الثورة تخنق خيارات السلطة وطهران

 

يوما بعد يوم تثبت الثورة انها نجحت في قلب المعادلات بالحياة السياسية والوطنية رأسا على عقب، واطاحت بكافة الحسابات والمكتسبات التي لطالما عملت عليها قوى السلطة لا سيما حزب الله، الماسك الحقيقي بمفاصل الدولة والقرار السيادي.

وما كان مستبعدا بالأمس أصبح ممكنا اليوم، وأهم ما أصبح ممكنا، عدم العودة الى التركيبة المصلحية التي قامت عليها “لويا جيرغا” التسوية الرئاسية، والتكاذب على أنفسهم وعلى الشعب، في ظل معادلة وجد كل طرف من اطرافه مكاسب له “تغطية الفساد مقابل تغطية السلاح”.

الا ان الازمة اللبنانية حاليا وبعد نجاحات الثورة من جهة وخطأ السلطة المميت المتمثل بمماطلاتها في تشكيل حكومة جديدة تستجيب لمتطلبات الثورة، وتأخرها في معالجة تداعيات الثورة ومسبباتها، دخلت منعطفاً جديداً من خلال التدخل الدولي والاقليمي التي برزت مؤشراته في الازمة اللبنانية.

اولا: هناك محوران دوليان واقليميان يرتسمان حاليا حيال الازمة: محور اميركي اوروبي خليجي يدعم الشعب اللبناني ومطالبه، ومحور روسي ايراني سوري يعمل على اطاحة الثورة، وفريق السلطة اللبنانية من ضمن الفريق الثاني.

ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري بوضعه شرط حكومة تكنوقراط للعودة الى الحكم، انما يقرأ بوضوح ليس فقط معطيات صراع المحاور، بل ايضا معطيات ما يمكن ان تكون عليه الاوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان ان تشكلت حكومة لا ترضي الشعب اولا والدول المانحة والذين هم في اكثريتهم الساحقة دول الغرب الداعم للشعب ومطالبه.

ثانيا: من هنا كان اجتماع باريس الأخير، الفرنسي الاميركي البريطاني، وما يحكى عن الاعداد لاجتماع دولي جديد لدعم لبنان، وارسال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لمبعوث جديد الى بيروت، حيث المشهد من باريس يرتكز على ثلاثة عناوين:

أ – الضرورة القصوى لتشكيل حكومة ذات مصداقية وفعالية تنقذ بإصلاحات عاجلة الوضع الاقتصادي وتتلقى استثمارات “سيدر”، فواشنطن تشترط حكومة من غير حزب الله للاعتراف بها ومساعدتها، فيما باريس اقل اشتراطا، اذ تترك للبنانيين حرية تشكيل اية حكومة يتوافقون عليها برئاسة الحريري او اي شخص يسميه الاخير.

ب – استقرار الوضع اللبناني مصلحة دولية وإقليمية، ومن هنا محاولات باريس اقناع موسكو التي لا تزال تصطف الى جانب المحور الإيراني، في دعم مصالح إيران في لبنان من خلال حكومة سياسية، او في أحسن الاحوال حكومة تكنو ـ سياسية. فباريس تحاول التوصل الى حل وسط بين موسكو وواشنطن بتشكيل حكومة تكنو ـ سياسية من جهة واستمرار واشنطن بفرض عقوباتها على حزب الله. الا ان الصقور في الادارة الاميركية لم يعودوا ليقبلوا بالتمييز بين لبنان الدولة وحزب الله، ويرون في الثورة الشعبية دليل على عدم احتمال الوضع اللبناني بعد اليوم تقديم مصلحة الحزب وإيران على مصالح الشعب اللبناني، وهذا ما يفسر بيان الخارجية الاميركية بوقوفها بفخر الى جانب ثورة الشعب اللبناني.

ثالثا: من الواضح والجلي ان المقلب الاخر للمأزق اللبناني الحالي بين السلطة والشعب، هو دخول صراع المحاور على الخط، بسبب خطأ السلطة المميت في التجاوب منذ الاسبوع الاول للثورة لمطالب الشعب واعتماد المماطلة والتسويف والاهمال واللامبالاة ازاء صراخ الشارع المتألم من وطأة الجوع والحرمان، مما اتاح الباب امام مداخلات وتدخلات خارجية ترفضها الثورة رفضا باتا ولا علاقة لها بها.

وما اتهام قوى السلطة الثوار بالتبعية للخارج وللأميركيين خصوصاً الا دليلا واضحا على انسداد افق انقاذ مصالح طهران والحزب في لبنان والخطر الذي يتهدد مكاسبهما في لبنان بعدما بات لبنان الموطىء الحصري والقوي شبه الوحيد للمشروع الايراني في المنطقة، خصوصا، بعد خسارة طهران ورقة اليمن بفعل سقوط مشروع سيطرة الحوثيين على اليمن والعراق بفعل انتفاضة الشعب العراقي (الشيعي تحديدا) ضد النظام الموالي لطهران، وسوريا بفعل مصادرة موسكو القرار السوري الاستراتيجي. فدخول إيران القوي على خط الازمة، منذ اليوم الذي تدخل فيه المرشد الإيراني علي الخامنئي بتغريدته الشهيرة، اعطى قوى السلطة امر عمليات تخوين الثورة لمحاولة اخمادها، ان لم يكن بالحيل السياسية، فبالقوة.

رابعا: خيارات طهران وفريق السلطة تضيق يوما بعد يوم في مواجهة انقلاب المشهد في لبنان. فبين حد التمسك بالتسوية الرئاسية المترنحة حاليا تحت ضربات الشارع وفقدان الانسجام بين اركانها الاساسيين لا سيما الرؤوساء عون والحريري وبري وحزب الله، تبقى حاجة الحزب الى غطاء سني يوافق عليه الحريري حفاظا على مكاسبه، وحد الدخول في مواجهة سنية ـ شيعية وما بينهما امكانية اللجوء الى المواجهة بالقوة لقمع الثورة وتشكيل حكومة مواجهة مع الداخل والمجتمع الدولي على السواء.

الا ان مأزق الحزب وقوى السلطة يختصر في عدم امكانية الموافقة على حكومة تكنوقراط تقصي الحزب من السلطة بما يفسر على انه رضوخ للإرادة الاميركية بمفهوم طهران، وعدم امكانية التخلص بسهولة من الحريري على رأس اية حكومة، والا لماذا التأخير في تسمية اية شخصية اخرى الى الان غير الحريري؟ فقوى السلطة وفرقاء 8 اذار يحسبون جيدا اية خطوة لأن الخطأ هذه المرة مميت لهم. الا ان ثمة حقيقة من الصعب على محور 8 اذار القبول بها الى الان، ان ما قبل 17 تشرين الاول غير ما بعد 17 تشرين الأول، مع ما يعنيه ذلك من انتهاء كل تركيبة المصالح والفساد والمكاسب التي وزعت المنافع على فرقاء التسوية طوال سنوات عجاف. فعلى الثورة ان تتجنب أكثر من اي وقت مضى المطبات والأفخاخ التي تنصب لها، وفي طليعتها إنزال شارع بوجه شارع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل