الإنكار المرفوض

 

ليس غريبًا في أي مكان من العالم أن تقوم ثورة على نظام، أو على حكم، أو على سلطة؛ لكن الغريب جدا، أن يتم تجاهل هذه الحركات التحررية لأكثر من عشرين يومًا، لكأنه لم يحدث أي تحرك، والحياة مستمرة بشكلها الطبيعي. قد نفهم إصرار أهل السلطة الذين يرفضون أساسًا هذه الثورة التي تخض عروشهم والتي قاضت قصورهم. لكن ما لا نفهمه كيف يصر بعض الناس على فتح الطرقات ومزاولة الأعمال بشكل طبيعي، لكأن أشغال هؤلاء هي بألف خير، ولكأنهم بعيدون عن المطالب التي رفعها عامة الناس؟

ما يحاول هؤلاء أن يذروه في عيون العالم، بأن ما يحدث في لبنان هو مجرد حركة اعتراضية شعبوية لا آفاق لها. في حين أن العالم بأسره يراقب عن كثب ما يحدث، وهو مدرك أنها ثورة شعب، ثار على حكامه الذين نهبوه وفرقوه شيعًا شيعًا. واليوم مجموعة الشعوب اللبنانية التي لم تستطع أن تتحول إلى شعب لبناني منذ دستور 1926 حتى دستور الطائف 1990 قد أصبحت شعبًا واحدًا موحدًا بفعل الجوع، والظلم، والحق، والحقيقة التي باتت ساطعة كالشمس. ولن يستطيع أحد أن يحجب نورها.

تخطئ السلطة إن استخدمت عضلاتها الأمنية لقمع هذه الثورة لأنها ستستعر أكثر كالنار في الهشيم. وأي حجر غشيم سيرذله البناؤون الجدد للبنان الجديد. لبنان الذي يريده هؤلاء كلهم بصورة أفضل لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم. لكأن الذين يعترضون على حركة هذه الثورة وأدائها هم بأفضل حال في لبنان. إن قام أي مضطلع على نسيج هؤلاء لوجد أن معظمهم تم توظيفه ضمن حملة التوظيفات الانتخابية بمعاشات خيالية في القطاع العام؛ أو أنهم يحملون جنسية غير الجنسية اللبنانية، ولا يهتمون بجذورهم، فهم مستعدون عند أول منعطف أن يستقلوا الطائرة الأولى ويهجروا لبنان.

وجع الناس يا سادة هو الذي حملهم على أن يثوروا. ليس محبة منهم بأن يفترشوا الشوارع ويتركوا عائلاتهم، ويستمعوا إلى الشتامين، الذين نرفضهم من أي جهة كانوا. نزلوا لأنهم يريدون أن يعيشوا حلمهم في لبنان الذي لطالما حلموا به. المرفوض اليوم بالمطلق هذا الانكار لهؤلاء الناس كلهم لمدة عشرين يومًا. لقد دارت السلطة آذانها الصماء لمطالب الناس. ومطالبهم واضحة. لا يريدون إلا حكومة اختصاصيين تحل الأزمة الاقتصادية لأنها تمس الجميع.

وإلقاء التهم جزافًا على المواطنين العزل، ونعتهم بقطاع الطرق هي مسألة لا تجوز. والتذرع بالحجج الأمنية هي ذرائع فاشلة. وتجربة إشراك بعض هؤلاء الناس في مطبخ السلطة هي تجربة غير مقبولة؛ فالناس لا يسعون إلى السلطة، بل جل ما يسعون إليه هو العيش الكريم فقط. كذلك لا تستطيع السلطة أن تضحي بشعب بأكمله كرمى عيون شخص رفضه أهل منطقته.

من هنا، المطلوب فورًا، اليوم قبل الغد، عدم إخضاع المجتمع الدولي لمزيد من الاختبارات الاقتصادية. فأي حكومة تضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي، وحدهم المتمسكون بمقاعدهم يتحملون هذه المسؤولية. المطلوب حكومة اختصاصيين بعيدًا من إلباس هذا الحراك أي أثواب حزبية أو طائفية. ومزيد من الانكار سيؤدي إلى مزيد من صلابة عند الثوار الذين لن يتراجعوا قيد أنملة للوصول إلى حقهم في العيش الكريم. ليس أكثر. ولا يحاولن أحد بعد اليوم ذر أي تأويلات تناسبه وتخدم شعبويته. فالشعب قال كلمته على قاعدة: “لقد قلنا ما قلناه”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل