الأرثوذكس ودولة لبنان الكبير – 1

كتبت “المسيرة” – العدد 1700

من كتاب «من يدحرج الحجر؟ مصير مسيحيي الشرق» للأستاذوائل خير

 

الأرثوذكس في المجتمع اللبناني

جميع الكيانات السياسية القائمة حاليًا في العالم العربي، باستثناء مصر ومراكش واليمن ولبنان، هي مُستحدثة إذ أوجدتها التوازنات الدولية المتأخرة. أما لبنان، موضع إهتمامنا، فهو منطقة ذات نواة أقدم عهدًا، محددة المعالم توسّعت حدودها وتقلّصت. تمتع لبنان منذ نهاية القرن الرابع عشر بحكم ذاتي في إطار الحكم المملوكي ومن بعده السلطنة العثمانية. برز لبنان في الإتفاقيات الدولية إثر الحرب الأهلية الأولى عام 1840 التي أقرّت لفترة قصيرة نظام القائمقاميتين، لكن الإتفاقيات الدولية الأهم حول لبنان كانت مقررات «بيرا» عام 1861 حيث وضعت الدول الكبرى نظامًا للبنان وسّع حكمه الذاتي بضمان التقيّد به من الدول الموقّعة والسلطة العثمانية. وفي العام 1920 ضُمّت الى متصرفية جبل لبنان أراضٍ من ولاية دمشق وولاية بيروت آخذاً لبنان شكله الحالي. في العام 1943 نال لبنان إستقلاله. في العام 1975 إندلعت الحرب اللبنانية التي انتهت في نهاية العام 1989 بتوقيع إتفاقية الطائف التي طوت صفحة حكم للبنان كانت اليد العليا فيها للمسيحيين. واستمر لبنان بعد الطائف وطوال 15 عامًا تحت حكم سوري مباشر إنتهى بخروج القوات السورية من لبنان ربيع العام 2005.

 

تفاوت دور الأرثوذكس في لبنان وتبدل خلال هذه الحقبات على الوجه التالي:

لبنان الإمارة

ليس في السجلات التاريخية ما يشير الى أن الأرثوذكس لعبوا دورًا مهمًا في فترة الإمارة، المعنية كانت أم الشهابية. الدور المسيحي فيهما إنحصر بالموارنة كإقطاعيين ومدبّرين للأمراء، وببعض الروم الكاثوليك في إطار مالي صرف. إلا أن تعداد عائلات المشايخ في لبنان القديم يذكر من بينهم بعض العائلات الأرثوذكسية وفي طليعتها آل العازار في أميون.

لبنان المتصرفية

كانت بداية دور الأرثوذكس في الحياة العامة اللبنانية في إطار «نظام متصرفية جبل لبنان»، وهو ترتيب فرضته الدول الخمس الكبرى في ذاك الزمن وما كان بوسع السلطة العثمانية، لتعثرها السياسي وأزماتها الاقتصادية وتراجعها العسكري، إلا الرضوخ.

بداية الأحداث التي أدت الى التنظيم الجديد كانت وقوع إشتباك في بيت مري في 15 آب 1859 بين الموارنة والدروز ذهب ضحيته 26 درزيًا و6 موارنة. لم تكن التسوية إلا مؤقتة إذ انصرف الفريقان طوال الشتاء الى الإعداد لجولة جديدة إبتدأت في أيار ولم تنتهِ إلا في تموز من العام 1860، إتسعت الإضطرابات خلالها فطالت المتن وبعبدا والساحل وعاليه والشوف ودير القمر وجزين وحاصبيا وراشيا وزحلة ودمشق ومناطق أخرى.

إتسمت هذه الأحداث بشراسة تعدّت أي من سابقاتها. عدد الضحايا فاق كل ما سبق، ومقدار الدمار شمل عددًا كبيرًا من القرى، إضافة الى أحياء بأكملها في دمشق. كما طال النهب والدمار عددًا كبيرًا من الأديرة والمؤسسات الدينية المسيحية في مسرح العمليات.

أثارت أنباء المجازر الرأي العام الفرنسي والحكومة التي أجرت إتصالات مع الدول الأوروبية وتم التوافق بينها وبين الباب العالي على التدخل في لبنان ضمن الشروط التالية:

1-على فؤاد باشا وزير خارجية الدولة العثمانية أن يطلب مساعدة عسكرية من الدول الأوروبية.

2-توقّع الدول الأوروبية إتفاقاً بشأن لبنان مع الباب العالي.

3-تستمر قوة التدخل العسكري في لبنان طيلة ستة أشهر فقط.

في الثالث من آب تم توقيع بروتوكول إرسال الجيش الفرنسي الى لبنان الذي وصلت بوارجه البحرية الى الساحل اللبناني في 16 آب 1860. كما اتفقت الدول الأوروبية على تأليف لجنة سياسية تتمثل فيها فرنسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا والباب العالي، ومهمّاتها السفر الى بيروت وإعادة السلام الى لبنان ودمشق ووضع نظام جديد للبنان. مندوبو الدول كانوا:

ممثل فرنسا بيكلار M. Beclard من كبار الدبلوماسيين في الخارجية الفرنسية.

ممثل بريطانيا اللورد دوفرين Dufferin رحّالة بريطاني ومرجع في أمور العالم الإسلامي.

ممثل النمسا م. دو فيكبيكر M. De Weckbecher قنصل النمسا العام في بيروت.

ممثل بروسيا دي رهفوس De Rehfues مسؤول دبلوماسي كبير في السفارة البروسية في اسطنبول.

ممثل روسيا م. نوفيكوف M. Novikow السكرتير الأول للوزارة (السفارة) الروسية في اسطنبول.

أما السلطة، فقد مثّلها فؤاد باشا وزير الخارجية الذي وصل بيروت في 9 تموز في محاولة للسيطرة على الأوضاع قبل وصول مبعوثي الدول العظمى، على أن يقوم مقامه في حال غيابه، معاونه أبرو أفندي.

عقدت اللجنة الدولية 50 جلسة معظمها في بيروت وبعضها في دمشق. الجلسة الأولى تحمل تاريخ 5 تشرين الأول 1860 والجلسة الأخيرة كانت في 23 أيار 1862.

مواضيع البحث تناولت مسائل ثلاث: الخسائر والتعويضات، المسؤولية الجنائية ومحاكمة من حرّضوا على المجازر واشتركوا فيها وما تفرّع عنه من إغتصاب ونهب وحرق ملكيات، وأخيرا، وضع نظام جديد لجبل لبنان من شأنه نشر الإستقرار والأمان لجميع السكان من مختلف طوائفه.

من الجلسة الأولى حتى الواحدة والأربعين إنصرفت الجهود لمناقشة الموضوعين الأولين: التعويضات والمسؤوليات، وإيقاع عقاب بالمسؤولين. أما الباب الثالث، تنظيم جبل لبنان فاستغرق الجلسات الباقية إبتداء من الجلسة 42 المنعقدة في 9 كانون الأول 1861 حتى نهاية الجلسة الخمسين في 23 أيار 1862.

أدركت الحكومة الروسية القيصرية أن الأرثوذكس، ما لم تُخصص لهم منطقة جغرافية محددة ومعترف بها إداريًا، ضعف تأثيرهم على القرارات المركزية في المتصرفية. وفّق المندوب الروسي م. نوفيكوف في وضع قضاء الكورة كقائمقامية أرثوذكسية في عداد القائمقاميات الثلاث، في الإقتراح الأول، التي إرتفعت الى ست قائمقاميات، الى جانب ناحية الهرمل، التي انتهت إليها «متصرفية جبل لبنان».

ينص «مشروع نص لإعداد نظام جديد للبنان» في المادة 3 منه: «يقسم الجبل الى ستة أقضية إدارية هي التالية:

1-الكورة، بما فيها الكورة السفلى وسائر الأراضي المجاورة الآهلة بالروم الأرثوذكس.

2-….».

وكان المشروع قد وقّع بالأحرف الأولى من قبل ممثلي الدول العظمى ما عدا مندوب فرنسا الذي لم يعترض عليه بل أبلغ اللجنة تحفّظ بلاده على بعض بنوده وخاصة ما تعلّق من المشروع بقضاء الكورة.

يذكر المسيو بيكلار في مذكرته المسهبة أمام اللجنة المؤرخة في 10 نيسان 1861 أسبابه: «نصت المادة (6) من المشروع أن تكون الكورة، حصرًا، قاعدة ومقرًا للقائمقامية الأرثوذكسية. وعليه، بحال طبّق مبدأ الفصل بين المسيحيين فيما بينهم، وبحال إجتمع أرثوذكسيو الشمال (شمال المتصرفية) الـ19950 والجنوب 5650 في مركز واحد من 25600 ساكن، فإننا ندرك عندها، عند الإقتضاء، أن إنشاء إدارة منفصلة لهم بات ضروريًا، فيعطونها. لكن ليس هناك من سبب يدعو لفصل المسيحيين بعضهم عن بعض وهم لم يتحاربوا أبدًا، وخضعوا على الدوام لنفس السلطة، بل إنهم تقاسموا منذ عهد قريب نفس المعاناة، حيث لم يوفر الدروز أو يميّزوا بين المسيحيين من هذا المذهب أو ذاك… هل إن روم الكورة يستحقون هذا الإمتياز لقاء عدد الضحايا الذين سقطوا لهم إبان ثورة الدروز؟ بالطبع لا… هناك سبب آخر إذن. وبالواقع إن الإعتبار الوحيد لتخصيصهم بهذا الإمتياز هو أنهم أكثرية في ناحيتهم…

«إن البحث عن مبررات تدعم إنشاء قائمقامية أرثوذكسية في الكورة لعبثيّ وغير مجدٍ. فإذا كان سكان هذه الناحية لا يحتملون الهيمنة المارونية، فيجب أن نستدلّ من هذا الإعتبار أن ذلك ليس أقل مقتاً في نفوس الـ15950 أرثوذكسيًا الذين يقطنون نواحي الشمال الأخرى (من المتصرفية)، فلِمَ لا يحظى هؤلاء الآخرون بنفس المحاباة التي لقيها إخوانهم في الكورة؟ ولماذا يبقون تحت رحمة الطغاة الجدد؟ لِمَ ينظر الى الهيمنة المارونية على هؤلاء الأرثوذكس 15900 على أنها مقبولة ومشروعة، فيما تُعتبر قاسية على أرثوذكسيي الـ4000 وتتطلّب تخليصهم منها؟ وأخيرًا، وإذا كانت إحدى الطائفتين ترفض الخضوع للأخرى، وهذا ما لم يتأكد، فهل من العدل عكس الأدوار؟ وهل يستسيغ موارنة الكورة طغيان قائمقام أرثوذكسي في الوقت الذي لم يستسغ فيه الأرثوذكسي أمرًا مشابهًا؟…

«تشمل القائمقامية الأرثوذكسية بموجب أحكام المادة الكورة بما فيها الكورة السفلى والأنحاء المجاورة التي يؤلف العنصر الأرثوذكسي فيها غالبية عددية». وتبعًا للكشوفات الآنفة الذكر، تُعدّ الكورة السفلى التابعة حاليًا لدائرة طرابلس الإدارية ما لا يزيد على 3000 ساكن، 1500 أرثوذكسي و1000 مسلم و500 ماروني… فعليه، يكون من أصل 9000 يشكلون مجموع السكان، لن يكون منهم سوى 5500 أرثوذكسي…».

يعود حرص فرنسا على وحدة القسم المسيحي الى أن حكام هذا القسم لا بد أن يكونوا من طائفة الأكثرية المسيحية، أي الموارنة. وفي حال إقتطاع أي قسم منه سيضعف الوزن السياسي لحليف فرنسا. هذا الموقف جاء بلا لبس في رسالة وجّهها وزير الخارجية الفرنسية مسيو توفيل الى السفير الفرنسي في سان بيترسبورغ الدوق دي مونتيبلو جاءت في الجزء الثالث تحت رقم 208 من «مجموعة المحرّرات السياسية والمفاوضات الدولية عن سوريا ولبنان» التي عرّبها فيليب وفريد الخازن. يقول الوزير في رسالته «إن اللجنة الدولية في سوريا مواصلة مفاوضاتها بشأن تنظيم لبنان، وقد أنبأتكم في رسالة سابقة بما بسطه المسيو نوفيكوف المندوب الروسي من الآراء بهذا الصدد، فأصرّ عليها في المباحثات التي عقبت. وعليه ينبغي أن ألحّ في أمر سبق لي أن حدثتكم به هو عندي بمكان عظيم من الأهمية وقوامه أن مصلحة المسيحيين على اختلاف طوائفهم في تنظيم الجبل هي واحدة وأن تقسيمهم يؤول الى إضعافهم، وأن توحيد الحكم بيد شخص واحد هو ضمانة كيان الجميع…».

بالرغم من منطقية المندوب الفرنسي أقرّت الكورة، بفضل بعد النظر الروسي، قائمقامية أرثوذكسية، وكان ذاك القرار الإداري الرافعة السياسية لدور الأرثوذكس في الحياة العامة في لبنان.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل