الحريري مع الثوار… حكومة تكنوقراط ولو لم يترأسها

 

يبدو الحال وكأن السلطة الحاكمة تعيش على كوكب آخر، لا تشعر بأوجاع شعبها الثائر منذ 20 يوماً يفترش الساحات والطرقات مطالباً بأبسط حقوقه، فيما لا يزال بعض أركانها يعتمد منطق التسويف والمماطلة مراهناً على تعب الثوار، تمهيدا لاحباطهم ونهاية الثورة ومطالبها بتغيير الطبقة الحاكمة التي عاثت فساداً ونهباً في البلاد وأوصلتها إلى شفير الانهيار التام.

لم تكن إطلالة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من قصر بعبدا، أول أمس الأحد، موفقة، بحسب مراقبين كثر. فالتظاهرة التي شاءها دعماً للعهد، والخطاب الذي ألقاه، أتت بنتائج عكسية وأخذت في طريقها صورة العهد أكثر. فلقد أثار خطابا رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل في بعبدا، أمس الأحد، خلال تظاهرة الدعم للعهد التي نظمها التيار، غضب الثوار ونقمتهم، إذ إن رئيس الجمهورية فقد أبوّته من وجهة نظرهم بعدما أقفل أبواب القصر في وجه أكثر من مليون لبناني متظاهر، رافعين الأعلام اللبنانية، وفتحها على مصراعيها لتيار سياسي بشعاراته وأعلامه الحزبية.

سارع باسيل لاستلحاق ترددات خطوته الفاشلة فزار رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري عصر أمس الاثنين في بيت الوسط، للإيحاء بأن المشاورات لتشكيل الحكومة قائمة. لكن الأمر لم ينطل على الثوار، إذ رأوا أن المماطلة في تحديد عون موعداً للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس بتشكيلها يستدعي ردة فعل صريحة واضحة من قبلهم، فصعّدوا تحركهم بعدما شعروا بالمهانة والاستخفاف بمطالبهم المحقة، وعادوا إلى الساحات وقطع الطرقات، بدءأ من مساء الأحد وأمس الاثنين، مجددين التأكيد على ضرورة الاسراع في تشكيل حكومة مستقلة من اختصاصيين، خالية من الوجوه القديمة المشبوهة بالفساد.

المحلل السياسي الصحافي علي حمادة يقول لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، إنه “من الواضح حتى الان أن التريث أو التباطؤ من جانب رئاسة الجمهورية لإطلاق عجلة تشكيل حكومة جديدة، يعود أساساً إلى المشاورات الداخلية القائمة ضمن فريق 8 آذار (حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل وحلفاؤهم)، وهذا هو السبب الرئيسي”.

ويكشف عن “ألا اتصالات، بالمعنى العميق للكلمة، مع الرئيس الحريري، إنما هناك بعض الرسائل التي توَّجه إليه عبر موفدين، ومنهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، لكن ليست هناك عروض جدية تتعلق بأفق المرحلة المقبلة، وما إذا كان هناك من إمكانية للتعاون بين الحريري وبين الآخرين لكي يعود رئيساً للحكومة”.

ويضيف أنهم “يريدون التأليف قبل التكليف”، لافتاً إلى أن “المبدأ، لولا التباطؤ الشديد، معقول، إذا كان الهدف الذهاب باتجاه تلبية مطالب الناس، أي الاتفاق سلفاً على أسماء تكنوقراط اختصاصيين من الفئة الأولى مع المرشح لرئاسة الحكومة، وعلى أساسها يتم التكليف كي لا يكون هناك تباطؤ في التأليف”.

لكن المحلل السياسي ذاته يشير إلى أن “المشكلة في أن التباطؤ لا يعود إلى مسألة محاولة المجيء بحكومة اختصاصيين انطلاقاً من المعطيات الجديدة وتحقيق مطلب الثوار، بل يعود إلى أنهم يريدون امتصاص الصدمة وفرض أمر واقع جديد، ويريدون أن يكون الحريري جزءاً من هذا الأمر الواقع الذي ربما يعيد انتاج التجربة ذاتها، أي تجربة السنوات الثلاث الماضية”.

ويكشف حمادة لموقع “القوات”، عن أن “الحريري يرفض هذا العرض، ولن يذهب في اتجاه حكومة شبيهة بالحكومة السابقة التي أعلن استقالتها، وربما لن يعود إلى رئاسة الحكومة في كل الأحوال”، مشددا على أن “الحريري لن يحمل مسؤولية انفجار الشارع مرة جديدة، لأنه سينفجر في وجه أي حكومة لا تكون من اختصاصيين. بل إن الحريري، وبحسب معلومات من مصادره، لا يستبعد أن يكون هو شخصياً خارج كل العمل الحكومي، ويأتي حتى وزراء تكنوقراط 100% بمن فيهم رئيس الحكومة، فهو ليس متشبثاً ومتمسكاً بهذه المسألة”.

علماً أن كلام حمادة، أكده لاحقاً بيان صادر عن “تيار المستقبل”، بأن “بعض الأدوات والأقلام التي تعمل على خط الفتنة وتأليب النفوس يضيق صدرها بمشاعر التضامن مع الحريري، الذي لن يضع نفسه تحت أي ظرف في حلبة السباق الاعلامي على رئاسة الحكومة، ويعتبر التكليف مسألة دستورية تخضع للاستشارات النيابية الملزمة وليس لتمنيات الباحثين عن الشحن الطائفي”.

ويوضح حمادة أن “الحريري يعلم أن جزءاً من الحراك الموجود في الشارع هو ناسه وجمهوره وبيئته التي كانت تسانده على مدى نحو 15 عاماً منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ويدرك أن بيئة تيار المستقبل موجودة في الساحات والطرقات وتتظاهر مع استقالة الحكومة والإتيان بحكومة تكنوقراط، وهذه بيئته ولا يمكنه التخلي عنها”.

ويرى المحلل السياسي ذاته، أن “الحريري يعرف أن التعاون مع باسيل أصبح مستحيلاً”، ويضيف: “صحيح الواقعية السياسية تقول بألا أحد ينتهي نهائياً، لكن باسيل في الوقت الراهن ورقة محروقة. هو غير مقبول بنسبة عالية من اللبنانيين، ولم يعد يسيطر على بيئته المسيحية ولم يعد بوسعه أن يقول إنه يمثّل غالبية المسيحيين، بمعنى تيار رئيس الجمهورية، فهناك تغيُّر حقيقي واضح على الأرض في الساحات والشوارع”.

ويلفت إلى أن “الواقع على الأرض تغيَّر عند مختلف الأفرقاء السياسيين، والذكاء والحكمة يكمنان في أن تعرف القيادات كيف تستجيب لمطالب الناس ومزاجهم الرافض اليوم، والذهاب من ضمن المؤسسات الدستورية لصناعة التغيير”.

وإذ لا ينفي أننا “أمام مشكلة”، يقول حمادة إنه “يضع دائما في الحسبان أن الفريق الآخر، حزب الله وحلفاؤه، يمكن أن يقوم بثورة مضادة لثورة الشعب اللبناني بالقوة، وأن يذهب حتى إلى الدم”. ويشير إلى أن “هذا ليس غريباً وليس جديداً على هذا الفريق وتاريخه معروف من قبل الجميع”، لافتاً إلى أنه “يجب أن يبقى في الحسبان أن حالة الرعب والارتباك التي يعيشها هذا الفريق على مستوى المنطقة، خصوصا في العراق ولبنان، وتصعيد الخطاب الإيراني واعتبار ما يجري في البلدين من تظاهرات وانتفاضات مؤامرة كبيرة، يمكن أن يدفعه للهروب إلى الأمام واستخدام القوة”.

لكنه يعود ويؤكد أن “الناس شجعان وسيدافعون عن أنفسهم”، مشددا على أن “الشعب اللبناني شجاع ولا يستطيع أحد أن يضعه في السجن بهذه البساطة، ويكفي أن ننظر إلى ما يحصل في الساحات والشوارع وهذا التصميم لدى الثوار لنتأكد من ذلك”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل