تلك الساحة في ليلة تشرين

تلك الساحة كانت تشبه المستحيل العصيّ عن الوصف، ساحة الشهداء ليلة الاحد 3 تشرين الثاني. لم نشهد بحياتنا على مشهدية مماثلة لا في لبنان ولا حتى في العالم. من اين تدفق سيل البشر ذاك؟ كيف تحولت الساحة التي ارتبطت مع ساحة رياض الصلح بأجساد الثوار وصاروا ساحة واحدة، الى صوت واحد يغني ويد واحدة تصفق وقلب واحد يخفق؟! ساحة مضاءة بآلاف آلاف الهواتف الخلوية، التي وفي لحظة ساحرة ما، وعلى صوت الماجدة وهي تصرخ لبيروت “قومي من تحت الردم”، واذ وبحركة واحدة منتظمة الايقاع، ارتفعت اضواء الهواتف كمن ينير الدرب لبيروت لتمشي الى انوارها في غابة مدججة بوحوشها وعتمتها.

من انتِ؟ اي بيروت استثنائية انت مغروزة في هذا العالم، الذي لا يستحق حتى ان تلقي عليه لفتة ساخرة يا مدينة الثورة وساحرتها؟! من انتِ بيروت في ثورتك غير تلك المجنونة بحب الحرية، تلبس أجمل اثوابها وتمارس اغواءها في عنفوانها السافر حتى انتهاء الاغواء، من انتِ يا مدينة؟!

من انتِ؟ اي طرابلس فاتنة تلك جديدة متجددة مكتشفَة حوّلتِ ليالي الثورة الى قناديل عشاق تكتب قصائد الكرامة في ساحة واحدة، ويرعاها الله بدفق من فرح؟ من انتِ طرابلس حين تتحولين على غفلة جهل منا ومن وطن بأكمله، الى ايقونة الثورة معقول؟ معقول ان وحين تستكين الساحات كلها تصرين انت على حمل مشعل السهر وتشربين عنفوانك هيك مقفّى، معقولة يا طرابلس معقول ما تفعلين يا مجنونة الحياة والكرامة؟!

عن اي ساحة نحكي وعن ايّها لا نحكي، لكن الاكيد ان ساحة الشهداء ليلة ذاك الاحد خرقت مستحيلها، بعدما كان تحوّل صباح الاحد الى ساحة لتحدي كل ساحات لبنان المغروزة بثواره. رفض مساء الاحد الصارخ بعنفوانه ما قدمه له صباح الاحد الصارخ بزيفه، فقرر ان يكون الرد قاسيا وحصل.

صباح الاحد توجّه بعضهم لناس الساحات بالازدراء والسخرية ومحاولة التهميش والتقزيم والاستخفاف والوعيد المبطن. اناس يقولون انهم يملكون كل شيء ابتداء من البشر وصولا الى احجار الوطن لمجرد انهم في السلطة، فظنوا انهم تربعوا على شمس الاحد كمن يجلس الى عرش الزمان، واذ بزمن هؤلاء الرامش على الهاوية، يتحول في المساء صرخات مدوية قاسية مؤلمة لهؤلاء، صرخات مدججة برسائلها بان حين يكون التحدي بالساحات، فساحات الثوار الاحرار لا تسعها الارض، وقد تحتاج احيانا ان تقترض بعضا من مساحة سماء ربها لتتسع لصراخها، والرب كريم دائما يترك للحق كل مساحاته وان بدا لنا احيانا انه يهمل، لكنه في الواقع يمهل. وحين يكون التحدي من سلطة فاسدة الى شعب مقهور لا يقف الرب الا مع شعبه فتنقلب الموازين ونصير نحن السلطة وأنتم اللاشيء.

هكذا صرخت الساحات ليلة الاحد، هكذا ردت على صباحه ذاك. ليل الاحد همّش صباحه، او لعل ذاك الصباح المشوّه بكذبة فاقعة مدوية منذ سنين في صفاء لبنان، اخفاها المساء بشكل شبه كامل، لان اضواء الثوار وخبطة الاحرار في ساحات الحق حجبت كل شيء ما عداها، فكانت ساحة الشهداء وساحة طرابلس وجل الديب والذوق وصور وصيدا وهناك وهنالك، وكانت ليلة الساحات في لبنان.

ما قبل 17 تشرين الاول شيء وما بعده شيء آخر تماما. ما قبل 3 تشرين الثاني شيء وما بعده شيء آخر كليا. في التاريخ الاول انطلقت الثورة لتقلب الطاولة راسا على عقب السلطة. في الثاني انقلب السحر على الساحر، ومن هدد يوما بانه سيجرف كل شيء ليصل الى مبتغاه، جرفه بليلة قمرها غير مكتمل، تسونامي الشعب وصار الاعصار ربيعا.

خبر عاجل