انكشاف محور التسوية بفعل الثورة

 

على الرغم من انه يحلو لبعض الاعلاميين والسياسيين المحسوبين على خط 8 اذار التقليدي والداعمين لخط المقاومة توصيف الثورة الشعبية بشتى المعاني التآمرية الخارجية، ثمة حقيقة يجب الاقرار بها منذ اندلاع الحراك وتحوله الى ثورة شعبية: حقيقة ان تلك الثورة وبحيث لا تدري ولا تريد قلبت معادلة سياسية ثابتة منذ 3 سنوات تظللت بما سمي بـ”التسوية الرئاسية” لتأمين وصيانة مصالح حزب الله في التركيبة السياسية والسلطوية.

من هنا يمكن فهم، ومن حيث لا تريد ولا تقصد هذه الثورة، تقلبات المواقف الصادرة عن محور المقاومة بدأ من حزب الله وصولا الى التيار الوطني الحر، فيما بدا الى الان رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري كجزء اساسي من السلطة وتلك التركيبة الاكثر تحسسا لنبض الشارع ومطالب الحراك.

انطلاقا من هذا الواقع، يمكن فهم كيف ان الثورة، ومن حيث لم تريد ولم تقصد، كشفت المستور الذي جاء ليؤكد رأي المجتمع الدولي من ان لبنان كان محكوما من ايران وحزب الله في السنوات الاخيرة.

فبطبيعة الحال من الواضح ان الطرف الذي يبدو على نقيض الثورة، على الرغم من بيانات وتصريحات القياديين في الحزب، من اعتباره جزء من الشعب ومتفهماً للحراك وتقاسم نفس معاناة الشعب، لا يمكنه اخفاء ارتباكه وتفاجئه بالشارع وحراكه لا بل وبالأكثر لا يمكنه اخفاء انتفاضة الشارع الشيعي المعتبر تقليديا الحاضن الشعبي للحزب والمقاومة.

بناء عليه، وبالعودة الى المشهد العام حتى الساعة يمكن استخلاص الاستنتاجات التالية:

اولا: سقوط التسوية الرئاسية التي كانت تؤمن للحزب مظلة سياسية واقية وضامنة لمصالح الحزب وايران في لبنان طوال السنوات الثلاث الماضية. وفي هذا السياق، تجدر الاشارة الى ان التسوية الرئاسية جعلت من حزب الله المستفيد الاول والرئيسي سياسيا واستراتيجيا ما افقد الحكم والسلطة رصيدهما العربي والرسمي والدولي.

واليوم ومع اصرار الرئيس سعد الحريري، وحتى اشعار اخر، على اعتبار ان ما قبل 17 تشرين الاول غير ما بعد 17 تشرين الأول، فان الاخير لم يعد في وارد العودة الى تسوية افقدته الكثير من رصيده السني أولا، ومن رصيده الوطني ثانيا، بدليل الاختلافات مع حلفائه التاريخيين في مراحل عدة من حكومة الى العمل.

فالشارع السني لم يكن بأكثريته موافقا على تلك التسوية، ما عكس عدم رضى إقليمي ـ عربي، خصوصاً ان حالة نفور استحكمت، بحكم هذه التسوية، بين الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل وبين السنة في لبنان، نظرا لاصطفافهما الى جانب خط حزب الله المحلي والاقليمي.

ثانيا: تأخير الاستشارات النيابية الملزمة الى الان عكس حقائق ” كواليسية ” هامة ابرزها حقيقة المأزق الذي يعيشه الحزب وحلفاؤه، نظرا لنجاح الشارع في قلب التوازنات السياسية التي تحكمت بالبلاد منذ 3 سنوات. فهناك صراع دائر في كواليس القرار بين حكومة تطيح السياسيين وبالتالي يتحكم الحزب بإدارة الدولة من خلال مشاركته في حكومة سياسية او مطعمة ببعض التكنوقراطيين (الامر الذي يرفضه الشارع والحريري اقله الى الان)، وبين حكومة غير سياسية مستقلة لا تخضع لمصالح الفرقاء السياسيين ولا للحزب اية سيطرة عليه.

وفي هذا السياق، ولّدت الثورة الشعبية الى الان نتائج كبيرة ضربت وعطلت مفاعيل التسوية الرئاسية التي كان حزب الله يركن اليها بكل اطمئنان ويدير خيوطها بما يخدم مصالحه الاقليمية قبل الداخلية. وبالتالي، لا يمكن للحزب ان يقبل باستشارات ملزمة لا تستجيب لضماناته. فالمعادلة باتت مقلوبة: بحيث ليس المطلوب ان يعطينا حزب الله ضمانات للحكم بل المطلوب ان يعطي الشارع ضمانات للحزب في الحكم.

لذلك، فإن تأخر الاستشارات الملزمة لربطه بالتأليف، وفضلا عن كونه مخالفاً للدستور، ومساً بصلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، يعكس عمق هذا المأزق والبحث الجاري للخروج بصيغة وسط تبقى هي نفسها رهن موافقة الشارع عليها.

فالتطورات الاقليمية ضاغطة على لبنان لا سيما على حزب الله، مع استمرار العقوبات الاميركية على ايران وتراجع الأخيرة عن التزاماتها النووية، واخر تجلياته نقل غاز الاورانيوم الى منشأة “فردو” ما يعني خروج طهران من خطة العمل المشتركة الشاملة (اي الاتفاق النووي للعام 2015) سيؤدي الى انضمام الاوروبيين لموقف الولايات المتحدة وبالتالي مضاعفة الضغوط على طهران من دون اي افق تسوية بانتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية، ما يتطلب تشديد الحزب قبضته على الورقة اللبنانية التي تخدم سيد الحزب في طهران.

ثالثا: من المتداول به ان كلا من حزبي القوات اللبنانية والتقدمي الاشتراكي لن يشاركا في اية حكومة مقبلة، وهذا يعني ان الحريري لن يقبل بدوره ان يكون رئيسا لحكومة تعود وتحاصره بثلث معطل مناوئ له ومنحاز لحزب الله، خصوصاً ان التيار الوطني الحر، وبصورة باتت واضحة وجلية وغير قابلة للنقاش يصطف الى جانب المقاومة والحزب وينسق معه كافة الخطوات لا بل السياسات والاستراتيجيات سواء الصغيرة او الكبيرة.

من هنا، تمحور المفاوضات اما على حكومة تكنوقراط لا يقبل بها حزب الله وحكومة سياسية مطعمة بتكنوقراط لا يقبل بها الحريري لعلمه المسبق برفض الشارع لها ولو تضمنت وزراء من الحراك كما يتردد.

فالعقدة الاساسية لا بل الوحيدة تبقى حتى اشعار اخر: مصالح حزب الله السياسية في اية صيغة حكومية مقبلة. وبالتالي من المتوقع ارتفاع وتيرة اتهام الثورة في الساعات الايام القليلة المقبلة ووصفها بالمأجورة والمـتآمرة مع الخارج لان منطق اية سلطة توتاليتارية واية ثقافة حكم احادي لا تعترف بحق الاخر بالوجود او الاختلاف، فتلجأ الى ابسط وسيلة دعائية، الا وهي نعت الاخر بالخيانة وتنفيذ اجندات خارجية بأحزاب داخلية طائفية، وكأن حزب الله ليس طائفيا لا بل مذهبيا، ومدعوما من الخارج. لا بل ممثلا للخارج في المعادلة الداخلية، وكأن التيار الوطني الحر حزب لا طائفي وهي بشخص رئيسه يخوض سياسات ومعارك طائفية ومذهبية تحت شعار استعادة حقوق المسيحيين والقانون الأرثوذكسي وسواها من مواقف وطروحات.

الثورة كشفت المستور بالتسوية، وكشفت وستكشف تباعا حقائق صادمة. وكل التمني على الشعب ان يعي ابعادها ولا يقع في افخاخ تفتيته وتقسيمه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل