أحزابٌ أحرقت الثورة أوراقها

أفران مقفلة، نفط مقطوع، قضاء مسيّس، قمع حريات، انكماش اقتصادي، جميعها أسباب دفعت اللبنانيين للانتفاض، فأعلنوها ثورة 17 تشرين 2019، وأول أهدافها، اطاحة الطبقة الحاكمة الفاسدة التي أثبتت فشلها. لكن كيف تعاطت الاحزاب السياسية مع هذه الثورة؟ ما الوسائل التي استخدمتها؟ وما النتائج التي تحققت؟

هزت هذه الثورة عروش السلطة، ووضعتها في ورطة كبيرة، كيف لا وهي المرة الاولى التي يُسمع فيها أصوات شيعية معارضة في عقر دار الثنائي الشيعي. كيف لا وهذه الثورة صممت على اطاحة الحكومة التي لطالما أمّن معظم من فيها الشرعية والغطاء السياسي لحزب الله والمحور الايراني على عكس مضامين البيان الوزاري.

استخدم حزب الله سياسة الترهيب ضد الثوار الشيعة المعارضين واجبرهم على الاعتذار على كل كلمة صدرت عنهم، كما الاعتداء على ثوار الرينغ ورياض الصلح، ان كان عبر مواكب استفزازية استعراضية او من خلال الضرب، في رسالة واضحة للشعب اللبناني أنه في حال سقطت الحكومة هناك 7 أيار ثانية.

ولم يكتف بذلك، بل مارس ضغوطه السياسية لمنع سقوط الحكومة، اولا عبر الضغط على رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري والطلب منه الانتظار 72 ساعة، كما الضغط على الحزب التقدمي الاشتراكي لمنعه من الخروج من الحكومة.

بعدها أطل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وحاول تسخيف الثورة من خلال الطلب من الثوار تلبية نداء رئيس الجمهورية ميشال عون بالصعود الى بعبدا والحوار معه، وهو على يقين ألا قائد لهذه الثورة ولا ممثلين. وحاول اقناع الثوار أنهم حققوا انجازاً كبيراً بالورقة الاصلاحية، واعتمد سياسة زرع الشك في ما بينهم، باعتبار أنهم مسيّرون ويُستغلون من اطراف خارجية.

حاول تشويه صورة الخصم بهدف وقف التعاطف مع الثوار وذلك من خلال الافتراءات التي أطلقها بحقهم، من قبض خوات وضرب الناس ووصفهم بالزعران والميليشيات، أضف إلى تمويلهم من قبل السفارات. كما استخدم أوراقاً جديدة، إذ خرج بمعادلة ان سقطت الحكومة سنذهب للفوضى وخراب البلد ولوّح للمرة الأولى بالحرب الاهلية، مدعيا أنه الطرف الاقوى في لبنان، وهو لا يخاف على المقاومة بل على البلد.

اليوم، وبعد سقوط الحكومة تكرس مفهوم جديد في لبنان، وهو “لا شيء يقف أمام ارادة الشعوب”، نعم الشعب اللبناني أسقط مخطط حزب الله، فما الذي يخبئه الحزب للمرحلة المقبلة؟

في السياق نفسه، كان التيار الوطني الحر المستهدف الاكبر، باعتباره السلطة بحد ذاتها، فبدأ التيار بالتعتيم الاعلامي الكامل عن الثورة وعدم نقل اي حدث، لكنه فوجئ بأنها اصبحت الحدث الاول في لبنان والاهم في الشرق الاوسط وليست مجرد حراك احتجاجي، ما اجبره على النزول الى الشارع وتغطية الثورة خصوصا بعد السخرية التي تعرض لها اعلامه لعدم التغطية في الايام الاولى.

انتقل التيار الى مرحلة النزول الى الشارع وتزوير الحقائق، تارة عبر تصوير الثوار انهم حزبيون، وطوراً عبر الاستعانة بأشخاص للدفاع عن رئيس الجمهورية وشتم اشخاص ليسوا في السلطة. واستخدم ادواته السياسية لمنع الاعلام من تغطية الثورة، وهو الأمر الذي تماهى معه اعلام الدولة، كما موقع الوكالة الوطنية للإعلام عبر اقالة مديرته لور سليمان التي غطت الثورة بكل تفاصيلها.

ولجأ ايضا الى البروبغندا الاعلامية من خلال تصوير الثوار على أنهم ميليشيات، قاطعو طرق يقيمون الحواجز يقبضون الخوات، كل ذلك بهدف تشويه ثورة لربما هي الأشرف عبر التاريخ، لتشويه ثورة تصدرت حضارتها الصحف الأجنبية قبل العربية.

ومن البروبغندا الإعلامية المبرمجة أيضاً تسخيف أعداد الثوار، أو تحوير بوصلة الثورة المطالبة بإسقاطهم من السلطة، عبر بدعة قانون رفع السرية المصرفية. كما اعتمد أسلوب حزب الله عبر محاولة تقسيم الثوار، مرة عبر تصنيفهم حزبياً بحسب المناطق، ومرة أخرى عبر الادعاء أن هناك سفارات تحركهم، فضلاً عن البدعة المعتادة باختيار ممثلين عنهم للحوار.

هذا الفخ الذي لم ينطل على المنتفضين الذين أكدوا ألا تفاوض على حقوق شرعية، وأنهم هم متساوون وجميعهم قادة الثورة. أما السوشيل الميديا الذي كان ملجأ التيار لفبركة الأخبار، انقلب عليهم، إذ ما إن ينشر مناصرو “الوطني الحرّ” صورة أو خبراً مزيّفاً حتى تأتيهم الحقيقة بعد ثوان، فباتوا في موقع المرتبك.

أما تيار المستقبل، فوُضع في موقف لا يحسد عليه، باعتبار أن رئيسه هو رئيس الحكومة المُطالَب باستقالتها، كما أن اتهامات الفساد طاولت شريكه في السلطة التيار الوطني الحر. أضف إلى الضربة الثانية التي تعرض لها في مناطقه الثائرة، في طرابلس وعكار وسعدنايل وصيدا وغيرها.

هذه الأمور وضعت الحريري في مأزق كبير، فاعتمد سياسة التريث والمراهنة على الوقت، أعطى لنفسه مهلة 72 ساعة، بعدها أطل على الثوار بورقة إصلاحات اعتقدها حبل الخلاص. إلا أن الثوار أكملوا المسيرة غير آبهين لورقة اعتبروها خيالية، إذ حمل أحد بنودها تخفيض العجز من 7% إلى 0.6%.

أمام هذا المشهد، وبعد مرور أسبوعين على الثورة لم يبق أمام الحريري إلا ورقة واحدة يمكن استخدامها، وهي الاستقالة والانتفاضة على ضغوط التيار والحزب.

لعلّ القوات اللبنانية الحزب الوحيد الذي امتلك الرؤية السياسية بعيدة المدى، فمع دخول القوات إلى الحكومة قدم وزراؤها ورقة إصلاحات صالحة للتطبيق، محذرين من انهيار البلد. وخلال لقاء دعا اليه رئيس الجمهورية في 2 أيلول الماضي، رأى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن الحكومة وصلت الى حائط مسدود ولا بدّ من تشكيل حكومة أخصائيين مستقلين تساعد اللبنانيين على الخروج من الازمة الاقتصادية.

القوات التي طالبت باستقالة الحكومة منذ ثلاثة أشهر، لبّت نداء الثوار بعد يومين من انطلاق الثورة، واستقال وزراؤها من الحكومة. وقوة موقف القوات تأتي بعدما رفع حزب الله شعار لا لإسقاط الحكومة، والتيار وحركة أمل في الاتجاه نفسه. فأثبتت القوات اللبنانية للبنانيين أن إرادة الشعب أقوى من فيتو حزب الله، خصوصاً بعدما طالب رئيسها سمير جعجع من المحازبين والمناصرين الانضمام إلى الثوار.

وعلى الرغم من تعرض “القوات” لحملات تشويه ممنهجة، استخدم جعجع ورقته الثانية بعدم الانجرار لافتراءات وبروبغندا التيار وحزب الله، وعمل ووزراء ونواب القوات على توجيه البوصلة نحو المطالب الأساسية للثورة، وهو خيار الثوار أيضاً لتحقيق أهدافهم.

أما الاشتراكي، ترك موقفه رمادياً، وهو أول من نزل الى الشارع قبل 17 تشرين واتهم التيار الوطني الحر بقضايا فساد، لكنه عاد وغيّر موقفه، مطالباً بوقف الثورة ولم ينسحب من الحكومة، واضعاً نفسه في تصرف الحريري، بمعنى أنه في حال خرج الأول يخرج “الاشتراكي”. وعلى الرغم من ذلك، بقي مناصروه ومحازبوه في الساحات، وهو ما أكده أكثر من سياسي اشتراكي بالقول إن القلب مع الثورة لكن العقل في السياسة.

من جهته، حزب الكتائب الذي رفض التسوية الرئاسية العام 2016 مدعياً أنه لن ينتخب رئيساً من 8 آذار، عاد ووضع نفسه بتصرف الرئيس ميشال عون، وعند تشكيل اول حكومة في العهد بقي موقف “الكتائب” مبهماً إلى حين عرض عليه دخول الحكومة بوزير دولة، ومنذ تلك اللحظة رفض الأمر، وانتقل للمعارضة العلنية.

وفي أيامها الأولى، نزل رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل إلى شارع الثورة، بعدما تعرّض ثوار جل الديب للقمع، وتربّع على الأرض رافضاً المساس بأحد، أو حتى خروجهم من ساحة معركتهم، مع محازبيه ومناصريه.

اليوم، وبعد تحقيق الثورة هدفها الأول، كيف سيخرج التيار وحزب الله من أزمتهما؟ وبأي اسلوب سيواجهان الشارع؟ وماذا عن الحريري المأزوم؟ وهل يكتب الشعب اللبناني التاريخ بالثورة واطاحة سلطة حكمته منذ اتفاق الطائف؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل