Site icon Lebanese Forces Official Website

جدي ولبنان الكبير

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1700

جدي ولبنان الكبير

الأرض والإنسان والوطن

 

في أحد أيام ربيع العام 1912، كان يوسف الأخ الأكبر لجدي لوالدي، يضرب المعول في الأرض، في الجلّ الذي يعلو المنزل في ضيعتي المرادية في فتوح كسروان، وكان جدي الذي لم يتجاوز التاسعة ينظر إليه معجباً بعضلاته المفتولة وقامته المديدة.

وفجأة، وبعد ضربات عنيفة عدة في الأرض، رمى المعول من يده ووقف مسمِّرا عينيه على المعول وخاطبه بعبارة واحدة: «تحرم عليّي بعد اليوم مدّ إيدي عليك». أخذ بيد جدي ودخلا إلى البيت. جلس وأجلس جدي في حضنه وقال له: «أنا رايح ع أميركا. أنت بعدك زغير، بتضلّك مع عمّي أنطون ومرت عمّي وبتنتبه ع حالك، وبصير إبعتلكن مصاري من هونيك».

وكانت والدة جدي سبقت ابنها يوسف إلى أميركا، بعدما أحبطها موت زوجها وابن آخر، إذ سقط الأخير في بئر، فصرخت النسوة لوالده الذي هرع وأعطى زوجته وامرأتين أخريين طرف حبل وأمسك بالطرف الآخر ونزل إلى البئر حيث انتشل ولده من الماء، وراحت النسوة ترفعنه ببطء، لكن قوة ساعديه خانته بعد حين فسقط هو وابنه في البئر وقضيا غرقاً.

أحبطت هذه المأساة الزوجة والوالدة، علمًا أن ولدًا آخر مات بالسلّ وثالثا بسقوط شجرة عليه لدى مروره صدفة عندما كان يقطعها أحد الجيران تمهيدًا لتفحيمها في المشحرة.

وكانت الوالدة تتمتع بشخصية قوية ساعدتها على تحمل الآلام، فحسمت أمرها مع نسيبها وزوجته للمغادرة إلى أميركا، وكان لها ما أرادت واعدة ولديها بالعودة بعد تجميع «شوية مصاري».

غادر يوسف «بالبحر»، وبعد رحلة مضنية وصل إلى نيويورك، ومنها إلى إحدى ضواحي مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس، حيث أقامت والدته. ولم يتأخر في العمل بكد وجد، حتى بدأ يجمع مع والدته بعض المال ويرسله دورياً إلى عمه وجدي.

ولذلك لم يعرف جدي الجوع في الحرب العالمية الأولى، وكان يصلهما الشيك بالبريد فينزلان إلى بيروت ليقبضا قيمته نقدًا على رغم المخاطر وانتشار اللصوص. وكم من المرات ساعدا الأقارب والجيران وتقاسما معهم الرغيف.

واستمر يوسف يرسل مبلغاً من المال لجدي شهريًا حتى وفاة الأول، وحين عرف جدي بوفاته خنقته العبرات، فهو لم يكن يسعد بالمال، إذ كان ميسورًا نسبيًا، بقدر ما كان يسعد بأن أخاه في الغربة يتذكره دائمًا ووفى بوعده حتى مماته.

حينها قال لنا وهو يبتسم ويبكي في آن واحد: لقد مات أخي، وبالطبع لن ترسل لي زوجته بعد اليوم أي قرش، فهي «من أوّلتها بخيلة» كأهلها الذين ينتمون إلى بلدة فتوحية أخرى.

كثيرًا ما أخبرني جدي أن أبناء الجبل كانوا «على قد الحال»، وكانوا كثيرًا ما يعانون ضيق ذات اليد، الأمر الذي دفع بالبعض إلى الهجرة، لا سيما مع تزايد السكان في موازاة قلة الموارد وصعوبة إستثمار الأراضي الجبلية وقلة المراعي، على الرغم من تمتع جبل لبنان بالإستقرار الأمني في ظل المتصرفية.

وقد جاءت الحرب الكبرى، كما سمّوها آنذاك، بما رافقها من حصار وويلات أخصّها موجات الجراد، لتكشف هشاشة الأوضاع المعيشية للبنانيين، وكان ما كان من موت وهجرة وتشرّد وجوع.

وكم من الشبّان تركوا جبل لبنان، وعدد منهم من قريتي والجوار، فقصدوا البقاع أو عكار أو الشام بحثا عن المأكل والعمل للإسترزاق، وقد عاد البعض منهم بعد سنوات عدة وأحياناً بضعة عشر عامًا، فلم يعرفهم أحياناً حتى أقاربهم إلا بعد أخذ ورد طويلين. أما البعض الآخر فذهب ولم يعد.

آنذاك، كانت الكنيسة والرهبانيات هي الملجأ لكثيرين، وقيل الكثير حول رهن الأملاك الكنسية لمساعدة الجوعى، وقد رفض البطريرك الياس الحويك أن يرهن أملاكاً بطريركية لفرنسا، فيما وافق على ذلك الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية آنذاك الأباتي اغناطيوس داغر.

على أن المجاعة حفرت عميقاً لدى البطريرك الحويك ونخبة من أهل الكنيسة والفكر والسياسة من اللبنانيين، فكان القرار باستعادة حدود لبنان التاريخية والإصرار على لبنان الكبير، من دون التوقف عند تزايد أعداد أبناء الطوائف الإسلامية نسبيًا، لأن الهمّ الأساسي كان توفير أسباب العيش الكريم ومنع تكرار مأساة الجوع نظرًا لقلة الموارد الزراعية في لبنان الصغير.

وردًا على مقولة أن الحدود التاريخية للبنان الكبير هي مجرد شعار لتبرير ضم جبل عامل والبقاع وعكار وطرابلس، فإن الكثير من الدراسات والأبحاث التاريخية أكدت على هذا واقع الحدود التاريخية في مراحل عدة، فحتى فينيقيا أو الكونفدرالية الفينيقية الكنعانية إنتمت عمليًا وتماهت مع لبنان.

فمن النادر أو ربما لا يوجد بلد آخر في العالم ينتمي شعبه بالتسمية إلى الأرض، بدلاً من تنسيب الأرض إلى أهلها. فاسم لبنان موجود منذ بدايات التاريخ المكتوب، وقد ذكره الكتاب المقدس مرارًا، وامتد بحدوده كمقاطعة إدارية أحياناً إلى ما بعد حدوده الحالية لا سيما شمالاً. وحدود فينيقيا كانت جنوبًا هي تقريبًا الحدود الحالية للبنان، وهذا معنى زيارة السيد المسيح أرض كنعان أي فينيقيا ولا سيما مدينتي صور وصيدا حيث التقته المرأة الكنعانية وشفى ابنتها من الروح النجس. وبحسب الإنجيل فإن المرأة كانت أممية وثنية أي من غير اليهود وسكان الجليل، بل وصفها الإنجيل بحسب مرقس في الفصل السابع بالفينيقية السورية.

وقد أسمى الإغريق والرومان السلسلة الشرقية باسم Anti-libanus تأكيدًا على أنها الجزء الشرقي من لبنان، إذ سُمّيت السلسلة الغربية Libanus، علمًا أن بعض العملة المصكوكة في تينك العهدين كانت تلحظ وجود مدن ضمن لبنان بما فيها اللاذقية التي كانت تعرف ب Laodicea.

لقد شكل لبنان الكبير رهاناً خطيرًا على أهمية إعادة ربط الإنسان بالأرض وتصحيح ما خلّفته عهود من الإحتلال والإستعمار، ولو أن بعض المسيحيين اليوم، وبمنطق اليوم، يطرحون بعض الأسئلة حول عدم الإكتفاء بلبنان المتصرفية.

وفي هذا الإطار، تحضرني حادثة طريفة. فخلال الحرب طلب الدكتور جورج سعادة، وكان أحد نواب حزب الكتائب أن يرافقه الزميل الراحل يوسف الحويك، وكان قريبًا منه وابن منطقته البترون، في زيارة الرئيس كميل شمعون في أحد أيام الصيف مستغلّين هدوء القصف، فقصدا منزل الرئيس شمعون في الأشرفية، ولدى وصولهما تفرّس الرئيس كميل شمعون بيوسف وسأل سعاده: مين هالشب اللي معك، فأجابه: يوسف الحويك. فعبس قليلاً مع طرف ابتسامة وقال له: يا يوسف شو بيقربك البطرك الحويك، فأجاب: كان قريبًا لجدي، فأردف شمعون: قرابتك الله يسامحو ضل يمغّط بلبنان حتى صار فينا هيك.

وفي الواقع لم يكن كميل شمعون مرة مع تقسيم لبنان أو مع عودة لبنان الصغير، بل كان مع صيغة تحمي التنوّع ضمن الوحدة، وهو الذي لُقِّب في مطلع شبابه السياسي بفتى العروبة الأغرّ، وترأس كتلة نيابية مختلطة عمادها حزب الوطنيين الأحرار، واحتفظ، وعلى الرغم من الحرب بعلاقات طيبة وراسخة مع العديد من الشخصيات الإسلامية ومن أبرزها رفيقاه من رجال الإستقلال عادل عسيران ومجيد إرسلان.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version