هكذا قتل الألمان الرجل الذي وقّع على اتفاقية استسلامهم

خلال السنوات القليلة التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى، عاشت ألمانيا على وقع دوامة عنف أودت بحياة العديد من كبار المسؤولين والشخصيات البارزة بالبلاد. ففي خضم واحدة من أصعب الفترات بتاريخ ألمانيا، استغل المتعصبون اليمينيون حالة الإحباط التي عاش على وقعها الألمان فروجوا لأفكار عنصرية وقومية واتخذوا من الانهيار الاقتصادي ذريعة لقيادة المئات من عمليات الاغتيال الناجحة التي طالت مئات السياسيين والوزراء ممهدين بذلك الطريق لبداية صعود النازيين خلال النصف الثاني من العشرينيات.

ويصنَّف السياسي والوزير ماتياس أرزبيرغر (Matthias Erzberger) كأحد أهم ضحايا اليمين المتطرف بألمانيا. فعقب نهاية الحرب الكبرى، اتهم المتعصبون الأخير بالخيانة فوجهوا له رصاصات أسفرت عن مقتله وهو في الـ45 من عمره.

مع بداية مسيرته، كان ماتياس أرزبيرغر قد فضّل التخلي عن حياة التعليم بالمدرسة لينتقل نحو عالم الصحافة فعمل مع جريدة Deutsches Volksblatt الألمانية والتحق بحزب الوسط بمقاطعة فورتمبيرغ (Württemberg) ليتمكن بفضل ذلك من دخول البرلمان سنة 1903 ويبرز كأحد أهم القادة اليساريين بالحزب. ومنذ دخوله للبرلمان أثار أرزبيرغر الكثير من الجدل، فعارض سياسة المستشار برنارت فون بولو (Bernhard von Bülow) بالمستعمرات الإفريقية وساهم في حل البرلمان سنة 1906.

سنة 1914، ساند ماتياس أرزبيرغر كغيره من السياسيين الألمان دخول بلاده بالحرب العالمية الأولى لجانب إمبراطورية النمسا المجر عقب حادثة اغتيال ولي عهدها فرانز فرديناند.

طابع بريدي ألماني يحمل صورة ماتياس أرزبيرغر

وعلى الرغم من تأييده لسياسة توسع بلاده بأوروبا خلال فترة الحرب العالمية الأولى، لعب ماتياس أرزبيرغر دوراً حاسماً في مناقشات البرلمان الألماني ليوم 19 تموز 1917 التي طالبت بالتفاوض لتحقيق السلام بأوروبا والعودة لحدود ألمانيا ما قبل الحرب. كما أيد أيضا “اتفاقية برست ليتوفسك” مع الجانب الروسي والتي أنهت الحرب على الجبهة الشرقية. وطالب في نفس الفترة بضرورة ضمان حق تقرير المصير لشعوب أوروبا الشرقية، وأيّد فكرة الرئيس الأميركي وودرو ولسن بإنشاء منظمة عالمية لفض النزاعات بشكل سلمي.

صورة للرئيس الأميركي وودرو ولسن

يوم 6 تشرين الثاني 1918، وقع اختيار حكومة المستشار ماكسيمليان فون بادن (Maximilian of Baden) على أرزبيرغر لقيادة وفد السلام الألماني الذي أرسل نحو غابة كومبين بفرنسا لمناقشة شروط الهدنة، حيث اعتبر الأخير حينها الشخص الأفضل لتمثيل ألمانيا أمام الحلفاء بفضل طابعه المدني. وفي خضم المفاوضات، ذهل المبعوث الألماني من صرامة الشروط المقترحة من قبل الحلفاء، حيث رفض المارشال الفرنسي فرديناند فوش تقديم أية تنازلات. ومع فشله في إحداث تحويرات على بنودها، وقّع ماتياس أرزبيرغر على الهدنة يوم 11 تشرين الثاني 1918 بعد حصوله على موافقة كل من الجنرال بول فون هيندنبورغ والمستشار الألماني الجديد فريدريش إيبرت (Friedrich Ebert). وعقب توقيعه على الهدنة وقبوله ببنودها، نطق أرزبيرغر بكلماته الشهير “أمة من 70 مليون نسمة يمكنها أن تعاني لكنها لن تموت أبداً”.

صورة للجنرال الألماني فون هيندنبورغ

مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ساند ماتياس أرزبيرغر “اتفاقية فرساي” وشغل ما بين عامي 1919 و1920 منصب نائب المستشار ووزير المالية بحكومة المستشار غوستاف باور (Gustav Bauer)، وواجه معارضة شديدة بسبب إصلاحاته الضرائبية واتهم بالفساد المالي والإداري.

بسبب توقيعه على اتفاقية الهدنة يوم 11 تشرين الثاني 1918، وصف ماتياس أرزبيرغر بـ”الخائن” من قبل اليمينيين الألمان. ودبّر القائد السابق بالبحرية الألمانية مانفريد فريهر فون كيلينجر (Manfred Freiherr von Killinger) عملية لاغتيال ماتياس أرزبيرغر، استعان خلالها بالجنديين السابقين بالبحرية هينريش تيلسن (Heinrich Tillessen) وهنريش شولز (Heinrich Schulz). ويوم 26 آب 1921، تكفل الرجلان بتوجيه رصاصات قاتلة لماتياس أرزبيرغر أثناء تواجده بأحد المنتجعات بمنطقة “الغابة السوداء” في عطلة. ومع نجاح عملية الاغتيال، فرّ القاتلان نحو المجر ومكثا هنالك لسنوات طويلة قبل أن يعتقلا ويمثلا أمام المحاكمة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل