيش اللبناني بياناً صباح أمس، يدعو فيه المتظاهرين إلى فتح الطرقات مع احترام حرية التظاهر، بدأت مجموعات من القوى الأمنية بإزالة الخيم والعوائق الإسمنتية من الطرقات المقفلة، ولا سيما الرئيسية منها التي تربط المناطق بعضها ببعض.
ورغم تسجيل بعض الاعتراض من قبل مجموعات من المتظاهرين على الخطوة، داعين إلى الاستمرار في إقفال الطرقات إلى حين تحقيق جميع المطالب، كان القرار النهائي بالتجاوب مع القوى الأمنية، مع الاستمرار في الدعوة للتظاهر في الساحات، ومنح السلطة أياماً معدودة للإسراع في تشكيل حكومة انتقالية.
وفتحت كل الطرق الرئيسية والفرعية والدولية تباعاً؛ حيث باتت معظمها سالكة بعد الظهر، أمام حركة المرور من عكار إلى الضنية وطرابلس وجبيل وغزير وجل الديب وزوق مصبح وعالية، وفي وسط بيروت إلى الأوتوستراد الساحلي في الناعمة والدامور والنبطية وصور، وكل طرق البقاع الأوسط والغربي من طريق المصنع حتى ضهر البيدر.
وبعد الظهر تغير المشهد؛ حيث عاد التوتر في منطقة الجية، على الأوتوستراد الساحلي باتجاه الجنوب، إثر إشكال بين المتظاهرين وفريق إعلامي في برجا، حصل خلاله تدافع وسجل اعتداء على القنوات التلفزيونية، وقطع الطريق مجدداً بالسواتر الترابية وإعادة وضع الخيم، مع إصرار على البقاء في الشارع. وعلى الأثر تدخل الجيش والقوى الأمنية محاولين فتح الطرق.
وترافق قرار فتح الطرقات مع قرار المصارف بالعودة إلى العمل يوم الجمعة المقبل، في وقت أعلن فيه وزير التربية والتعليم العالي أكرم شهيب، ورئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب، عن فتح المدارس والجامعات أبوابها اليوم الخميس.
وكان الجيش قد قال في بيانه صباحاً: «بعد مرور ثلاثة عشر يوماً على بدء حركة الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية والمطلبية، وتفاقم الإشكالات بين المواطنين بشكل خطير نتيجة قطع طرق حيوية في مختلف المناطق اللبنانية، وبعد التطورات السياسية الأخيرة، تطلب قيادة الجيش من جميع المتظاهرين المبادرة إلى فتح ما تبقَّى من طرق مقفلة، لإعادة الحياة إلى طبيعتها، ووصل جميع المناطق بعضها ببعض، تنفيذاً للقانون والنظام العام. مع تأكيدها على حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، المُصان بموجب أحكام الدستور وبحمى القانون، وذلك في الساحات العامة فقط».
من جهته، أعلن الأمين العام لـ«الصليب الأحمر» جورج كتانة، أنه تم نقل 580 حالة صحية أول من أمس، مشيراً إلى نقل عدد من الإصابات جراء التضارب أمس في ساحة رياض الصلح والناعمة، مؤكداً أنه لا يزال على استنفاره، آملاً في فتح الطرقات من أجل تسهيل عمله.
**************************************
افتتاحية صحيفة اللواء
ليلة التظاهرات العاصفة: مَنْ يبادر إلى الإنقاذ قبل فوات الأوان؟
عصفت تظاهرات ما بعد المساء، والتي استمرت حتى ساعات الصباح الأولى، في طرابلس والشمال والبقاع الغربي والأوسط، مرورا بصيدا فضلاً عن العاصمة بيروت «بالتطورات الايجابية» التي عبرت عن نفسها، بانفراجات واضحة طوال النهار: من الإعلان عن فتح المدارس والجامعات إلى استئناف العمل في المصارف فضلاً عن تكليف الحكومة تصريف الأعمال، فضلاً عن انطلاق هادئ للاتصالات السياسية بحثاً عن مخارج.
وبدا ان الإسراع بإعادة تطبيع الوضع، وكأن شيئاً لم يكن لم يقنع مكونات الاحتجاج في مختلف المناطق، في حين بدا الإرباك سيّد الموقف، لجهة من سيبادر إلى الانقاذ، قبل فوات الأوان، ومن باب حكومة جديدة، من الصعب ان تكون مكوّنة من المكونات التي اوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، وسط حالة من تجدد الاحتقان، والاشتباكات التي وقعت ليلاً في عكار والعبدة، وارتفاع منسوب الشائعات، حيث سارعت قيادة الجيش إلى نفي كلام عن إعلان حالة الطوارئ.
بدا المشهد واضحاً ان التظاهرات العاصفة، تهدف إلى إعادة رسم الوقائع: فإما ان يخرج الجميع من السلطة، أو يعاد تكليف الرئيس الحريري، الأقدر على لملمة الوضع، كما أوضح نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي، بعد زيارة «بيت الوسط».
وكان المواطنون خرجوا ليلاً إلى التظاهر والتعبير عن تعاطفهم مع الرئيس سعد الحريري الذي سارع إلى دعوة النّاس إلى الخروج من الشارع.
انقلاب المشهد: عودة الحراك إلى الشارع
إذا كان الحراك الشعبي، الذي يقود انتفاضة 17 تشرين الأوّل، قد أظهر حسن نية تجاه السلطة القائمة، بقبول خروجه من الشارع، أو على الأقل إعادة فتح الطرقات الرئيسية بين المناطق، ولو تحت ضغط الجيش والقوى الأمنية، على أساس ان استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري شكلت انتصاراً لأحد مطالبه الرئيسية، وذلك بقصد إفساح المجال امام أرباب الحكم إعادة إنتاج حكومة حيادية أو تكنوقراط تتولى إدارة شؤون الحكم في هذه المرحلة ومحاسبة الفاسدين واعداد قانون انتخاب جديد لاجراء انتخابات نيابية مبكرة، فإن اللافت وربما المستغرب، كان في تباطؤ رئاسة الجمهورية في الدعوة إلى اجراء استشارات نيابية ملزمة لتكليف شخصية سياسية أو غير سياسية تشكيل الحكومة الجديدة، بعدما كانت تمهلت بإعلان قبول الاستقالة منذ لحظة تقديمها، وبالتالي تكليف الرئيس الحريري الاستمرار في تصريف الأعمال، بحسب منصوص الدستور اللبناني.
وإذا كانت الشكوك بنيات الحكم هي التي دفعت قيادات الانتفاضة، إلى إعطاء السلطة مهلة زمنية 48 ساعة، للخروج من الشارع، لمراقبة ما يمكن ان يحصل سياسياً، وارتضت فتح الطرقات، ولا سيما الاوتوسترادات الرئيسية على طول الخط الساحلي من صور جنوباً وحتى عكار شمالاً، على الرغم من رفض جزء من الحراك هذا الأمر معتبراً انه «غلطة كبيرة» فقد كان لافتاً للانتباه، انقلاب المشهد مساءً على ما كان عليه فمن هدوء صباحاً، حيث فتحت معظم الطرق والاوتوسترادات، باستثناء اوتوستراد الجنوب عند مفرق الجية، قبل ان يعاد فتحه عند السادسة غروباً.
واتخذ انقلاب المشهد طابع العودة إلى قطع الطرقات مساءً، بدءاً من جسر «الرينغ» حيث عاد المعتصمون الذين كانوا يتجمون في ساحة رياض الصلح، إلى نقطة الاعتصام قرب «برج الغزال» وقعطوا طريق الجسر المؤدية إلى الأشرفية، بعد ان اعادوا نصب الخيم إلى جانب الطريق تمهيداً لتمضية الليل هناك.
وفسرت عودة المعتصمين إلى قطع الطريق إلى انه جاء تضامناً مع زملائهم الذين تعرضوا للضرب من القوى الأمنية في كل من صيدا والعبدة في عكار، إضافة إلى أن ساحة النور في طرابلس بقيت على توهجها بعشرات الألوف من المتظاهرين الذين رفضوا الخروج من الساحة، وهتفوا بسقوط النظام ورحيل جميع المسؤولين عنه، وهو ما لحظه المتظاهرون بشعار «كلن يعني كلن» من دون استثناء أحد.
صدامات في عكار وصيدا
وكانت السلمية والهدوء اللذان اتسم بهما نهار أمس، تعكرت ليلاً، في كل من عكار والبقاع وصيدا، حيث سجلت صدامات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، لا سيما بعد ان نزل مناصرو تيّار «المستقبل» بدورهم إلى الشوارع، معلنين رفضهم ان يدفع الرئيس الحريري وحده ثمن الحراك والانتفاضة الشعبية، وهتفوا ضد الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.
وأفيد عن خروج تظاهرات في كل من سعدنايل وتعلبايا وبرالياس والمرج في البقاع، من دون ان يسجل أي اشكال مع القوة الأمنية، فيما تطوّر الموقف في ساحة الاعتصام في صيدا، وسجل سقوط 3 اصابات بتدافع بين الجيش والمتظاهرين، بعد مسيرة جابت شوارع المدينة وصولا إلى ساحة ايليا.
كما تطوّر الموقف في ساحة العبدة في عكار بين المعتصمين والجيش الذي حاول إعادة فتح الطريق، ما اضطره إلى استخدام القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاط لتفريق المعتصمين الذين سجلت اصابات طفيفة في صفوفهم.
وأعاد الجيش كذلك فتح اوتوستراد شكا في الشمال على المسلكين بعدما اقدم مجهولون على اقفاله بالاطارات المشتعلة، فيما أعاد المتظاهرون قطع اوتوستراد طرابلس- المنية، عند نقطة البداوي بالاتجاهين، ومنع الجيش عدداً من المتظاهرين من اقفال الطريق العام عند جسر جل الديب.
وازاء تطوّر الأمور على نحو سلبي في المناطق، غرد الرئيس الحريري عبر حسابه على «تويتر» قائلاً: «مع تقديري لكل مشاعر التعاطف العفوية، اكرر الطلب إلى جمهور تيّار «المستقبل» ومناصريه الامتناع عن العراضات في الشوارع والتزام التعاون مع الجيش وقوى الأمن الداخلي».
وقال: «الحفاظ على الهدوء ومنع أي انزلاق إلى الاستفزازات مهمتنا جميعاً الآن».
يُشار إلى انه جابت في بيروت مسيرات على الدراجات النارية شوارع: قصقص، البربير، الطريق الجديدة وعائشة بكار مؤكدين دعمهم للحريري.
ماذا سيجري السبت والأحد؟
تزامناً، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي، دعوات للتظاهر والتواجد والانتشار حول مقر الرئاسة الثانية في عين التينة عصر يوم السبت المقبل في الثاني من تشرين الثاني المقبل، لكن المكتب الإعلامي للرئيس نبيه برّي وصف هذه الدعوات بأنها مدسوسة يراد منها الفتنة واغراق البلاد في مزيد من الفوضى.
ودعا بيان المكتب جميع الحركيين وانصار حركة «امل» إلى البقاء في قراهم ومنازلهم واعمالهم درءاً للفتنة، وتفويت الفرصة على الساعين لزعزعة استقرار لبنان.
وفي المقابل، ذكرت معلومات ان «التيار الوطني الحر» يخطط للنزول إلى الشارع قبل ظهر يوم الأحد المقبل، في مهرجان وتظاهرة يريد منها إعادة الاعتبار لشارعه وقوته.
وأفاد موقع «ليبانون فايلز» ان ما يخطط له التيار سيكون بمثابة انتفاضة أخرى، وان وجهة التظاهر ستكون القصر الجمهوري في بعبدا، دعماً للرئيس عون من أجل مكافحة الفساد وبناء دولة قوية.
ونفت قيادة الجيش في بيان ما تداولته بعض المواقع عن إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول في المناطق، ودعت المواطنين إلى عدم الانجرار وراء الشائعات والتأكد من صحة المعلومات.
وأعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ليلاً رفضه استغلال الشارع لأسباب غير التي رفعها الحراك، مؤكداً ادانته أي حراك آخر يريد سرقة الحراك وادخاله في لعبة السياسات الضيقة والانتهازية.
كذلك اعلن وزير التربية والتعليم العالي اكرم شهيب ليلاً، انه خلافاً لقرار فتح المدارس اليوم الخميس، يترك لمدير المدرسة دراسة الأوضاع المحيطة بمدرسته واتخاذ القرار على مسؤوليته، فتح المدرسة ومباشرة التدريس أو تمديد الاقفال حيث تدعو الحاجة.
مشاورات تشكيل الحكومة
في هذا الوقت، تجري مشاورات بين القوى السياسية حول تشكيل الحكومة الجديدة، في محاولة للوصول الى توافق على رئيسها وشكلها وعدد وزرائها وعناوين برنامجها، بانتظار تحديد الرئيس ميشال عون موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المكلف، وسط تضارب المعلومات حول رغبة الرئيس سعد الحريري بقبول ترؤس حكومة، قيل ان نصفها من التكنوقراط. فيما قالت مصادر رسمية ان الرئيس عون سيعتمد الاليات الدستورية في مثل هذه الحالات.
وكررت مصادر تكتل «لبنان القوي» القول: ان الرئيس الحريري لم ينسق في استقالته مع رئيس الجمهورية للاتفاق على الخيارات البديلة، «مع اننا وقفنا معه ووقف معه الرئيس بري و»حزب الله» والحلفاء الاخرون، لكنه فضّل هذا الخيار لا نعرف كيف ولأي سبب فعلي».
وقالت: ان الاستقالة بهذا الشكل غير المنسّق مع رئيس الجمهورية امر مخالف للاعراف من جهة، ويؤخر عملية التوافق على حكومة بديلة ما يضع البلاد في حالة فراغ. واذا كان الحريري لم يعلن رسميا سقوط التسوية السياسية فهو اخرج نفسه منها، فبات لنا الحق بإعادة النظر في حساباتنا والتشاور مع الحلفاء للاتفاق على قرار موحد.
لكن مصادر نيابية متابعة قالت: انه من المبكر الحديث عن شكل الحكومة قبل التوافق على شخص رئيسها، وضمن اي تسوية سياسية جديدة تضمن ارضاء كل الاطراف، في ظل الشروط المطروحة المتممة لمطلب استقالة الحكومة وأبرزها اعداد قانون انتخابات نيابية جديدة واجراء انتخابات مبكرة، وهو الامر الذي ترفضه اغلبية القوى السياسية، ويتبناه بشكل اساسي رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
وتشير المصادرالى ان تلبية شروط «القوات اللبنانية» والحزب الاشتراكي بتشكيل حكومة تكنوقراط، واشتراط استبعاد جبران باسيل عن اي حكومة جديدة بوجوه جديدة كما يطلب جنبلاط ورئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، امر ليس من السهل تلبيته، لأن ذلك يعني انتصاراً سياسياً لمعارضي العهد، ولن يقبل به بسهولة حلفاء العهد، إلا في حال حصول تسوية سياسية جديدة تُرضي الجميع وهو امر ليس متاحاً بهذه السهولة.
وتفيد المعلومات ان «حزب الله» وحلفاءه لا زالوا يدرسون موضوع تشكيل الحكومة وظروف تشكيلها، فيما يركز الرئيس بري على سرعة الانتهاء من تشكيل الحكومة، بينما تقول مصادر موالية للحكم ان نظام لبنان البرلماني الديموقراطي التوافقي الميثاقي يجعل من تشكيل حكومة بشروط سياسية من قبل جهة سياسية واحدة امراً صعباً.
وتضيف المصادر: البعض يطرح تشكيل حكومة تكنوقراط وبرئاسة الحريري، ونحن لانمانع، لكن من سيُسمي الوزراء التكنوقراط ،هل الحريري بمفرده ام انه سيطلب رأي القوى السياسية لتسمية وزرائها التكنوقراط؟ وهل تحصل مثل هذه الحكومة على ثقة المجلس النيابي اذا اتفقت الأغلبية على رفض تشكيل مثل هذه الحكومة وقاطعت الاستشارات النيابية أو جلسة الثقة؟
وكانت بعض المصادر قد اشارت الى ان الرئيس الحريري «لا يسعى لرئاسة الحكومة ولكن إذا رست عليه سيتحمّل المسؤولية»، فيما نقل عنه زواره لـ«اللواء»، انه «اجرى معهم تقييما واسعا للمرحلة الماضية سياسيا وحكوميا، ولماجرى في الشارع خاصة بعد تزايد الاشكالات الامنية ووصول اللهيب الى طرابلس، وانه كان ضنينا بأمن الناس ورأى انه لا يمكن الاستمرار بهذا الوضع، فقرر الاستقالة، وان اي كلام آخرعن سبب استقالته لا اساس له من الصحة».
ولمس زوار الحريري «انه مستعد لتحمل المسؤولية الوطنية، وهو يتمنى الخير للبلد ولرئيس الجمهورية».
وحول ما يُقال عن شكل الحكومة تكنوقراط او سياسية او مطعمة، قال الزوار: ان هذا الامر تفصيلي ويتم في ساعته اي ان التخريجة تتم عندما يتم تكليف رئيس الحكومة، وقالوا: هل يمكن تكليف شخص غير الحريري الان في هذا الظرف وهوركن من اركان الوحدة الوطنية ومن اركان مناعة البلد بوجه التهديدات الخارجية؟ وهل يمكن اخراج المكون السني الاساسي من المعادلة؟
وقالوا: الاعتقاد ان الاغلبية ستعيد تسمية الحريري لتشكيل الحكومة وثمة قوى وازنة تنصح بذلك. اما من يضع الشروط منذ الان حول شكل الحكومة واجراء انتخابات مبكرة فبإمكانه ان يذهب الى المعارضة او ليتم الاتفاق على قانون انتخابي جديد. لقد سبق وطُرح موضوع وضع قانون انتخابي جديد قبل هذه الازمة لكنهم هربوا من الطريق.
وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مساء أمس شريط فيديو للرئيس الحريري، خلال استقباله وفد اتحاد جمعيات العائلات البيروتية، يقول فيه امام زواره: «أكلوا مني واستفادوا مني وسرقوا مني، وبالآخر زايدو عليّ».
وأضاف، في شريط آخر: «هؤلاء النّاس كانوا معي ومعروف مين هن وقديش استفادوا مني، وقديش سرقوا، كل واحد من هؤلاء جاي حسابو».
عون: حكومة نظيفة
إلى ذلك، كان لافتاً للانتباه، الموقف الذي أعلنه الرئيس عون والذي ستكون له كلمة في الثامنة من مساء اليوم في الذكرى الثالثة لانتخابه، حيث أكّد انه «ستكون للبنان حكومة نظيفة»، معتبراً ان «ما حصل في الشارع فتح الباب على الإصلاح الكبير».
وقالت مصادر مطلعة على أجواء بعبدا، بأن ما تحدث عنه عون حول «الحكومة النظيفة» جاد، على الرغم مما أثاره هذا الكلام من تفسيرات حول طبيعة ما كانت عليه الحكومة المستقيلة، لكن المصادر قالت انه «يعني ان الحكومة الجديدة ستعمل على تنفيذ الورقة الإصلاحية ومكافحة الفساد»، مشيرة «الى إلى ما قاله عن عودة الحراك إلى الشارع في حال بروز عوائق امام الإصلاح لا يُمكن ادراجه الا في إطار تغطيته».
واوضحت ان خيار حكومة تضم وجوها سياسية غير حزبية يدرس، والأمر ينطبق على توجه يتصل بأن يكون الوزراء من غير النواب بمعنى اخر فصل الوزارة عن النيابة، ورأت ان ذلك لا بنطبق على رئيس الحكومة بأعتبار انه يمثل موقعا ميثاقيا اختارتة الأكثرية السنية وهذا الأمر ايضا يتصل بصفة التكنوقراط.
واشارت المصادر نفسها الى ان من سيشارك في الحكومة الجديدة عليه ان يتحلى بسمعة توحي بالثقة وتخلق صدمة ايجابية مؤكدة ان هذه الحكومة تضم اشخاصا يرتاح لهم الحراك.
ونفت المصادر ان يكون قد تم الوصول الى مرحلة الأسماء لافتة الى ان التركيز يتم الآن على مرحلة التكليف مع العلم انها اصعب من التشكيل في الوقت الذي يبرز فيه التأكيد على ان التسوية التي اوصلت الى انتخاب رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الحكومة تسقط عندما لا يعود الحريري رئيسا للحكومة اما اذا عاد فربما تكون اهتزت.
**************************************
افتتاحية صحيفة الشرق
الثورة تفتح الطرقات ولا تغادر الشارع بانتظار الحكومة
في اليوم الرابع عشر على الاحتجاجات الشعبية في مختلف المناطق، تجاوب المنتفضون على الفساد والوضع الاقتصادي المعيشي المتردي امس مع مطلب الجيش بفتح الطرق، فعلقوا إعتصامهم مع الإبقاء على الجهوزية للنزول الى الشارع في حال المماطلة في تشكيل حكومة انقاذية تعمل على تحقيق المطالب التي باتت معروفة، وذلك في ظل أجواء من الهدوء ترافقت مع عمليات تنظيف وفرز النفايات في ساحات الإعتصام وإزالة بعض الخيم منها على ان يحدد الحراك في بيان موحّد يصدره غداً، مهلة زمنية لتشكيل الحكومة، وإلا سيتمّ اللجوء الى خطوات تصعيدية.
مطلب الجيش جاء في بيان هذا نصه: «بعد مرور ثلاثة عشر يوماً على بدء حركة الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية والمطلبية، وتفاقم الإشكالات بين المواطنين بشكل خطير نتيجة قطع طرق حيوية في مختلف المناطق اللبنانية، وبعد التطوّرات السياسية الأخيرة، تطلب قيادة الجيش من جميع المتظاهرين المبادرة إلى فتح ما تبقَّى من طرق مقفلة لإعادة الحياة إلى طبيعتها ووصل جميع المناطق بعضها ببعض تنفيذاً للقانون والنظام العام. مع تأكيدها على حقّ التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي المُصان بموجب أحكام الدستور وبحمى القانون، وذلك في الساحات العامة فقط».
ولبى المتظاهرون نداء الجيش، ففتحت تباعا كل الطرق الرئيسية والفرعية والدولية وباتت سالكة امام حركة المرور من عكار الى الضنية وطرابلس وجبيل وغزير وجل الديب وزوق مصبح وعاليه وفي الرينغ وسط بيروت الى الاوتوستراد الساحلي في الناعمة والدامور والنبطية وصور، وكل اطرق البقاع الاوسط والغربي من طريق المصنع حتى ضهر البيدر.
وأصدر الثوار من صيدا بيانا أعلنوا فيه ان ساحات الثورة مفتوحة ولن تقفل بعد اليوم، الشعب قال كلمته ولم يتراجع تحت ضغط صموده ووحدته وعلى رغم كل محاولات السلطة وشبيحتها بإجبارالشعب على الخروج من الشارع حققنا الإنتصار الأول وهو اسقاط الحكومة.
نتجه نحن المعتصمين الى فتح الطرق الرئيسية، حرصاً منا على سلامة شعبنا وسلمية تحركنا. وبما أن مطالبنا لم تتحقق بالكامل والتي حددناها في بياناتنا السابقة نؤكد الإبقاء على مظاهر الإعتصام في ساحةايليا حتى تحقيق المطالب كافة. سنبقى في الساحات والشعب حاضر للمراقبة والمحاسبة ولتعلم هذه السلطة أن ما قبل 17 تشرين ليس كما بعده.
وبعد الظهر تغير المشهد، حيث عاد التوتر في منطقة الجية إثر إشكال بين المتظاهرين وفريق إعلامي في برجا حصل خلاله هرج ومرج والاعتداء على القنوات التلفزيونية وقطع الطريق مجددا بالسواتر الترابية وإعادة وضع الخيم مع إصرار على البقاء في الشارع.
وعلى الأثر تدخل الجيش والقوى الأمنية محاولين فتح الطرق.
كذلك افيد عن فتح الاوتوستراد الساحلي في محلتي الناعمة والدامور من قبل المحتجين وأهالي المنطقة، وذلك استجابة لطلب الجيش اللبناني. وعملت آلية على ازالة الأتربة بشكل كامل لعودة الطريق الى طبيعته.
وقال المتظاهرون: لم نقصد الاعتداء على وسائل الاعلام وما حصل تم عن طريق الخطأ.
ـ وفي طرابلس ومع بدء التجمع امس في ساحة النور إنتقلت مجموعة الى جسر البالما وقطعت طريق عام ساحة العبدة في عكار بعد فشل المفاوضات بين المعتصمين والجيش.
وشهدت مدينة صور امس استقرارا تاما وحياة طبيعية في ظل فتح المرافق والمؤسسات كافة، بإستثناء المصارف، فيما كل الطرق مفتوحة وتشهد زحمة سير عند مساربها.
وقام عمال بلدية صور بعملهم الطبيعي في تنظيف الشوارع ونقل النفايات، أما المحتجون في ساحة العلم فقد انقسموا الى قسمين منهم من يريد البقاء ومنهم قرر عدم البقاء.
وافيد امس عن ازالة الخيم عن اوتوستراد الزوق على واقع قرع الاجراس وفتحت الطريق على المسلك الشرقي بشكل طبيعي اما المسلك الغربي فتتم إزالة الخيم عنه لفتحه بعد قليل وعملت امس عناصر الجيش على فتح أوتوستراد جل الديب.
وافيد ايضا أن القوى الامنية فتحت اوتوتستراد غزير على المسلكين الشرقي والغربي وبدأ المواطنون يسلكون الاوتوتستراد بشكل عادي.
وازال المحتجون امس الخيم عن مسلكي الاوتوستراد تحت جسر المستشفى، فأصبح الاوتوستراد سالكا بالاتجاهين، وفي شكا فتح الاوتوستراد بالاتجاهين ايضا.
من جهة اخرى افيد امس ان أهالي بلدة الصويرة نفذوا اعتصاما عند مفرق البلدة حضره فعاليات محلية ورجال دين وحشد من المواطنين، مطالبين بانتخابات نيابية مبكرة، مؤكدين ثباتهم في الشارع حتى تحقيق هذه المطالب.
وأشاروا إلى «أنهم سيلجأون الى قطع الطريق مجددا بعد فتحها من قبل البلدية والقوى الامنية، إذا لم تنفذ المطالب من ساحة الشهداء الى طرابلس فالبقاع وصولا الى الجنوب».
من جهته أعلن الأمين العام للصليب الأحمر جورج كتانة انه تم نقل 580 حالة صحية أمس، مشيرا الى نقل عدد من الاصابات جراء التضارب اول أمس في ساحة رياض الصلح والناعمة. وأكد ان الصليب الاحمر مازال على استنفاره، آملا في فتح الطرقات.