عودة السينما السودانية بعد 30 عاما من القمع

بعد فوزه في مهرجانات عالمية، يتوج الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” بجائزة التانيت الذهبي للعمل الأول جائزة الطاهر شريعة، وجائزة السيناريو في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة إلى جانب جائزة الاتحاد الدولي للنقاد ضمن الجوائز الموازية، والفيلم من بطولة كل من إسلام مبارك ومصطفى شحاته، سيناريو وإخراج أمجد أبوالعلا. العرب التقت بطلة الفيلم إسلام مبارك للحديث عن دورها في الفيلم وعن مهرجان قرطاج الذي اختتم منذ أيام.

إسلام مبارك ممثلة سودانية في رصيدها العديد من الأعمال الدرامية السودانية، لكن لم تعرف عربيا إلا بعد أن لعبت دور سكينة والدة المتزمل في الفيلم  السوداني “ستموت في العشرين”.

ورغم المخزون الثقافي الهام والطاقات الإبداعية الكبيرة، إلا أن السودان تغيب عن خارطة الدراما العربية جماهيريا، وهذا ما يؤكده غياب وجوه مميزة مثل إسلام مبارك عن المشاهد العربي.

شخصية صعبة

نسأل مبارك إن كانت تجربة العمل مع أمجد أبوالعلا في باكورة أعماله السينمائية مغامرة بالنسبة إليها وكيف حصل التعاون، لتجيبنا “أنا فنانة سودانية لدي رصيد جيد في الدراما التلفزيونية، ولكن هذا أول عمل سينمائي لي لظروف كثيرة أصبحت معروفة ومتعلقة بوضع السودان خلال الثلاثين عاما الماضية من القمع للفنون وخصوصا للسينما، أما بالنسبة إلى الفيلم فجاء الدور عن طريق الصدفة،  تحديدا عبر تجربة الأداء (الاوديشن) التي قام بها أمجد في المسرح القومي وهو المكان الذي نرتاده كممثلين”.

تتابع الفنانة “أعجبتني في البداية فكرة تجربة الأداء بحد ذاتها لأنها كانت جديدة بالنسبة إلي، فنحن في السودان لم يسبق وأن أجرينا مثل تلك التجربة، أردت أن أستمتع بها، وحين دخلت وجدت أمجد وبرفقته النص، وبعد أن أجريت الاختبار بأسبوعين تواصل معي المخرج وسلمني النص”.

وتلفت مبارك إلى أنها لم تكن أبدا مغامرة بقدر ما هي حب للدراما عموما وللسينما بصفة خاصة، قائلة “أنا من الفنانين الذين لا يعملون إلا في حال أعجبهم النص، وشخصية سكينة كانت مختلفة جدا قوية جدا وصعبة جدا وأنا بطبيعتي أحب الأدوار الصعبة. عندما قرأت السيناريو للمرة الأولى اعتقدت أنها شخصية عادية ويمكن أن تكون مجرد سيدة بسيطة، ولكن صعوبتها كانت في تلك البساطة، وبعد قراءة النص للمرة الثانية والثالثة شعرت بأن شخصية سكينة ليست بسيطة، بل هي روح الفيلم، هي الخلطة الرئيسية للمتزمل وهي سبب توازنه، فالهم الرئيسي بالنسبة إليه كان دوما والدته وخاصة في حال رحيله، فهل ستفتقده وكيف سيكون وضعها، صدقا أقولها إن سكينة كانت من أجمل الشخصيات التي أديتها”.

بعد توقف طويل للسينما السودانية لأسباب مختلفة، نجدها تعود وبقوة إلى المحافل السينمائية، ليس هذا فحسب، بل وتتوج بجوائز عالمية وعربية، وفيلم “ستموت في العشرين” الذي يعتبر الفيلم الروائي الطويل السابع في الترتيب العام لإنتاجات السينما السودانية، يستقبله الجمهور التونسي بحفاوة كبيرة.

حول كيفية استقبال أبطال الفيلم وردة فعل الجمهور التونسي، تقول بطلة الفيلم إسلام مبارك “قبل حضوري إلى مهرجان قرطاج، كنت أسمع الكثير عنه وعن جمهوره خاصة من المخرج الذي لطالما كان يحدثني عن الجمهور التونسي  العظيم، إلى درجة بات يتملكني القلق والتوتر من مقابلته وحضوره الفيلم، ورغم كل التصفيق الذي حصل أثناء دخولنا قاعة العرض والهتاف والإحساس الإيجابي الكبير الذي كان يتملكنا لأنه عرضنا العربي الأول، إلا أن كلام أمجد استمر تأثيره في عقولنا، إلى درجة أنني كنت أجلس أثناء عرض الفيلم وأنا أشعر بالرعب بمعنى كلمة الرعب”.

وتتابع مبارك “قاعة الأوبرا كانت صامته تماما أثناء العرض، لا تعليق ولا حتى نفس، ولكن بعد أن انتهى الفيلم وظهرت شارة النهاية، وجدت جمهورا مختلفا، سمعت تصفيقا حادا وتعليقات تنم عن ثقافة وبصيرة سينمائية كبيرتين لدى هذا الجمهور. حقيقة أريد أن أقول لجمهور تونس شكرا أتحفتونا و‘حبيناكم برشا‘”.

نجاح سوداني

حول صدى النجاح الكبير والجوائز التي حققها الفيلم وربما غير المتوقعة لدى بطلة العمل، وإن كانت تثير الرغبة في أن تنهض السودان مرة أخرى سينمائيا، تقول إسلام مبارك “يعتبر فيلم ‘ستموت في العشرين‘ الفيلم الروائي الأول لمخرجه أمجد أبوالعلا وأول فيلم سينمائي أعمل فيه أنا ومصطفى والغالبية العظمى من المشاركين الشباب، بالنسبة إلي عموما أنا أتمتع بالثقة الزائدة بقدراتي كفنانة، أستطيع أن أصنع التوازن بيني وبين الشخصية التي أقدمها فأشعر بها وتشعر بي، ولم يكن مفاجئا بالنسبة إلي نجاح الفيلم لأسباب كثيرة، منها بالدرجة الأولى أنه فيلم سوداني يقدم بعد فترة طويلة وفي ظل ظروف سياسية صعبة جدا، في النهاية الفيلم كان نوعا من التحدي بالنسبة إلى السينما السودانية ككل، ومجمل التفاصيل التي رافقت الفيلم نعتبرها توفيقا من الله، ويعتبر الفيلم نبوءة حقيقية وتأسيسا جديدا للسينما السودانية لوضع قواعد جديدة لها، في ظل حكومة مدنية، لكن لم أكن أتوقع جائزة أسد المستقبل في مهرجان فينيسيا رغم أنني  توقعت الجوائز الأخرى في المهرجانات العربية أو الأجنبية التي شارك الفيلم بها، وأتمنى أن نحظى بفرص وجوائز أكثر لاحقا”.

بعد نجاح الفيلم خارج وداخل السودان والشعبية التي كونّها فريق العمل على صعيد محلي بالدرجة الأولى، نسأل الفنانة إن كانت الدولة السودانية ستلتفت إلى السينمائيين والسينما كصناعة وكسلاح ثقافي من الممكن من خلاله التعريف بالسودان كبلد حضاري وثقافي، تقول محدثتنا “الفنان بطبعه يمتلك روح الأمل، بالنسبة إلي أملي في أن يكون السودان في صفوف البلدان السينمائية، لكن السودان يحتاج إلى وقت وحكومة، السودان الجديد يحتاج أيضا إلى الوقت حتى تلتفت لموضوع الفنون عامة، فنحن في هذه الفترة نعيش في ظل ظروف حرجة جدا سواء في الاقتصاد أوالمعيشة أو غيرها من مكملات الحياة، لكني أتوقع الانتعاش في السينما وهذا يجعلني أقول إن هناك بشائر حقيقية بدأت تهل على السودان وهناك مخرجون شباب مجدون جدا يعملون الآن في أفلام سينمائية كثيرة، متابعة أتمنى أن يقف السودان في مصاف الدول الأفريقية والعربية سينمائيا بإذن الله”.

وعن وضع الدراما التلفزيونية السودانية حاليا، على اعتبار أن الأعمال الدرامية السودانية لا تتابع بشكل جيد ولا تقدم على الشاشات العربية، تقول إسلام مبارك “نحن ما زلنا بعيدين جدا بالنسبة إلى الدراما السودانية، صحيح هناك شركة خاصة تنتج ولكنها عبارة عن أفراد ومجموعات تعتمد على الشللية، بالنهاية نحن لا نملك شركات إنتاج كبيرة ومن الصعوبة إنتاج الأعمال الدرامية لأسباب وظروف عديدة جدا، لكننا مستمرون ولدينا القدرة على الصمود وننتج في بعض الأحيان دراما لأفلام صغيرة، بالنهاية نحن كفنانين ليست لدينا خيارات كثيرة سوى المضي في هذا الطريق بحب، وأن نخلق أعمالنا من العدم وهذا كاف لخلق رصيد وتميز بالنسبة لنا كفنانين سودانيين نواجه كل الصعوبات.

 

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل