#adsense

إميل إده ودولة لبنان الكبير – 1

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1700

من كتاب «آل إده في التاريخ» للأب إميل إده

 

العودة الى لبنان بعد الحرب العالمية

في شهر أيلول 1918، بدت بشائر إنتصار الحلفاء تلوح في الأفق، ومعها إنتهاء الحرب. وحول هذا الحدث كتب الدكتور فيليب حتي: «بدت للناس الملهوفين في لبنان بارقة أمل جميل عندما احتل الجنرال اللنبي في شهر أيلول عام 1918 فلسطين ممهدًا السبيل لاحتلال لبنان وسوريا».

وفي 7 تشرين الأول، أنزل الأسطول الفرنسي فرقة من جنوده في بيروت. وبعد أسبوع تقريبًا وصل الى هذه المدينة على باخرة حرب فرنسية المحامي إميل إده الذي كان غادر لبنان في أواخر عام 1914 الى مصر عندما كانت السلطات العثمانية تعمل لإصدار حكم الإعدام بحقه، وقد صدر غيابيًا. وبعد وصوله الى بيروت بأيام قليلة، كلّفه الكابيتين كولاندر (Coulandre)، مساعد المفوّض السامي جورج بيكو، أن يساهم معه في التنظيم السياسي والاقتصادي والإداري لهذه البلاد التي تخلّصت من الحكم التركي الظالم، وعيّنه مستشاره الخاص.

يقول كمال الصليبي: «خلال أسابيع قليلة غدا إميل إده المستشار المحلي الأهم لكولاندر وحصل على وجاهة عظمى».

أراد كولاندر إحياء المؤسسات التي كانت موجودة في عهد المتصرفية، مع إضافة مستشارين وإداريين فرنسيين. وهكذا بقي كل المنهج الطائفي والمذهبي على حاله. لم يقبل المحامي إده هذا التنظيم، كما لاحظ أن مساعد المفوّض السامي يفتقر الى اللباقة والإحترام عند مخاطبته المسؤولين اللبنانيين، فقدم إستقالته في أوائل 1919، من باب الإحتجاج، ورجع الى مزاولة عمله في المحاماة. في هذه الأثناء حاول جورج بيكو أن يدفع له مبلغاً من المال لقاء خدمته القيّمة فرفض قبولها. فأثرت هذه البادرة النبيلة في نفس بيكو فازداد إحترامًا للأستاذ إميل إده.

وتدرّج في مكتبه بعض المحامين الذين أصبحوا رجال سياسة وعلم ومجتمع، وتكرّست الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل على طريق خدمة الوطن في إنشاء جمعية بيروت السياسية اللبنانية بالتعاون مع الشيخ بشارة الخوري والشيخ يوسف الجميل وألفرد خوري وجورج فيلب تابت. وقد طالبوا بتوسيع حدود لبنان وتحقيق إستقلاله في تقرير رفعوه الى وزارة الخارجية الفرنسية بواسطة القنصل العام جورج بيكو الذي أصبح المندوب السامي بعد الإحتلال.

إشتراك إميل أده في الوفدين الأول والثالث الى مؤتمر الصلح في فرنسا

إن الإستعداد لانعقاد مؤتمر الصلح في قصر فرساي عام 1919 جعل الصراع عنيفاً بين الذين كانوا يريدون ضم لبنان الى سوريا في مملكة يحكمها فيصل الأول، وبين الذين يهدفون الى إستقلال لبنان ضمن حدوده الطبيعية. وسوف ينتصر الحل الثاني إثر سعي حثيث لثلاثة وفود لبنانية الى مؤتمر الصلح. إشترك إميل إده في الوفدين الأول والثالث. لن نبحث في كل المراحل والمحاور واللقاءات التي تمت، بل نكتفي بالحديث عن دور الإستاذ إده في كلا الوفدين.

إن مجلس إدارة جبل لبنان القديم، الذي حلّه العثمانيون أثناء الحرب العالمية الأولى وأحياه الجنرال دي بياباب، أصدر قرارًا في 9 تشرين الأول 1918، قوامه المطالب الآتية:

1-توسيع نطاق جبل لبنان الى ما كان معروفاً به من التخوم، تاريخيًا وجغرافيًا، وما تقتضيه منافعه الاقتصادية، بحيث يكون بلادًا قادرة على تأمين الحياة للشعب اللبناني الذي يجب أن يحظى بحكومة راقية ومنظمة.

2-تأييد إستقلال لبنان بإدارة شؤونه الإدارية والقضائية بواسطة رجال من أهله.

3-يكون لهذه البلاد اللبنانية مجلس نيابي مؤلف على أساس مبدأ التمثيل النسبي حفظاً لحقوق الأقلية ويُنتخب من الشعب. ويكون لهذا المجلس حق التشريع ووضع القوانين الملائمة للبلاد كسائر المجالس النيابية في البلدان الديمقراطية.

كان النواب الذين وقّعوا هذا القرار: حبيب السعد، رئيس المجلس، والأعضاء السادة: سعدالله الحويك، شديد عقل، سليمان كنعان، داود عمّون، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، الياس الشويري، نقولا غصن، محمد الحاج محسن ونعوم باخوس. وغاب محمد صبرا الأعور ويوسف البريدي عن الإجتماع بسبب مرضهما، وكان المقعد السنّي شاغرًا بوفاة النائب حسين الحجار.

وفي 9 كانون الأول شكل المجلس وفدًا برئاسة داود عمّون وعضوية محمود بك جنبلاط، عبدالله الخوري سعاده، إميل إده، إبراهيم أبو خاطر، عبد الحليم حجار وتامر حماده. بيد أن هذا الوفد طرأ عليه بعض التحوير، إذ رفض محمود بك جنبلاط الإشتراك به، فحلّ مكانه نجيب عبد الملك، وهو من الموحّدين الدروز مثل جنبلاط. كما أن إبراهيم أبو خاطر، لسبب صحي، إعتذر عن السفر الى باريس.

هناك أسباب واضحة ومهمة سبّبت إختيار إميل إده عضوًا في الوفد الأول، وهو الوحيد الذي لم يكن عضوًا في مجلس الإدارة. من هذه الأسباب أنه من متخرّجي إحدى جامعات فرنسا حيث حاز على الدكتورا في الحقوق، ويرافع في المحاكم المختلطة. وليس للغة الفرنسية من أسرار لديه، ولم يكن هذا وضع أكثر أعضاء الوفد، إن لم نقل جميعهم. ثم إن معرفته القانونية لنظام الإمتيازات (Capitulations)، ولقانون الأجانب قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية بإمكانها المساهمة في تحديد الإطار القانوني المناسب للكيان اللبناني الجديد. كما أنه كان قبل الحرب العالمية الأولى واستمر مدة طويلة محاميًا للقنصلية الفرنسية العامة في بيروت، وقد اشترك بتأسيس فرقة المتطوعين في مصر وأصبح مستشارًا للكابيتين روبير كولاندر مساعد المفوّض السامي في التنظيم السياسي والاقتصادي والإداري الجديد للبنان، إثر دخول القوات الفرنسية والإنكليزية بيروت. كل ذلك فتح أمام إميل إده آفاقاً واسعة سهّل له علاقات مميّزة وممتازة مع عدد كبير من الشخصيات الفرنسية التي تستطيع أن تدعم مطالب الوفد اللبناني.

في 20 كانون الأول 1918 سافر أعضاء الوفد الأول من بيروت في الباخرة التجارية تشيتشاكوف، فبلغوا في اليوم التالي بور سعيد. وقد ذكر بيار إده رواية سمعها من والده حول رأي الأمير فيصل بمستقبل لبنان. قال: إلتقى والدي على ظهر الباخرة المسافرة من بيروت الى مرسيليا بالأمير فيصل بين الحسين، وكان هو أيضًا ذاهبًا الى مؤتمر الصلح باسم سوريا، فجرى التعارف بينهما. وفي سياق الحديث قال الأمير فيصل للمحامي إميل إده: «لا أدري يا أستاذ إده كيف تطالبون بدولة مستقلة عن سوريا وهي بما فيها من جبل وساحل تبقى صغيرة جدًا ولها شكل حسكة السمكة؟ ألا تعرف أن مثل هذه الحسكة يسهل إبتلاعها؟».

فأجاب إميل إده مداعبًا على الفور: «قد يكون لها شكل الحسكة، لكننا نعتبرها حسكة بالعرض لا بالطول. ولذلك هي تخنق كل من يحاول أن يبتلعها».

بعد وصول أعضاء الوفد الى بور سعيد، كان من المقرر أن يمكثوا هناك خمسة أيام ثم يتابعون سفرهم الى فرنسا. أفاد إميل إده من هذا الوقت الضائع ليبقى بعض الأيام في الإسكندرية مع زوجته وابنه ريمون وابنته أندريه التي وُلدت في الإسكندرية العام 1917.

وعندما إستعد الوفد لمتابعة السفر في 26 من الشهر نفسه، جابهتهم السلطات الإنكليزية بموانع وعراقيل، كما أعلن رئيس الوفد داود عمّون في رسالة وجّهها الى قنصل فرنسا في بور سعيد الأستاذ لافّون (Laffon).

إن الموقف البريطاني السلبي أملته إعتبارات من نوع سياسي. الوفد اللبناني المسافر الى مؤتمر فرساي للدفاع عن مطالب مجلس إدارة جبل لبنان يضع عائقاً بوجه السياسة الإنكليزية المساندة للأمير فيصل، نظرًا للوعود التي قطعتها له. وقرار المجلس يطلب مساعدة فرنسية محضة من دون أي ذكر لإنكلترا. هذا ما يعاكس جديًا مشاريع الدبلوماسيين البريطانيين في الشرق الأوسط.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل