
صوت الطلاب يصدح في ساحات لبنان لليوم الثاني على التوالي. هم مصممون على التأكيد على أنهم عصب الثورة وأن كلمتهم كلمة الفصل. “ما بدي ادرس ت اقعد بالبيت”، عبارة يردّدها الطلاب الثوار مؤيدكن ان مطالب الثورة هي مستقبل أفضل ومشرق أكثر للبنان إن تحققت.
احتجاجات الطلاب لا تقتصر فقط على محيط مدارسهم او جامعتهم بل إنها تتوسّع لتصل إلى المرافئ والمؤسسات والإدارات العامة مع رفع مطالب واضحة أبرزها: تشكيل حكومة تكنوقراط.
لكن الأجواء السياسية لا توحي بقبول الطبقة السياسية الحالية بحكومة تكنوقراط حيادية، في ظلّ إصرارها على حكومة تكنو ـ سياسية، أقله هذا ما أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه برّي اليوم.
أجواء التكليف والتشكيل لا تزال متعكرة، ففي حين لفتت مصادر “الشرق الأوسط” إلى ان القصر الجمهوري لم يحدد بعد أي موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس للحكومة، تحدثت عن أن رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري نصح وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل بأن يبقى خارج التشكيلة الحكومية، بسبب المعارضة الشديدة من قبل الشارع لوجود باسيل فيها، متوقعة أن تتبلور كل الطروحات خلال الساعات الـ48 المقبلة.
لقاءات سياسية تعقد لتقييم فورة الشارع الذي لا شكّ بأنها ضغطت على السلطة التي أمرت أخيراً بتحرّك القضاء. ومن بين أحدث الملفات، ملفت رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الذي رفض الحضور إلى مكتب النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، الذي طلب الاستماع إلى إفادته حول موضوع صرف مبلغ 11 مليار دولار عندما كان رئيساً للحكومة بين عامي 2006 و2008، مصراً على انه “تحت سقف القانون”.
وبالعودة إلى أزمة التأليف، يرى برّي أن المقبول هو أن تكون الحكومة سياسية مطعّمة بوزراء من التكنوقراط، أو حكومة تكنو ـ سياسية، بحيث يكون وزراؤها سياسيون من التكنوقراط، تختارهم القوى السياسية التي يتقرّر تمثيلها وزارياً، ويضيف لـ”الجمهورية”: “مثل هذه الحكومة يمكن الحريري أن يتولى رئاستها في حال سَمّته الأكثرية النيابية في استشارات التكليف، وكذلك يمكن لأي شخص أن يتولّاها في حال نال تأييد تلك الأكثرية النيابية”.
ويتابع: “أمّا في حال عدم الاتفاق على شخص رئيس الحكومة الجديدة وعلى تركيبتها الوزارية أسماء وحقائب، فإنه يُخشى في هذه الحال أن تدخل البلاد في فراغ حكومي الى أجل غير معلوم”.
من جهة أخرى، تحدثت مصادر “الشرق الأوسط” عن أن رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري نصح وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل بأن يبقى خارج التشكيلة الحكومية، بسبب المعارضة الشديدة من قبل الشارع لوجود باسيل فيها.
واستيضاحاً للمعلومات التي ذكرت أن باسيل طرح أن يكون إلى جانب الحريري في أي تشكيلة حكومية، أو أن يكون الطرفان معاً خارجها، جزمت المصادر بأنه لا صحة لتسريبات مشابهة. وأكدت أنه “ليس مسموحاً لباسيل بأن يفرض هذه القاعدة، فهو رئيس كتلة، بينما الحريري زعيم سني تتم مقارنة موقعه رئيساً للحكومة، بموقع رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس النيابي، وليس برئيس كتلة نيابية”.
وبينما لم يحدد القصر الجمهوري بعد أي موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس للحكومة، قالت مصادر وزارية لـ”الشرق الأوسط” إن الحريري يدعو إلى تسريع الاستشارات النيابية، ويرجع القرار له على ضوء الاستشارات، مشددة على أنه “لا يستجدي تكليفه، ولن يقدم تنازلات”، لافتة إلى أنه يصر على أن هدر الوقت لا يجوز؛ لأن البلد متأزم سياسياً ومالياً.
وفي حال لم يتم تكليف الحريري، لم يسقط من حساباته دعم شخصية وازنة، ويوظف كل نفوذه الدولي والمحلي لإنقاذ البلد من الأزمة الاقتصادية، بالنظر إلى أنه لا مجال للمراوحة، وآن الأوان للخروج من المأزق.
في المقابل، قالت مصادر متابعة لـ”الشرق الأوسط” إن موضوع شكل الحكومة أصبح قيد التداول على نطاق واسع، وإن هناك بعض النقاط التي يتم توضيحها من قبل بعض الأطراف من خلال اللقاءات التي تحصل، والتشاور بين الكتل النيابية، بانتظار تحديد المسار الذي سيعتمد، أي حكومة تكنوقراط أو حكومة مختلطة من تكنوقراط وسياسيين.
وتوقعت المصادر أن تتبلور هذه الطروحات خلال الساعات الـ48 المقبلة. وجددت التأكيد على التنسيق مع الحراك؛ خصوصاً أن مجموعة منهم أظهرت إيجابية تجاه مسألة الحوار معهم، على عكس مجموعات أخرى لم تظهر أي تجاوب في التواصل.
ومن النقاط التي يتم حسمها ما إذا كان الحريري سيشارك أو لن يشارك. وهناك طرحان: الأول ألا يعود الحريري، والثاني أن يعود على رأس حكومة تكنوقراط مطعَّمة، وهو من يقرر.
إلى ذلك، علمت “الجمهورية” انّ جلسة تقييمية للحراك وأداء السلطة في مواجهته، عقدت في الايام الاخيرة في حضور أحد كبار المسؤولين، عرضت فيها بعض المواقف المحلية والخارجية المرتبطة بالمستجدات التي شهدها لبنان منذ 17 تشرين الاول وحتى الآن، كما انتهت الى مجموعة خلاصات نقدية:
اولاً، انّ الاتصالات الجارية على الخط الحكومي عقيمة، ومستعصية.
ثانياً، بالتوازي مع اتصالات رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، تتواصل الاتصالات بشكل يومي ومتواصل بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري إمّا هاتفياً او عبر الوزير علي حسن خليل. كما انّ التواصل بقي مستمراً بين الحريري وحزب الله.
في هذا السياق، استفسرت “الجمهورية” مصادر في حزب الله حول ما تَردّد بالأمس عن انّ الاتصالات استؤنِفت بين الحريري وحزب الله، بما يوحي أنها كانت مقطوعة، فاكتفت بالقول: ما يجري ترويجه ليس صحيحاً على الاطلاق، فهذه الاتصالات لم تكن مقطوعة أو مقفلة أصلاً لتعود وتفتح.
ثالثاً، ان ّتحذيرات متتالية ينقلها بعض السفراء الغربيين الى المراجع المسؤولة في الدولة تفيد بأنّ الانهيار في لبنان حَتمي، ما لم يتم الاسراع في تشكيل حكومة.
رابعاً، انّ النتيجة الموضوعية لكل ما جرى في الآونة الاخيرة تُنذر بفترة طويلة من الاشتباك السياسي، مع فراغ جدي على مستوى السلطة غير محدد بسقف زمني.
خامساً، انّ السلطة وبعض المنادين بإسقاطها، أثبتوا من بداية الحراك الشعبي أنهم يقدمون سياسة لسياستهم فقط، وليس سياسة للناس وخدمة مصالحها.
سادساً، انّ الحراك الشعبي تمكّن من فرض كلمته في وجه السلطة، وحَدّد مطالب مشروعة باسم كل اللبنانيين، الّا انّ موقف بعض الحراك أصيب بالضعف، بعد المداخلات التي تعرّض لها من هنا وهناك، وبعد الطروحات التي دخلت عليه ورفعت سقف المطالب الى حدّ يجعلها غير قابلة للتطبيق.
سابعاً، انّ عملية تضليل واضحة للناس تقوم بها جهات سياسية هي شريكة أصلاً في الحكومات السابقة، وتتجلّى في إصرار تلك الجهات على طرح صيَغ حكومية غير قابلة للتشكيل في بلد كلبنان. إنّ مثل هذه الطروحات تُطرح لتُرفَض، وتشبه الدعوة الى عدم تشكيل حكومة.
وبالعودة إلى الملفات القضائية، أعلن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة رفضه الحضور إلى مكتب النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، الذي طلب الاستماع إلى إفادته حول موضوع صرف مبلغ 11 مليار دولار عندما كان رئيساً للحكومة بين عامي 2006 و2008.
وأكد السنيورة لـ”الشرق الأوسط”، أنه “لن يحضر إلى مكتب إبراهيم؛ لأن هذا الموضوع هو إعادة جدولة للمبلغ المطلوب وليس لدي شيء أضيفه”، مؤكداً “لو عاد بي الزمن لفعلت الشيء نفسه”.
وأضاف السنيورة “أنا رجل تحت القانون وأخضع له، ولدي ثقة كاملة بما قمت به لمصلحة لبنان واللبنانيين، ولكنت قمت بالشيء نفسه لو كنت اليوم رئيساً للحكومة”.
وعزّز موقفه بالقول: “سبق لي أن قدمت مشروع قانون لإخضاع حسابات الدولة اللبنانية للتدقيق في عام 2006، إلا أن هذا المشروع ما زال في إدراج مجلس النواب”.
وفي حين يتّهم بعض الفرقاء السنيورة بالإنفاق خلال توليه رئاسة الحكومة، بين عامي 2006 و2008، بعد استقالة الوزراء الشيعة والوزير يعقوب الصراف، من دون مستندات قانونية، وإهدار هبات ومساعدات إلى الحكومة اللبنانية، إلا أنه رد على ذلك في مؤتمر صحافي مفصل في آذار الماضي، واصفاً “قصة الـ11 مليار دولار” بـ”العاصفة في فنجان”.
وأكد “هذا الإنفاق الذي تم أكان من اعتمادات الموازنة أو الخزينة لم يكن إنفاقاً مخالفاً للقانون، بل كان قانونياً كامل الأوصاف”، مشيراً إلى “أن الكلام عن عدم وجود مستندات نكتة سمجة هدفها تشويه صورة الحكومات التي رأسها رفيق الحريري والنيل منه ومن كل رؤساء الحكومات الذين أتوا بعده بمن فيهم سعد الحريري”.
وأضاف: “أعددت دراسة كاملة سأزود بها رئيس الجمهورية ميشال عون ومجلس الوزراء ومجلس النواب توضح كل التفاصيل، للانتهاء من القصص التي تشوه عقول الناس، وليكون الأمر واضحاً لدى الجميع”.