وفي ليلة 12 تشرين ارتفع علاء شهيدا وسقطت الدولة

ليل السابع والعشرين وكأنها ريح مجنونة عصفت بالأرض. جُنت الساحات بغضبها وتحوّلت طرقات لبنان الى شعلة صراخ وسخط لا يقارب. كانت الساحات تتهيأ كما عادتها منذ ستة وعشرين يوما، تاريخ اندلاع الثورة، تتحضّر لنشاطاتها المعتادة، بعدما كان قرار عدم اللجوء الى قطع الطرقات اتُخذ منذ ايام، ولجأ الثوار الى الاعتصامات الحاشدة امام المقرات والمؤسسات العامة العائدة للدولة نهارا والبقاء في الساحات المعتادة ليلا.

واذ، في ليلة 12 تشرين الثاني، تستكين الساحات كافة، وتتوقف قرقعة الطناجر التي تتردد كل ليلة اصداؤها في احياء بيروت كافة، منادية برحيل الطبقة السياسية الفاسدة. جلس الثوار واللبنانيون عموما في سكونهم الموقّت للاستماع الى مقابلة رئيس البلاد، والامل كل الامل كان عندهم انه سيعلن موعد الاستشارات الحكومية الملزمة، وسيقول لأبنائه ما كانوا يريدون ان يسمعوه منذ لحظة اندلاع الثورة “سيكون لكم حكومة مستقلة بأسرع اسرع وقت تلبي طموحات الشباب وتنشل لبنان من مأزقه الكبير فاطمئنوا يا ابنائي سنبني البلد معا من جديد”.

لكن كل ذلك لم يحصل، سمعوا من رئيسهم ما هو مناقض تماما تماما لطموحاتهم، قال لهم الا حكومة مستقلة وسأل من يمثل ثورتهم، وقال لهم في ما قاله وعلنا بان من ليس لديه أوادم بالدولة فليهاجر، وعاد وارسل لاحقا بيانا توضيحيا عما قاله، لكن كان الاوان فات.

بدا الرئيس وكأنه منفصل تماما عن مطالب شعبه… عفوا، شعبه؟ ما عادت تجوز الكلمة، اذ بدا الشعب شعبا لحاله مجردا من اي مسؤول يدّعي انه مسؤول عنه، شعب وحيد يصرخ في بريّة وطن متروك ايضا لحاله، مجرّد من اي مسؤول مسؤول حنون يخاف عليه ويعلن له الحب والولاء والانتماء المطلق. صار الشعب، كما الوطن، وحيدا يصرخ في واد سحيق والمسؤول عن الشعب بدا وكأنه في غير وطن لغير شعب.

صار لبنان على الطريق. بدقائق، بدقائق بدت وكأنها دهر، اقفل الثوار الطرقات في طول البلاد وعرضها، اقفلوها بوجه الخطاب بوجه النكران المخيف لهم، وليس بوجه اللبنانيين في ما بينهم. اقفل الثوار آذانهم عن اصوات الدولة، او لنقل نعيقها عندما تلمسوا بما لا يقبل الشك والجدل، ان الدولة رهينة الدويلة تنفذ غير اجندة، تستمع الى صوت من يأمر وينهي لأنه يملك السلاح وفائض القوة، شاهد اللبنانيون عموما والثوار تحديدا في تلك الليلة المروعة، انهيار واستسلام الدولة امامهم على الشاشة مباشرة، الدولة التي اعلنت عليهم الصدّ والنكران المطلق.

واذ وفي فورة الغضب، وليزيد اللهيب لهبا، وصل الخبر المؤسف المروّع، استشهاد ثائر في خلدة، علاء ابو الخير على مرأى ومسمع ابنه وزوجته. يا الهي اي قدر هذا؟ اي ليل سيعبر بلبنان، اي نهار سيطلع عليه؟! قتلوا الشاب على قارعة الطريق وصارت طريق خلدة مزارا للثوار، ومقبرة لسلطة متنكرة، غارقة في ضياعها واستسلامها المطلق لسطوة السلاح، للفاسدين المتربصين بكراسيها وكراسيها صارت نبع الدماء والغضب، وكرا لكل ما هو ملطّخ بالذل والعار.

سقطت الدولة ليل 12 ـ 13 تشرين الثاني وكان سقوطها مدويا، بينما ارتفع شهيد على هامات الكرامة وصوت الثوار الاحرار في ساحات وطن منهوب منكوب مسلوب محتل.

من يرى المشهد تلك الليلة الموصولة بصباحها، من المفروض ان يخاف، اذ لم نشهد يوما على غضب شعبي مماثل “خدوني اقتلوني اعتقلوني عملوا في شو ما بدكن، بس انتو مجرمين فاسدين حرقتوا لبنان وتفضلوا اعتقلونا كلنا هيدا شرف النا”، صرخت الصبية هناك عند جسر الرينغ. “حرام عليكن تعملوا فينا هيك، وحياة ربنا وحياة مار شربل ارحموا لبنان وخلينا نعمّر بلدنا وتكون دم الشهيد علاء درس الكن والنا”، صرخ شربل من ثوار جل الديب.

لم يستمع احد لاي صرخة، اكتفوا ببيان توضيح اشعل البلاد في نارها اكثر مما هي مشتعلة، وذهب الثوار الى ثورتهم يكملون الطريق، يضيئون الشموع للشهيد، ويصرخون في ساحات الوطن المنهوب “نحنا الك يا بلادنا والحرية جاي جايي”…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل