وثائق البطريرك الياس الحويك – 1

كتبت “المسيرة” – العدد 1700

 

3 كانون الأول 1916 ـ في قلب المجاعة

الوثيقة 1 من الملف 33

الى سيادة المطران بولس عواد مطران قبرص الجزيل الإحترام

أيها الأخ،

ووفور الأشواق، إلخ. ورد إلينا كتابكم المؤرخ في غرة كانون الأول الجاري الذي فيه تذكرون أن دولة المتصرف الأفخم قد عدل عما كان أمر به لجهة محل الآباء المرسلين اللبنانيين في البترون، لما عرضتم له أن هذا المحل يتعلق بنوع مخصوص بالكرسي الرسولي وأصدر الأوامر اللازمة بهذا الشأن الى قائمقامية البترون، فشكرنا لدولته هذه المنّة ودعونا له بمزيد الإقبال، وسنعرض واقع الحال لمقام قداسته سيدنا البابا متى سنحت الفرصة. ثم طالعنا ما شرحتم عن إهتمام دولته بالفقراء والمحتاجين في الجبل واجتهاده في إيجاد الوسائل التي تقيهم ويلات المجاعة والموت وذلك باستجلاب الحنطة اللازمة وتمكّن الإكليروس من شراء ما يلزم منها بأسعار متهاودة لإطعام الفقراء والبائسين، فأثنينا كل الثناء على غيرته ومكارمه ولا ريب عندنا أن كل الإكليروس الماروني يشاركنا بالشكر والدعاء لدولته على أننا من مدة طويلة إفتكرنا بجمع مبلغ دراهم من مطارين الطائفة ورؤساء الرهبانيات وغيرهم من متسلمي الأوقاف لصرفه في شراء ما يلزم من الحنطة لمساعدة المحتاجين، حتى أننا عرضنا هذا المقصد لحضرة صاحب الدولة جمال باشا القائد العام أعزه الله بواسطة نائبنا المطران عبدالله حينما تشرف بمقابلته آخر مرة في الشام ورجوناه أن يصدر أوامره بإعطائنا الحنطة في أوقاتها بأثمان معتدلة، فأبدى ارتياحه الى ذلك ووعد بإجابة المرغوب ثم خابرنا بعض الإخوان المطارين وأولادنا رؤساء الرهبانيات العامين بهذا الخصوص فأظهروا حسن الإستعداد لذلك ولم يؤخرنا عن وضع هذا المشروع بالعمل إلا إنقطاع ورود الحنطة وغلاء أسعارها في هذه المدة الأخيرة كما هو مشهور، حتى أن رجال الإكليروس أنفسهم أضحوا متضايقين من الجوع وبعضهم قد عاجلهم الموت لهذا السبب وقد كان فريق من رؤساء الأديار ذهبوا الى الداخلية ومعهم وثائق من الحكومة لاستحضار الحنطة فلم يتيسر لهم الحصول على مطلوبهم إلا بعد وقت طويل ومشقات كثيرة ومصاريف جمّة ولا زالت ترد لنا الكتابات من رؤساء الأديار والمدارس متضمنة الشكوى من الضيق الحائق بهم وبرهبانهم وخدمهم وشركائهم وجيرانهم والفقراء المترددين إليهم من عدم وجود الحنطة التي يمكنهم إبتياعها لسد عوزهم، حيث قد انقطعت موارد الحنطة من الخارج بسبب الحجز. أما الشركة التي كانت تألفت لتموين الأهالي لم (فلم) تتمكن في مدة خمسة أشهر من توزيع مخصصات شهرين كاملين واخيرا تأخرت عن التوزيع بالكلية الى ان شرّف دولة المتصرف هذه الجهات وأمر باسئناف التوزيع. فبناء عليه واستنادا على (الى) ما أبداه دولته من الإستعداد لاستجلاب الحنطة اللازمة وإعطائها بأثمان متهاودة للإكليروس الذي يعنى بإعالة المساكين والمعوزين صرنا نباشر إستئناف مخابرة المطارين ورؤساء الرهبانيات والمدارس بما يعود لجمع ما يمكن جمعه من المال وإنفاقه في شراء الحنطة اللازمة لإطعام الفقراء والمحتاجين. وعليه نكلّف إخوتكم بأن تقدموا الرجاء لدولة المتصرف لكي يصدر أوامره باستجلاب القمح الكافي للبلاد كله (كلها) بصورة منظورة وأن يخفّض بقدر الإمكان ثمن ما يعطى منه لمساعدة الفقراء، فضلا عما تريد الحكومة أن تساعد به مجاناً تكرمًا منها. هذا ولا حاجة للقول إن الإكليروس الماروني كان لم يزل يطعم الفقراء والمحتاجين. وفي هذا الوقت الضيق كانت أبواب الكراسي والأديار والمدارس بعمومها مفتوحة في وجه المساكين وإن كان بعضها صرف أقل من البعض الآخر فليس محل منها لم يطعم الفقراء اللاجئين إليه.

 

وسيادتكم تعلمون أن سيادة المطران أنطوان ورئيس الرهبانية اللبنانية العام ورئيس المرسلين اللبنانيين ورؤساء المدارس البطريركية وغيرهم قد اضطروا الى إستدانة مبالغ وافرة بفوائد زائدة أو برهن أرزاق أو بيعها لأجل القيام بهذه المصاريف الغير (غير) العادية. وبالإجمال نقول إننا لا نعرف ولم نسمع أن محلا في الجبل غير الأديار والمدارس والكراسي قد قام بإعالة البائسين مجاناً كما هو معلوم عند كل العارفين. وإنما لما كان الإكليروس لا يقصد فيما (في ما) يعمله من الخير وما يتصدّق به على الفقراء والمحتاجين إلا رضاه تعالى والقيام بواجباته نحو القريب لا يطنطن أعماله الحسنة أمام الناس بل يكتفي بشهادة الضمير ومعرفة الأب السماوي. هذا ما رأينا لازمًا إيضاحه لسيادتكم لتعرضوه لدولة المتصرف وبه لدرايتكم كفاية ومن صميم الفؤاد نكرر إهداء البركة الرسولية لإخوتكم طال بقاؤكم.

 

فرنسا تحمينا

6 كانون الأول 1918:

بعد نهاية الحرب

الوثيقة 347 من الملف 45

حضرة الخوري مخايل حويس الوكيل الأسقفي على أبرشية بيروت الجليل المحترم.

بعد إهداء البركة الرسولية الى حضرتكم ووفور الأشواق الى مشاهدتكم على كل خير، وصل لنا تحريركم في هذا النهار واستغربنا قولكم إننا كتبنا إليكم «أنه لا يمكن القبول بنص البند الخامس منها» أي من اللائحة المطبوعة لأننا كتبنا لكم هذه العبارة: «ومن جهة اللائحة المنشورة بنودها بالطبع فهذه لا يمكن القبول بها بهذا النص.» أما ما أضيف الى البند الخامس فلا يفي بمطلوبنا ولا نرى اللائحة بجملتها موافقة للمصلحة المشتركة بين الأصحاب وأصحابهم. فمن جهة فرنسا المحبوبة التي تظللنا بحمايتها فلا ذكر لها في هذه اللائحة ومن جهة الطائفة المارونية فلا يجهل أحد أن ركنها ومصدر كيانها هو الدين الكاثوليكي المقدس، ومن موجبات رؤسائها أن يحافظوا على وديعة الإيمان الكاثوليكي المقدس، بما عز وهان كما هو معلوم. وقد قرأنا في جريدة البيرق بتاريخ 3 الجاري ترجمة منشور علّقه الجنرال غورو في شوارع ستراسبورغ صرح فيه «أن فرنسا تأتي إليكم كأم فقدت ولدها العزيز ثم وجدته، فلا تكتفي باحترام عاداتكم وتقاليدكم المبجلة واعتقادكم الديني ومصالحكم الاقتصادية فقط، بل تضمد جروحكم وتكفل تموين بلادكم في هذه الأيام الصعبة». ولنا وطيد الأمل أن فرنسا التي عوّدتنا محبتها وغيرتها نحونا منذ القديم ولا تزال تهتم بأحوالنا إهتماما والديًا لا تضن علينا بالمعاملة التي تعامل بها سكان الألزاس واللورين. هذا فضلا عن أنها كانت دائمًا تساعدنا وتحامي عنا بكل ما يتعلق بأمور ديننا الكاثوليكي المقدس، وليس من باقي الطوائف في هذه البلاد من يواخذنا بالمحافظة على ديننا وكل منها يحافظ على مذهبه أكثر منا لا بل إن كل الطوائف المجاورة لنا تعلم أن مذهبنا يأمرنا بالمحبة الأخوية لكل البشر وأننا قيامًا بهذا الواجب كنا دائمًا ولم نزل نساعد من يلتجئ إلينا من سائر الطوائف بكل ما هو بالإمكان. وبناء عليه لا نرى موافقاً إذاعة اللائحة المذكورة كما هي بين شعبنا الماروني المبارك. هذا ما اقتضى إفادتكم بهذا الشأن. وإذا تمكنتم من الحضور إلينا نزيدكم إيضاحا. والبركة…

 

26 أيار 1920:

حوادث أدمت قلبنا

الوثيقة 12 من الملف 38

الى سيادة المطران عبدالله خوري مطران عرقة النائب البطريركي الجزيل الإحترام

أيها الأخ الجزيل الإحترام السلام بالرب والبركة الرسولية

ووفور الأشواق الى مشاهدتكم على كل خير وتوفيق، وصل لنا تحريراكم رقم 17 و19 الماضي وقد تأثرنا نحن جدًا للمصائب التي توالت على ذويكم الأعزاء، وشاطرناهم الأسى والأسف وسألنا لكم ولهم في حينه نعمة العزاء والصبر. طالعنا بالإرتياح والشكر ما تواصلون بذله من المساعي في سبيل المصلحة الوطنية. وإن كنا قد تأخرنا في الجواب، فلأنه حدثت هنا حوادث هامة جدًا إضطربنا لها أيما إضطراب وكان منها ما أدمى قلبنا الأبوي، فإن نصيرية الشمال ومتاولة الجنوب قاموا على المسيحيين فنهبوا وقتلوا وحرقوا ولم يدعوا ويذروا مما تكونون قد أطلعتم على تفاصيله في الجرائد، فاستصرخنا الحكومة وكتبنا بلهجة شديدة الى سعادة الجنرال غورور، وحالما وصل تحريرنا حضر لدينا في اليوم عينه فأبّنا له تكرار مساوئ الخطة التي تمشوا عليها فأوصلت الى هذه العاقبة الوخيمة وطلبنا الإقتصاص من المجرمين والإهتمام بالمنكوبين فوعد خيرًا. وبعد نزوله الى بيروت جرّد حملة مؤلفة من ثمانية آلاف وأرسلها الى بلاد صور وبلاد بشارة وقد جرى بعض القصاص وسنرى ما تكون النتيجة. كنا سابقاً قد أبلغنا مخاوفكم بواسطة الصديق الأب كاتين وطلبنا بواسطته المسيو روبير دوكه الذي هو الآن عندكم، فحضر وحادثناه طويلاً فرأينا أن أفكاره منطبقة على أفكارنا. قرّب الله النهاية وجعلها على خير بشفاعة والدته. أهدوا بركتنا الى أولادنا الأعزاء أرفاقكم وواصلوا التطمين عنكم، والبركة الرسولية تشمل إخوتكم تكرارًا. طال بقاؤكم.

الحقير الياس بطرس البطريرك الأنطاكي

 

(يتبع)

الصور من كتاب القوات الإسترالية

في لبنان 1941 ـ 1942 ومن كتاب وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل