
لفت رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام إلى أن “السنوات الثلاث التي مرت من العهد، حتى الآن، لم تشجّعه بتاتاً على العودة الى رئاسة الحكومة مجدداً”، معتبراً أنّ هذه الفترة “كانت حافلة بالمخالفات الدستورية والفوقية والمكابرة والسعي الى الاستئثار بالسلطة من قبل فريق العهد الذي يتصرف على أساس أنّ لديه غطاء من حليفه الداخلي الأقوى، يخوّله أن يفعل ما يشاء”.
وأبدى سلام، في حديث لـ”الجمهورية”، أسفه لغياب اي مؤشرات يمكن أن توحي انّ هذا السلوك سيتغير خلال السنوات الثلاث المقبلة، على الرغم من الانتفاضة الشعبية التي حدثت، “ولذلك موقفي محسوم ولا تراجع عن رفضي ترؤس الحكومة”.
وأضاف، “ما يثبت صحة استنتاجي وقراري أنّ وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، وبعد كل ما حصل على الارض منذ 17 تشرين الاول، أراد عند طرح اسم الوزير محمد الصفدي ان يعيّن هو موعد الاستشارات ويعلن اسم الرئيس المكلف وطبيعة الحكومة المقبلة، ولم يكن ينقص سوى ان يضع البيان الوزاري، مصادراً صلاحيات الرئاسات والمؤسسات، ما يدفع الى التساؤل عن سر هذا الجشع والإنكار للواقع الجديد الذي طرأ عقب ثورة الناس؟”.
وأكد سلام أنه “لا يستطيع أن يتعاون مع العهد الحالي وفريقه”، قائلاً: “بالكاد استطعت اثناء وجودي في رئاسة الحكومة ان أضبط باسيل، علماً انّ عمه العماد ميشال عون لم يكن رئيساً للجمهورية آنذاك، فكيف الحال وعون هو الرئيس؟”.
واستعاد سلام بعض مراحل تجربته في السراي الكبير أثناء فترة الفراغ الرئاسي، لافتاً الى أنّ “باسيل حاول في تلك المرحلة أن يُنصّب نفسه رئيساً ضمنياً للجمهورية وراح يتصرف على هذا الاساس، لكنني تصديت له”، معتبراً أن نهج “التيار الحر” في الحكم يقوم على العرقلة والتعطيل، “وجبران ما شايف حدا”.
وأوضح انّ رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري اقترح عليه تولّي رئاسة الحكومة، “إلا انني لم أوافق للاعتبارات التي شرحتها”، راوياً انه “عندما زار الخليلان بيت الوسط أصرّا على تسمية الحريري، فلما بقي متمسّكاً بالرفض، جرى تداول الاحتمالات الاخرى، وأبدى الثنائي الشيعي تأييداً لاسمي، لكنّ الحريري أبلغ اليهما أنه عرض الأمر علي ولم أقبل”.
ورأى سلام أنّ التأليف قبل التكليف، كما يجري حالياً، هو هرطقة دستورية، مشدداً على “ضرورة إجراء الاستشارات النيابية الملزمة فوراً، ومن دون أي تأخير، فإذا تعذّر حصول اسم واحد على الاكثرية المطلوبة لتكليفه، تُعاد الاستشارات مرة أخرى، هذه هي الآلية الدستورية ويجب احترامها”.
وسأل، “لماذا يحق لرئيس الجمهورية أن يأخذ وقته في الأخذ والردّ حتى يضمن انّ الرئيس المكلّف وشكل الحكومة سيكونان على ذوقه، بينما ممنوع على الرئيس المكلف ان يأخذ بعض الوقت لوضع التشكيلة الحكومية؟”.
وأعرب سلام عن اعتقاده انّ هناك رهاناً لدى الفريق الحاكم على انّ الحراك سيضعف شيئاً فشيئاً، وبالتالي سيتراجع دوره وتأثيره مع مرور الايام، بحيث يمكن ان يُفرض عليه لاحقاً الحل الذي يجده البعض مناسباً، داعياً السلطة الى الكَف عن أي رهان من هذا النوع، واتخاذ إجراءات جدية لمحاولة كسب ثقة الناس فيها، بمعزل عما سيؤول إليه الحراك.
وأكد انّ البيان الصادر عن رؤساء الحكومات السابقين لم يكن موجهاً ضد الصفدي، بل كان يهدف في الدرجة الاولى الى دعم الحريري في المفاوضات وتأكيد التمسّك به في مواجهة تفرّد جبران باسيل”، مُستغرباً كيف أنّ وزير الخارجية لم يعترف بعد بأخطائه ولم يلتقط رسالة المنتفضين الذين صَبّوا جام غضبهم عليه، “وإنما لا يزال يكابر ويناور”.
وأضاف، “عندما اجتمعنا كرؤساء حكومات سابقين بالحريري، لم نتخذ في حينه موقفاً نهائياً من مسألة طرح اسم الصفدي، بل اتفقنا على ان نتابع النقاش، لكن الوضع تغيّر الآن مع قرار الصفدي بالانسحاب”.
وأكد انّ الحريري يبقى بالنسبة اليه الخيار الافضل، “وأنا لن أتركه وسأقف الى جانبه باستمرار، لأنّ علاقة وثيقة وقديمة تربطني به، وأقدّر كثيراً انه اقترح علي أن أترأس الحكومة المقبلة، بمعزل عن عدم تجاوبي”.
ودعا سلام “المكابرين الى التواضع والتوقف عن سياسة الإنكار التي أوصلتنا الى هنا”، محذّراً من انّ “عدم الاتّعاظ بدروس انتفاضة 17 تشرين الاول سيتسبب في تفاقم المأزق وتدحرج الامور نحو الأسوأ”.
وشدّد على “وجوب تأمين الشروط الضرورية لاستقلالية القضاء، والتي من دونها لا يمكن أن نربح المعركة ضد الفساد”، داعياً الى الكف عن التدخل في القضاء والتأثير في وجهته، “وما فَعلته القاضية غادة عون مع الرئيس نجيب ميقاتي هو أكبر مثال على الاستنسابية في فتح الملفات”.