تظاهرة الحقد والخزي

ما بدا لافتًا البارحة هو الساحات اللبنانية التي امتلأت باللبنانيين، وبعضها بغيرهم، وعلت الهتافات للبنان ولشخص رئيس الجمهورية. والمفارقة أن التيار الوطني الحر تابع عمله السياسي كأن شيئًا لم يحدث منذ 17 تشرين الأول لغاية اليوم. يبقى أن ساحات ثورة تشرين تتابع في حراكها التصاعدي بخطى ثابتة ومدروسة. لقد مثلت تظاهرة التيار الوطني الحر تظاهرة السلطة. فإذا كان الشعب يتظاهر ضد هذا النهج في الحكم، فضد مَن تظاهر شارع الرئيس؟ فهل ستصطدم الجماهير في لبنان على وقع حرب الحشد والعدد في كلا الساحتين؟

بدا لافتًا التنظيم الذي بدأت تشهده حركة الثورة التشرينية؛ ما إن يتم إطلاق دعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى يتهافت الناس إلى الساحات؛ في حين أن تظاهرة العهد بدأت الحشد المنظم منذ أكثر من أسبوع. فتأمل المراقبون منها أن تحول هذا التيار من الشخصانية الشعبوية الماركنتيلية إلى تيار الشعب، ليواكب حراك أهله وناسه. وما لم يكن مفاجئًا في تظاهرة بعبدا أنها عادت بالزمن ثلاثة عقود إلى الوراء لتستنهض السباب والشتائم والحقد بعد انتقاد مشاركيها ما تم إطلاقه من أشياء مماثلة في ثورة تشرين.

أطلق الوزير باسيل ثلاثية جديدة ناسيًا الشعارات كلها التي قام على أساسها تياره. لا بل انقلب عليها بالمطلق. وحاول جاهدًا في خطاب الأمس أن يجذب الناس على غرار ثلاثية: “حرية، سيادة، استقلال”، التي استذكرها؛ لكن الناس أجابوه في ساحات ثورة تشرين مساءً.

الناس بوادٍ والدولة وأهلها بواد آخر. يحاولون استنهاض جماهيرهم مستعينين بمرتزقة من خارج الحدود؛ في حين أن الناس قد سبقوهم بأشواط وأشواط، وباتوا أبعد من هؤلاء كلهم. إن شعار “كلن يعني كلن” محافظ إلى حينه، على عدم ارتباطه بأي فكر سياسي، بل هو ملك لعامة الناس. والدليل على ذلك أن لبنان بأكمله يثور من جنوبه إلى شماله تحت راية واحدة وشعار واحد. واعتقد أهل السلطة أنه لن يكون برنامج منظم للثورة، ففوجئوا بأن الشارع قد أمهلهم مهلة الـ72 ساعة لتشكيل الحكومة. ولم ينفع التعتيم الاعلامي بشيء في زمن ثورة التكنولوجيا.

لن تصطدم الساحتان إطلاقًا، لأن لكل منها رؤيا مختلفة عن الثانية. فساحات الثورة مطالبها من الشعب وللشعب؛ بينما الساحات الأخرى من بعبدا إلى أي مكان آخر قد يظهر في لبنان، إنما هي نابعة من مصالح شخصية ستسقط حتمًا أمام الشخصانية الرجعية التي لفظها التاريخ منذ ثورة الفلاحين يوم قادها يوسف شاهين في كسروان العاصية بين العامين 1858 و1860. لقد ولى زمن الحروب يا سادة، ولن يستطيع أحد إيقاف ارتدادات الثورة التكنولوجية التي كانت الفاعل الأول في ثورات العالم الحديث. فهنيئًا للذين لا يزالون قابعين في غياهب ذلك الزمن، ومباركة ثورة الناس التي صارت “ثورة الانسان”!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل