اشتداد عزيمة الثوّار يخنق خيارات السلطة

حتى الساعة لا تزال الطبقة الحاكمة منفصلة تماما عما يجري في الساحات من ثورة شعبية عارمة شكلت ظاهرة تاريخية غير مسبوقة بتاريخ لبنان.

حتى الساعة تعالج الطبقة الحاكمة موضوع تشكيل حكومة جديدة بمنطق المحاصصة والمصالح السياسية وبمماطلة في بدء الاستشارات الملزمة للتكليف، وكأن لا زلزال في الوطن ولا ارادة شعب عارمة بالتغيير الشامل. تجاهل تام لمطالب الشعب بلا احترام للمواطن وباستخفاف تام بعقول مليون ونصف لبناني على الاقل.

هناك غياب تام لاستيعاب ما يحصل لدى تلك الطبقة الحاكمة، انفصام تام بين الحكام والشارع، الى متى؟

في الحقيقة ان الثورة الصارخة في شوارع وساحات لبنان باتت تفرض على الطبقة الحاكمة التزامات تاريخية ستحاسب عليها والتاريخ لن يرحم.

اولا: كيف تقوم الطبقة الحاكمة بتقديم التأليف على التكليف؟ كيف تقبل السلطة السياسية الحاكمة بان تخالف الدستور الذي ينص بوضوح على وجوب التكليف ومن ثم التشاور للتأليف، فاذ بالطبقة الحاكمة تستبق التكليف بالاتفاق على التحاصص وحفظ المواقع السياسية للأحزاب والقوى السياسية في الحكومة العتيدة، تماما بنفس الاسلوب التقليدي لتشكيل الحكومات، وكأن لا ثورة ولا مطالب شعبية ولا مطالبة عارمة بحكومة اختصاصيين او تكنوقراط. فالسلطة تخالف الدستور، ولعل في ذلك جريمة مساوية لجرم الخيانة العظمى.

ثانيا: كيف يمكن للطبقة السياسية الحاكمة ان توفق بين مطلب الشعب بحكومة مستقلة لا سياسية وبين المشاورات الجارية بين القوى السياسية الحاكمة التي تريد حفظ مقاعد لها في الحكومة العتيدة؟ كيف يمكن ان تتجرأ السلطة الحاكمة وقواها الحليفة بان تبحث بحكومة سياسية او مطعمة بسياسيين، في وقت لا يريد الشعب لا حكومة سياسية ولا حكومة مطعمة بسياسيين؟

اللبنانيون امام انفصال تام بين مصالح الحاكمين ومطالب المحكومين. وفي هذا الانفصال نذير ازمة وكباش بين الشعب والسلطة قد يعمق الشرخ والطلاق بين الطرفين ويزيد أكثر فأكثر من عمق المأزق الذي تواجهه تلك السلطة.

ثالثا: الصراع السياسي الحاصل حاليا في كواليس السلطة بين القوى السياسية يظهر استمرار التنازع بينها على حفظ مكاسبها في السلطة والحكم وعودتهم بنفس المعادلات السابقة، وكأن البلاد بألف خير وكأن لا ثورة ولا تعاليم ولا عبر تستخلص من صراخ الشارع ومئات الاف اللبنانيين التي ضاقت سبل الامل والحياة امامهم.

فهل يعتقد بعض من في السلطة ان بإمكانه اعادة بعض الوجوه المستفزة للشعب الى الحكومة العتيدة؟ وهل يمكن تشكيل حكومة تكنوقراطيين لا سياسيين فيها ولا سياسة فيها الا الاقتصاد والاجتماع والمعيشة وكيفية انقاذ البلاد من الانهيار المالي والاقتصادي ام ان حكومة سياسيين او مطعمة بسياسيين كقدر حتمي سيودي بالبلاد الى انفجار أكبر لا تحمد عقباه؟

رابعا: في ظل ازمة الثقة الواقعة بين الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري بسبب الوزير جبران باسيل بالدرجة الأولى، يبدو ان امام قوى السلطة حاليا معادلة متعددة الخيارات:

الخيار الاول: حكومة تكنوقراطيين واختصاصيين برئاسة الحريري يرفضه الحكم وحلفائه على قاعدة ان اية حكومة يرأسها الحريري يجب ان تضم حتما باسيل، والا مجال لحكومة تكنوقراطيين او اختصاصيين يرأسها الحريري، علما ان الأخير يبقى حتى الان عنوان ثقة المجتمع الدولي والعربي ولا سيما الدول المانحة والمدخل الضروري لإنقاذ وإنعاش الاقتصاد اللبناني.

الخيار الثاني: حكومة تكنوقراطيين واختصاصيين برئاسة غير الحريري لكن بتذكية رئيس وزراء يحظى بدعم الحريري.

والخيار الثالث: حكومة سياسية بالكامل تعتمد اللون الواحد وتضم تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفاءهما خارج اي وجود للحريري. وبالتالي حكومة استفزاز وتحدي ومواجهة ليس مع الشعب اللبناني فقط بل وانما مع المجتمعين الدولي والعربي.

لن يكون خيار حكومة سياسيين او مطعمة بسياسيين مقبولا من الشعب، ولن يكون لحكومة تحدي ومواجهة نصيب في الحياة، وسيسقط لبنان برمته في المجهول.

من هنا يبدو مأزق السلطة والقوى الحاكمة كبيرا، والحراك الشعبي بخطه البياني يتجه من حيث يدري او لا يدري الى فضح “القطبة المخفية” في عقدة التكليف والتأليف، الا وهي مصالح حزب الله الذي لن يقبل بحكومة لا تشكل له غطاء دستوريا وشرعيا. ذلك الغطاء الذي لا يتأتى الا من حكومة سياسية ببيان وزاري سياسي واضح يضفي الشرعية على وجود سلاحه ويكفل استمرار امساكه بقرار السلم والحرب، لان اية حكومة اختصاصيين لن تكون كافية لتضمن له اجندته الإقليمية، خصوصا ان التسوية الرئاسية التي كانت مظلته الضامنة سقطت باستقالة الحكومة وانتهى ربط النزاع بين الحريري والحزب في حكومة استعادة الثقة، اقله بالصيغة التي كانت عليها سابقا.

فكلما اشتدت الثورة وتضاعفت كلما ضعفت السلطة الحاكمة وضاقت خياراتها، لا بل تعمق مأزقها، وهذا ما يفسر التباطؤ في استشارات التكليف والبحث العاصف في صيغة حكومية يكون التكليف ثمرتها بدل العكس، كما يقتضيه الدستور. فالأيام القليلة المقبلة ستحمل معها تطورات كبيرة انطلاقا من الكباش الإقليمي ـ الدولي وتأثيراته على الداخل اللبناني.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل