
بعد 13 يوماً على انطلاقة الثورة في وجه الطبقة الحاكمة، استجاب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لـ”إرادة الكثير من اللبنانيين الذين نزلوا إلى الساحات ليطالبوا بالتغيير”، وقدّم استقالة الحكومة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون.
“لا شك أن ثورة 17 تشرين الأول حققت مطلباً أساسياً من مطالبها وطارت الحكومة”، تقول مصادر سياسية متابعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني. لكنها تشير إلى أنه “لا يزال أمامها الكثير لتحقيقه قبل أن تستريح”، مع تأكيدها أن “ما بعد الانتفاضة لن يكون كما قبله، فالشعب اللبناني لن يقبل بعد اليوم الاستهانة بذكائه وامتهان كرامته وتمرير الصفقات والسمسرات على حساب حياته ومستقبل أبنائه، وأولى التحديات ستكون نوعية وقماشة الحكومة الجديدة التي سيتم تشكيلها، وحكمه سيكون قاسياً ما لم تكن على قدر آماله”.
وترى المصادر أن “الحريري يبقى الأوفر حظاً لتولي تشكيل الحكومة الجديدة من شخصيات مستقلة تتمتع بمصداقية مقبولة من قبل الثوار، بحيث يمكنها الانكباب على معالجة الأزمات المتراكمة، وذلك تبعاً لمواصفات عدة تميّزه عن الآخرين منها:
أولا، يمتلك الحريري أكبر كتلة نيابية لناحية تمثيل المكوّن السني، الذي وعلى الرغم من تخطيه الدائرة الطائفية والمذهبية ومشاركته بفعالية لافتة في الثورة فاجأت الجميع، من عكار إلى طرابلس وبيروت وصيدا والبقاع وغيرها، لكنه لن ينظر بعين الرضى إلى استفراد الحريري من دون غيره من سائر مواقع السلطة الأخرى ليكون لوحده كبش الفداء”.
ثانياً، لا يزال الحريري المرشح الأبرز لحزب “القوات اللبنانية”، إذ أوضح رئيسه سمير جعجع ان “نواب كتلة الجمهورية القوية سيسمون في الاستشارات من يقبل بتشكيل حكومة انقاذ ديناميكية مستقلة نظيفة، علما ان الحريري هو خيارنا الاول لحكومة مماثلة”. ولا يمكن القفز فوق هذا الدعم باعتبار القوات طرفاً فاعلاً ومؤثراً في الحياة السياسية يتمتع بكتلة نيابية كبيرة ذات مصداقية، علماً أن استقالة وزراء القوات كانت للأسباب ذاتها التي دفعت الشعب اللبناني إلى الثورة ضد الفساد المستشري والمحاصصات وعدم إقرار إصلاحات جدية.
ثالثاً، يحوز الحريري على تأييد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط واللقاء الديمقراطي بما يمثله، مع تأكيد جنبلاط أنه لن يشارك في أي حكومة لا يكون على رأسها الحريري.
رابعا، يبقى الحريري مرشح رئيس مجلس النواب نبيه بري لرئاسة الحكومة في هذه المرحلة، خصوصاً مع دعوته للاستعجال بتأليف الحكومة مبدياً خشيته من الضغوط الدولية ابتداءً من اليوم. علماً أن بري ينطلق من ضرورة الحفاظ على التوازنات القائمة التي تساعد في ضبط الأمور وعدم انزلاقها نحو الأسوأ”.
وتقول المصادر إنه “بالإضافة إلى هذه الأطراف السياسية والنيابية الفاعلة الداعمة لعودة الحريري، هناك كتل نيابية أخرى مثل الكتائب والمردة والنواب المستقلون الذين يميلون في معظمهم لعودته إلى السراي”.
وتلفت إلى أنه “لا يمكن أيضاً إغفال التأييد الدولي والعربي الذي يتمتع به الحريري، خصوصاً من الدول المانحة والملتزمة في مؤتمر سيدر وصناديق التمويل الدولية التي ترى فيه شريكاً يمكن التعامل معه، على الرغم من اشتراطها الحازم وتحذيرها الحريري في مناسبات ومواقف عدة من أن المساعدات لن تكون متوفرة ما لم تنجز سلة إصلاحات فعلية والتزام كامل بالشفافية ومكافحة الفساد”.
وتشير إلى أنه “حتى ضمن الثوار الناقمين على الحريري كغيره من الطبقة الحاكمة، غير أنه يوجد بينهم من لا يمانع بعودته إلى السراي الحكومي من منطلقات واقعية، لكن على رأس حكومة مستقلين من خارج طبقة الفساد مشهود لهم بالاستقامة لقيادة ورشة إصلاح أكيدة. ما يعني أن الحريري يمتلك الأكثرية المطلوبة لإعادة تكليفه بالتشكيل إلا إذا اختار هو عكس ذلك”.
وتعتبر المصادر أن “الطرفين الأبرز اللذين قد يمتنعان عن تسمية الحريري هما حزب الله وتكتل لبنان القوي، ممثلا خصوصاً برئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إذ يعتبران أنهما تلقيا صفعة قوية من الحريري”.
وتضيف، “بالتأكيد حزب الله مستاء جداً من عدم توقف الحريري أمام تحذيرات الأمين العام للحزب حسن نصرالله من تقديم الاستقالة، وفعلها. وبقي الحزب حتى اللحظة الأخيرة يحاول الضغط على الحريري بعدما تبلغ نيته الاستقالة، وما الهجوم على المتظاهرين عند جسر الرينغ وساحتي رياض الصلح والشهداء سوى لدفعه للتراجع عن قراره. لكن العكس حصل، إذ سرَّعت هذه التصرفات الغوغائية الوحشية موعد إعلان الحريري لقرار الاستقالة”.
وتلفت المصادر إلى أن “الحزب يبدو مربكاً في طريقة التعاطي مع الشارع الذي انفجر في وجهه، وهو يخشى من شيء ما يحاك ضده. من هنا إصراره على حكومة سياسية تعيد انتاج التسوية ويرفض حكومة الاخصائيين، التي قد لا تؤمِّن حماية كافية له، هو في أمسّ الحاجة إليها”.
أما لجهة العهد ووزيره باسيل، فترى المصادر أن “الاثنين لا يرغبان بعودة الحريري إن استطاعا إلى ذلك سبيلاً، ويشترط الرئيس ميشال عون ومن خلفه باسيل وجود الأخير في أي تشكيلة حكومية مقبلة، وإلا فليتعطل البلد، واضعين باسيل مقابل الحريري. لكن الأخير رفض بشدة هذه المعادلة وقال إن التسوية هي بين عون والحريري وليست بين الحريري وباسيل، أي رئيس مقابل رئيس، كما سُرّب عن مصادر قريبة من بيت الوسط، ما يعكس امتعاض الحريري من باسيل إذ يحمّل ممارساته ونهجه مسؤولية كبرى عمّا آلت إليه الأمور”.
وتشدد المصادر ذاتها على أن “هذه النظرة المغلوطة لمعاني ما حصل في الشارع على مدى 13 عشر يوماً، تعني أمرا من اثنين: إما أن العهد وباسيل لم يتعلما من الأخطاء التي أوصلت إلى هنا، أو أن موقفهما هو في إطار عملية شدّ حبال واستهلاك للوقت لعل الواقع يتغيّر فيفرضان شروطهما في الحكومة الجديدة”.
وتلفت إلى أنه “يسهو عن بال باسيل أن الشارع يراقب وسيحاسب وهو يصر على حكومة حياديين مستقلين خالية من رموز الطبقة الفاسدة، وباسيل واحد منهم (كلن يعني كلن)، بل هو الحاصل على زبدة نقمة وغضبة الشارع الذي استهدفه وميّزه عن كل الآخرين بأقذع الشعارات. كما يجب لفت الانتباه إلى أن الثوار حذروا من مغبة تسويف المطالب وأنهم على استعداد لمتابعة الثورة حتى تحقيقها”، معربة عن اعتقادها بأن “محاولات حزب الله والعهد لن توصل إلى نتيجة وهما مكرهان للتعامل مع الواقع في النهاية”.
وترى المصادر أنه “لكل هذه العوامل مجتمعة ولغيرها، يبقى المرجح أن الحريري سيشكل الحكومة الجديدة من مستقلين اخصائيين، كي تتمكن من العمل بعيداً عن المناكفات والمحاصصات والحسابات السياسية الضيقة “، متمنية أن “تشكَّل في أسرع وقت ممكن، ما قد يهدِّئ من غضب الشارع ويعيد إليه شيئاً من الثقة التي فقدها بالدولة وبالطبقة الحاكمة”.
