وثائق البطريرك الياس الحويك – 2

كتبت “المسيرة” – العدد 1700

16 تموز 1920: لن نتخلى

عن بيروت وطرابلس

الوثيقة 18 من الملف 38

 

الى سيادة المطران عبدالله خوري مطران عرقة الجزيل الإحترام

أيها الأخ الجزيل الإحترام السلام بالرب والبركة الرسولية

ووفور الأشواق الى مشاهدتكم على كل خير وتوفيق، طالعنا تحريركم رقم 25 الماضي وسرنا على سلامتكم المرغوبة. وكنا أمس قد إنتهزنا فرصة وجود المسيور ترابو الذي لا يزال اليوم أيضًا عندنا وتفاوضنا معه مليًا بشأن بيروت وطرابلس وكلفناه أن يراجع كلامنا لسعادة الجنرال. وقد ألححنا عليه كثيرًا بهذا الشأن وقلنا له إنننا لا نطيق مطلقاً التخلي عن بيروت، وأن عدم ضمها الى لبنان مع طرابلس يكون إجحافاً عظيمًا، فقال إن تلك كانت فكرة الحكومة الأولية، أما الآن فقد تعدّلت هذه الفكرة ويظن أن بيروت ستلحق بلبنان وأما طرابلس فلا. وقد طال حديثنا معه بهذا الشأن وقد وعد أنه يراجع كلامنا برمته الى الجنرال. وصلنا الى الديمان يوم السبت الماضي 10 الجاري، وما كاد يستقر بنا المقام حتى فوجئنا بخبر توقيف بعض اعضاء مجلس الإدارة. وتكونون قد وقفتم على واقع الحال من البرقيات والصحف. وأما نحن فقد كان لعمل هؤلاء أسوأ وقع في نفسنا. وقد تكدرنا جدًا وبادرنا فحررنا لسعادة الجنرال غورو مبدين له عن شدة إستيائنا من العمل وأرسلنا برقية الى المسيو ميلران قبّحنا بها عمل الأعضاء واحتججنا عليه وأوعزنا الى الشعب، فأرسل برقيات الإحتجاج وهي لا تزال ترد على سعادة الجنرال كما تفيد الصحف. وكان أن الجنرال أنفذ إلينا المسيو ترابو مع تحرير منه يفيدنا تفاصيل الحادثة، فأجبنا أننا قد سبق فحررنا واحتججنا. هذا ولم نرَ حاجة الى زيادة تفصيل بهذا الصدد لأنكم تقفون على كل ذلك في الجرائد. ولنا الإعتقاد أن الله الذي يحوّل كل شيء لخير محبيه سيجعل بقدرته الضابطة الكل أن تؤول هذه الحادثة لخيرنا وخير بلادنا العزيزة. مسألة الكنيسة كنا نحن قد خاطبنا الحكومة بشأنها لما كنا في باريس، أما مسألة المدارس، فنعتقد بها كما صرحتم وأنتم تعلمون أن لا طاقة لنا أن ننشئ مدرسة خصوصًا في الوقت الحاضر، لأن المشروع يتطلب مبالغ باهظة لا سبيل الى إيجادها، إلا أننا نذكركم بأن تنظروا في ما إذا كان الأوفر أبوستوليك بشكل أن يساعدنا بشيء مثل بيروت وكانت خدمة وأنتم تعلمون مس الحاجة الى ذلك الآن. هذا وطمنونا عنكم دائمًا، والبركة الرسولية تشمل أخوتكم تكرارًا. طال بقاؤكم.

الحقير الياس بطرس البطريرك الأنطاكي

 

غورو من الديمان

الحويك: لا نرضى بأن يحكمنا الغير

الوثيقة 172 من الملف 43 *

خطاب تاريخي بشأن إستقلال لبنان

لغبطة السيد العلاّمة بطريرك الطائفة المارونية مار بطرس الياس الحويك الكلي الطوبى رعاه الله بعينه الصمدانية.

 

زار جناب الجنرال غورو المرخص السامي للجمهورية الفرنساوية الفخيمة في لبنان الكبير وفي سوريا غبطة السيد البطريرك الكلي الطوبى والقداسة في أواخر سبتمبر الماضي في مقره الصيفي بالديمان، من أعمال لبنان ـ فواجهه بالخطاب الآتي معربًا فيه لجنابه عن أماني أبناء لبنان وتمسكهم باستقلال بلادهم ـ وهذا نصّه:

يا حضرة الجنرال، إنك تعلم قدر سرورنا بزيارتكم فلسنا والحالة هذه بحاجة الى بيان، فأنت دائمًا بيننا على الرحب والسعة. إن ما لنا فيك من الثقة يبيح لنا أن نصارحك ببعض أمور تهمّ البلاد. كنت منذ سنين خلت مارًا في القطر المصري فقابلت في القاهرة حضرة معتمد فرنسا وقد دار بيننا الحديث على العدل والمحاكم في مختلف الأمصار، فقال المعتمد إن 95 في المئة من محاكم فرنسا تقضي بالعدل الصحيح والباقي تحت الشك واليقين. فقلت له إن 95 في المئة من محاكم الدولة لا تقضي بالعدل والباقي ما بين الشك واليقين. فنحن اليوم يا حضرة الجنرال نريد أن نأمل بفضل المساعدة التي تأتون بها، أن الأمور ستتعدل فيصبح 95 في المئة من محاكمنا على ما نود من القضاء والعدل بين الناس.

إنك قد أعلنت، يا حضرة الجنرال، إستقلال لبنان بحدوده الطبيعية، وأنت تدري كم كان فرحنا شديدًا وامتناننا عظيمًا. غير أن بوادر الأحوال تدل من مدة على أن هناك أخطارًا تهدد ذلك الإستقلال. ففي البلاد لغط وهمس حول الوحدة السورية أو الإتحاد مع سوريا.

إنك تعلم يا حضرة الجنرال أن اللبنانيين لا يريدون هذا ولا يرضون به. فأنا يوم سافرت الى باريس حملت إليها الوكالات ممضاة من كل طوائف لبنان باسم اللبنانيين قاطبة وطالبت هنالك باستقلال البلاد وبالحدود الطبيعية. وأنت تعلم أنه في أحاديثي مع المسيو كليمنصو وفي الكتاب الذي أرسله ليّ تصرح رسميًا وبطريقة لا تترك مجالاً للشك أن إستقلالنا لا يقبل الجدل وأن لبنان يتمتع باستقلاله التام عن كل حكومة مجاورة.

فإذا جاءكم قوم مفسدون وقالوا لك إن اللبنانيين قد رجعوا عن رأيهم، فلا تصدق ما يقولون. أنا أنطق بلسان اللبنانيين على بكرة أبيهم، فأقول لك إن اللبنانيين لأشد تشبثاً اليوم بالإستقلال منهم في كل زمان مضى. ولئن كان عندك أقل شك في الأمر، فأن باستطاعتي في أربعة وعشرين ساعة أن آتيك بالبلاد كلها شهادة وتأميناً.

هذا، وإن لبنان لم يرضخ يومًا من الأيام لحكم أجنبي. إن جدودنا وآباءنا ما ارتضوا بهذه الجبال الجرداء ينزلونها معتصمين إلا وهمّهم الوحيد حماية حريتهم وحقوقهم، فلا تصل إليها وإليهم يد الغزاة الفاتحين.

إن فرنسا ذاتها سنة 1860 كانت تريد أن تحقق لنا الإستقلال التام والحكومة الوطنية البحتة على رأسها حاكم وطني لبناني. وأنا اطلعت بنفسي على برقية أرسلها وزير خارجية فرنسا يومئذ الى سفيره في الأستانة يقول فيها: «أطلب أن يكون حاكم لبنان وطنيًا. دافع عن هذا المبدأ حتى النهاية ولا تتحوّل عنه إلا إذا رأيت أنه سيتحتم القبول بحل للإشكال، وفي هذه الحال لا ترضى بأي حال كان إلا إذا ضمنت رسميًا أن الوطنيين لا يكونون محرومين في المستقبل من تقلُّد منصب الحاكم العام».

هذا ما كانت ترمي إليه فرنسا سنة 1860، فلا يُعقل أن نرجع الى الوراء بعد مضي ستين سنة ونرضى بأن يحكمنا الغير. فمنعًا لمثل ذلك سافرت كما تعلم من سنتين واليوم إذا كان إستقلال لبنان في خطر، فأنا رغم شيخوختي، بل رغم ما تكبّدته من المشاق وعانيته من التعب في السفرة الأخيرة، أنا أركب البحر بلا إمهال فأذهب الى باريس ولن أعود منها إلا وفي يدي عهد خطي رسمي أن الإستقلال أمر نهائي ثابت لا رجوع فيه.

وأنا أرى أنهم في أوروبا يتكلمون كثيرًا عن سوريا ولا يذكرون لبنان. فنحن نريد أن تعترف الدول باستقلال لبنان كما اعترفت به فرنسا، بل نطلب أن تقره وتعتمده جمعية الأمم.

يا حضرة الجنرال، نحن نثق بك ونثق بفرنسا لكن يجب أن لا تُمَد يد الى إستقلال لبنان. وإذا مُسَّ يومًا فأنا أؤكد لكم أن البلاد تهبّ بل تشتعل على مسّه إحتجاجًا.

فلم يتمالك فخامة الجنرال عندئذ من إظهار علائم الدهشة والإنفعال، فوقف غير مخفٍ تأثره وقال إنه لا يرى ما يحمل غبطته على الخوف من إعتداء يصل الى إستقلال لبنان. ثم سرد الأعمال التي تشهد بحبه للبنان وغيرته عليه. واجتهد أن يطمئن غبطة البطريرك ومَنْ حوله مكررًا عهد فرنسا باحترام إستقلال لبنان وتنفيذه.

وبعد أن تكلم على هذا النمط حوالى الخمس عشرة دقيقة أنهى كلامه بقوله: وأكبر برهان على أننا محافظون على وعودنا هي وجودي الآن على مائدتك أيها السيد الجليل وأنت وكيل الأمة اللبنانية. أكرر لك عهدنا للبنان شاربًا نخبك ونخب لبنان الكبير.

ثم قام الجميع الى القاعة حيث جلس غبطته والجنرال مواصلين الحديث أكثر من ساعة. وبعدها ذهب كل الى غرفته فبات الجنرال ومن معه في ضيافة البطريرك. وفي صباح اليوم التالي إختلى بغبطته ساعة من الزمن جدد له فيها الوعود والعهود. وعلى أثر ذلك غادر الجنرال الديمان مودعًا غبطته في الإجلال وتمام المودة.

هذه خلاصة ما دار في مقابلة الديمان التي كثر التحدث فيها. وإذا كان اللبنانيون قد قابلوا بمزيد الإعجاب تلك النتف التي كانت قد ترامت إليهم من ذلك الخطاب، فإنهم اليوم يصفقون طربًا للوقفة الوطنية التي وقفها غبطة البطريرك الكبير.

فبمثل هذه المواقف تُكتسب الزعامة، وبمثل تلك اللهجة الصادقة تُستمال قلوب الأحرار مجاهدين في سبيل حرية بلادهم واستقلالها. ففي الديمان لم يتكلم غبطة البطريرك الماروني باسم أبناء طائفته، بل تكلم باسم أبناء لبنان كافة مسلميهم ودرزيهم ومسيحييهم. ولقد صدق في قوله إن البلاد تهبّ بل تشتعل إحتجاجًا على مسّ الإستقلال إذا مُدَّت إليه يد. بل إن هذه الصراحة في القول تُعدّ أجلّ خدمة تُسدى للدولة التي تولت إدارة لبنان وتقيها التعثر في سياسة لا يقرها الوطنيون عليها.

فالمهاجرون اليوم يطالبون مع غبطة البطريرك بإصلاح المحاكم لإقامة العدل بين الناس، وهم يحتجون على مشروع المحاكم المختلطة كل إحتجاج، لأنه إذا كان الغرض منها ضمان العدل للأجانب، فالأحرى بأولّي الأمر أن لا يتركوا أبناء البلاد بين براثن الظلم بل يصلحوا المحاكم الأهلية لتضمن العدل للجميع على السواء.

وهم يطلبون إصلاح نظام النقد المختل الذي قد يُلحق بالبلاد أشد الكوارث الاقتصادية، ووضع نظام للبنك السوري ونقده الورقي لتُصان مصالح البلاد.

هم يطلبون الخلاص من الحكم العسكري بإقامة حكومة وطنية نيابية وإنشاء مجلس للمديرين يكون مسؤولاً بالتضامن أمام مجلس النواب.

هم يطلبون سيادة لبنان على جميع موارده، فيكون عماله المختصون مسؤولين عن الدخل والخرج، فلا يبقى كل ذلك في أيدي رجال المفوضية يتصرفون فيه بطرق عرفية.

وصفوة القول، هم يطالبون إنفاذ الإستقلال الذي أعلنه الجنرال غورو إنفاذاً صحيحًا كاملاً لا يعتوره إستثناء ولا يشوبه تقييد.

فإذا نالوا ما يطلبون ـ وحقهم في طلبهم صريح ـ تكون الأمة الفرنساوية الكريمة قد عملت بتقاليدها الحرة المعروفة، بل أنفذت في لبنان ذلك الإستقلال الفعلي الذي أرادته له هي نفسها في سنة 1860، وهكذا تكتسب صداقة شعب نشيط يؤيد نفوذها في الشرق، بل في سائر أنحاء المعمور لأن أبناءه ضربوا في الأرض شرقاً وغربًا.

فإذا كنا نُحيي اليوم في غبطة السيد البطريرك الوطنية الصادقة، فإننا نرجو أن يرتفع صوته عاليًا في جميع الشؤون التي سردناها، فإنه الصوت المسموع المُجاب.

 

*نقلاً عن جريدة «المحاكم» لصاحبها يوسف آصف بك الصادرة في مصر في 5 أيلول 1921.

(يتبع)

الصور من كتاب القوات الإسترالية

في لبنان 1941 ـ 1942 ومن كتاب وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية

إقرأ أيضاً: وثائق البطريرك الياس الحويك – 1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل