

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1700
الصحافة المكتوبة في خبر كان
أسماء صارت مانشيت في الذاكرة والزمن (1)
هي ليست بأزمة محلية فالصحافة المكتوبة في العالم دخلت عصر الإضمحلال لمصلحة الصحافة الإلكترونية… إلى هنا كلنا متفقون. لكن الدخول في قراءة الأسباب التي تؤدي إلى إقفال «إمبراطوريات» إعلامية خاضت كل مراحل الحرب اللبنانية وما قبلها من أزمات، ومن يقرأ في عيون الصحافيين الذين باتوا بين ليلة وضحاها في عداد قوافل العاطلين من العمل بعدما كتبوا بالحبر والدم كلمات ليست كالكلمات… كل هذا يحتم السؤال عن مصير الصحافة التي لازمت قيام دولة لبنان الكبير. فهل يكون شح المال السياسي وانحسار وهج السوق الإعلانية وراء إسدال الستارة على إمبراطوريات كتبت بالحبر الأحمر سطور تاريخ لبنان الحديث؟ أم أن الأسباب تتوقف على تسونامي الإعلام الإلكتروني؟ ما هي المسؤولية التي تتحملها وزارة الإعلام الملغاة لجهة دعم الإعلام الورقي والحفاظ على ما أمكن من ذاكرة وطن وشعب؟ وأين الدور الذي تلعبه نقابتا الصحافة والمحررين لضمان حقوق الإعلاميين الذين احترفوا تأريخ الأحداث ليصبحوا بين ليلة وضحاها الحدث على عمود مانشيت أسود.
أيًا تكن الأسباب النهايات كُتبت وأُسدلت الستارة على «إمبراطوريات» إعلامية لتصبح في خبر كان.
هي واحدة من فصول نهاية عصر الصحافة الورقية في العالم كما في لبنان. البداية كانت مع دار «ألف ليلة وليلة» وصحيفة «البيرق» التي أسدلت بيارقهاعام 2011، بعد حوالى 100 عام على صدورها، فكان هذا المؤشر بمثابة إعلان لانكشاف أزمة الصحافة الورقية وخروجها إلى العلن، لتكر السبحة وتتدحرج حجارة الأمبراطوريات الإعلامية التي تحمل في منها إرثاً ثقافياً وفكرياً كبيراً، ساهم بشكل أو آخر في تربعها على عرش الصحافة اللبنانية.
من «السفير» إلى «البلد» إلى «الاتحاد»، إلى «الحياة» وأخيراً وليس آخراً إقفال «دار الصياد» التي كانت تصدر عنها عشرات المطبوعات، وعلى رأسها صحيفة «الأنوار». إمبراطوريات تهاوت بعدما كانت شاهدة على كلّ المحطات المفصلية في مسيرة الحياة الثقافية والسياسية اللبنانية وتطورها، وضمّت صفحاتها طيلة أعوام صدورها مجموعة واسعة من أبرز الأقلام الأدبية والفكرية العربية المعاصرة، إلى جانب صحافيين لمعت أسماؤهم في لبنان والعالم العربي. وهذا ما يؤكد على حجم تفاقم المعاناة التي أصابت الصحافة الورقية اللبنانية في صميمها.
يصعب إختزال أزمة الصحافة الورقية في لبنان بعامل واحد وردها إلى عوامل آنية واضحة المعالم، فالمشاكل متجذرة وقد تشابكت فيها الظروف والتقت مع مجموعة من الأسباب والحيثيات التي أوصلت ما يعرف بالسلطة الرابعة إلى ما هي عليه اليوم.
البداية السوداء تظهّرت مع موجة إغتيالات انطلقت عام 2005، وطالت الصحافي والمفكر والكاتب في صحيفة «النهار» سمير قصير، ثم رئيس مجلس إدارتها جبران تويني، وصولا إلى محاولة إغتيال الوزيرة مي شدياق. وفي الشق المادي بدأت ملامح إنحسار المال السياسي عن المنطقة ككل عقب إندلاع ثورات الربيع العربي، وصولاً إلى تراجع الإعلانات في الصحافة الورقية، واحتدام المنافسة الشرسة مع الصحافة الإلكترونية، ودور التكنولوجيا الحديثة في ثورة الإتصالات. هذه العوامل وغيرها كان لها أثر رئيسي في إضعاف الإقبال على الصحافة الورقية في لبنان، وزيادة الأعباء المالية المترتبة عليها، خصوصاً أن الإعتماد بشكل أساسي على المال السياسي الذي كان يتدفق من دون حساب، عدا عن تبعاته على السياسة التحريرية، جعل الصحف اللبنانية تبدو وكأنها تُركت في مواجهة مصيرها المجهول. كما أجّج إنحسار المال الصراعات الإدارية الداخلية، فتبعتها إستقالات من هنا وحالات طردٍ من هناك، فضلاً عن هجرة معظم الكتّاب المرموقين من الصحف اللبنانية وتوجههم إلى العمل في وسائل إعلام عربية وأجنبية، مقابل مردود مالي أعلى. يبقى عامل أساسي أخير وهو يرتبط بمعايير لها علاقة بالأجيال التي أبدت عدم أهليتها في الحفاظ على تقاليد هذه الصحافة والمضي قدماً بميراثها.
في الأرقام لا يوجد إحصاء رسمي عن عدد الصحافيين الذين تم صرفهم من مؤسساتهم إما بطريقة تعسفية أو بسبب إقفال مؤسساتهم من دون الحصول على كافة مستحقاتهم المالية إلا أن أيًا من هؤلاء لم يلق التفاتة من سياسي باستثناء الكلام المعسول والإشادة بدور الإعلام، فيما أهله على قارعة الطريق. لكن ماذا عن دور نقابتي المحررين والصحافة؟
المسؤولية يتحملها الجميع من دون إستثناء سواء من قبل العاملين أنفسهم أو النقابات أو الظروف المسماة «صعبة جدا». وفي العودة إلى تاريخ تأسيس نقابتي المحررين والصحافة فقد تم إنشاؤهما بقانون عام 1962 على عكس النقابات الأخرى التي تألفت بموجب علم وخبر فقط. نقيب المحررين جوزف القصيفي الذي يتابع من موقعه النقابي والصحافي وضع الصحافيين الذين باتوا عاطلين من العمل بعد إقفال مؤسساتهم قال: «منذ تسلمي مهام النقابة وأنا أتابع عن كثب مراجعات كل الزملاء الصحافيين الذين إمتشقوا القلم سلاحًا، وبه شقوا الطريق إلى الحرية والتحرر، واستشهدوا من أجل الكلمة». ولفت إلى الإهمال الرسمي لقطاع الصحافة والإعلام، واللامبالاة حيال تشرد المئات من الزميلات والزملاء الذين باتوا عاطلين من العمل جراء إقفال المؤسسات التي كانوا فيها يعملون بذريعة الأزمة الإقتصادية والمالية وشح الموارد، علما أن معظمها أقفل لأسباب مغايرة لتلك التي أعلنت. وسأل: «أين أصبحت القوانين الموعودة الناظمة للصحافة والإعلام، بعدما تقدم الزمن على القوانين الحالية، وباتت قاصرة عن الإحاطة بالتطور الهائل الذي طاول المهنة. إن صحافة لبنان وإعلامه كانا رمز حريته وديموقراطيته، وتطوره، وعلامة إزدهاره، وشكلا البيئة الجاذبة لمفكري العرب ومثقفيهم، ورجال أعمالهم، ومعها تحولت بيروت إلى مدينة «كوزموبوليتية» جعلت من وطننا منارة الشرق ومحجته، ومن العار أن يتخلى المسؤولون عن هذا القطاع في أيام محنته».
لا يخفي القصيفي الإجحاف اللاحق بعدد كبير من الصحافيين الذين صرفوا من مؤسساتهم الإعلامية بعد إقفالها ويوضح: «هناك عدد كبير من هؤلاء الصحافيين الذين لم يحصلوا على حقوقهم وهناك من قام بمقاضاة الصحف أمام محكمة العمل بسبب عدم حصوله على حقه الطبيعي من التعويض وكانت النقابة إلى جانبهم دائما بدءا من الزملاء في جريدة «النهار» الذين وقفنا إلى جانبهم وساندناهم في مواقفهم العادلة عندما صُرفوا من أعمالهم ووضعنا محامي النقابة بتصرفهم بالمشورة والمعونة القانونية وشاركنا في أكثر من إجتماع ونظمنا أكثر من لقاء بينهم وبين الإتحاد الدولي للصحافيين الذين أعلنوا تأييدهم له».
ويضيف: «عندما حصلت أزمة جريدة «البلد» وقفنا إلى جانب الصحافيين الذين تم صرفهم وتعاونا مع الإتحاد العمالي العام ولا تزال القضية عالقة لأن القيمين على المؤسسة غائبون عن النظر والسمع. أما بالنسبة إلى الزملاء في جريدة «السفير» فقد تجاوبت إدارة الصحيفة مع الحل الذي طرحناه بعد سلسلة إجتماعات ثنائية عقدت فيما بيننا، ونال الزملاء حقوقهم».
ثمة بعض التحركات التي أثمرت نتائج لصالح الصحافيين الذين وجدوا أنفسهم عاطلين من العمل وحتى الحرية، لكن المسألة تتوقف بحسب النقيب القصيفي على رئيس مجلس إدارة المؤسسة الإعلامية. وهذا ما يفسر الأزمة التي لا تزال عالقة بين إدارة مؤسسة «دار الصياد» والصحافيين الذين تم صرفهم من إمبراطورية سعيد فريحة. وفي هذا المجال يوضح القصيفي: «بعد إقفال «دار الصياد» لجأ إلينا الزملاء للمطالبة بحقهم في التعويض الطبيعي لمسيرتهم المهنية. وقد وقفنا بقوة إلى جانبهم وتعرضت شخصيا لضغوطات كبيرة بهدف منعي من تنظيم لقاء في دار النقابة لكنني واجهتها وأعضاء المجلس بشكل حاسم ووقفنا معهم ولا نزال لهم بالمرصاد».
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
