من 1258 حتى 2019 صنف واحد

 

تختلف التواريخ وتتطابق الأساليب. من تاريخ إحراق مكتبة بغداد من قبل المغول حتى غزوات بيروت التي بدأت في أيار 2008 وما انتهت في تشرين 2019، وعلى ما يبدو أنها لن تنتهي.

وفي التفاصيل، دخل القائد هولاكو خان حاكم إلخانية فارس مدينة بغداد حاضرة الدولة العباسية وعاصمة الخلافة الاسلامية يوم 9 صفر سنة 656 ه، الموافق فيه 10 شباط سنة 1258؛ وذلك بتكليف من الخاقان الأكبر مونكو خان الذي طلب من أخيه هولاكو استكمال فتوحات المغول في غرب آسيا التي كان قد بدأها جدهما جنكيزخان. فكان نتيجة ذلك أن حوصرت بغداد لمدة 12 يومًا فدخلها ودمرها وأحرقها وأباد معظم سكانها وأحرق مكتبتها الشهيرة، مستهدفا بهجمته هذه أصحاب العقول النيرة، لأنهم أدركوا أن هذه الشريحة من المجتمع تمثل خطرًا على وجودهم. وما سقطت الإمبراطورية المنغولية إلا بانقسامها بعضها على بعض وبالاختلاف فيما بين ورثة الملك.

هذا السرد التاريخي مفاده أخذ الأمثولات من تاريخ البشرية. فما يزعج الذين تقوقعوا في لبنان داخل قمقم الأيديولوجيا المستوردة من بلاد فارس، والتي لا يمت إليها اللبنانيون بأي صلة، هو شيء واحد يتمثل بالانفتاح الحضاري؛ تمامًا كما في زمن بغداد، زمن الخلفاء الذين انفتحوا على معظم الحضارات التي أحاطت بهم من الأندلس غربًا حتى بلاد الهند شرقًا. والانفتاح الحضاري الذي أخرج جزءًا كبيرًا من اللبنانيين بعد خروج السوري في 26 نيسان من العام 2005 قد أزعج هؤلاء.

وما قبولهم بقانون انتخابات نسبي في العام 2018 إلا اقتناعًا منهم بأن هذا القانون سيؤمن، لهم أكثرية نيابية تمكنهم من السيطرة على الحكومة، وبالتالي على البلاد والعباد كلها، متسلحين بوهج سلاح شرعوه بمقاومة إسرائيل، وهم على حق عند تغيب الدولة اللبنانية عن أداء دورها، ليستخدموا وهجه مصحوبًا مع ما قدمته لهم انتخابات 2018 النيابية ضد إخوتهم في الوطن بغية السيطرة على الدولة بأسرها.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في صفعة 17 تشرين التي تلقوها من الشعب الذي داق ذرعًا بتغطيتهم للفاسدين مقابل تغطية هؤلاء لتواجد سلاحهم غير الشرعي الذي باعتقادهم سيؤمن لهم سيطرة شرعية على الدولة اللبنانية كلها. وهكذا سيحققون حلمهم من دون المرور بالجمهورية الثالثة التي أوهموا اللبنانيين بقيامها على قاعدة المثالثة. فهم يريدون لبنان بأكمله لهم وحدهم، مع الاحتفاظ على شريك مسيحي ذمي يؤمن لهم الغطاء الشرعي الدولي.

لكن الشارع اللبناني الموحد من عكار مرورًا بطرابلس إلى جبيل وجونيه والزوق وجل الديب وصولا إلى بيروت حتى صيدا، فضلا عن زحلة ومدن البقاع قد أزعجهم. والذي أزعجهم أكثر، كيف انتقلت هذه العدوى إلى شارعهم في صور والنبطية وكفرمان وبعلبك والهرمل. لذلك هم سيبذلون ما بوسعهم لتحوير مسار هذه الثورة، حتى لو اضطرهم الأمر لأن يعيدوا 1258 مرة جديدة. فهم لم يتعلموا بعد من دروس التاريخ.

زمن الإمبراطوريات ولى إلى غير رجعة. ولم يعد مقبولا في كنف الثورة الرقمية التي نعيشها في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا القمع، ولا الترهيب، ولا سرقة موبايلات الاعلاميات لترهيبهن، ولا حتى محاصرتهن في المباني. كما لم يعد مجديًا جيش الموتوسيكلات الجرار الذي بات معروفًا مقر انطلاقه ووجهة سيره. اتعظوا من التاريخ قبل أن يرذلكم ويلعنكم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل