الصحافة المكتوبة… جرح الصحافيين النازف

كتبت نهاد طوباليان في “المسيرة” – العدد 1700

 

من الصعب جداً، لا بل من المستحيل إختصار مسيرة حياة مهنة الصحافة بسطور، لأن الجرح لا يزال مفتوحاً على وجع عميق لا يفارقني، ليس فقط لأن بيتي الثاني الذي أمضيت فيه عمراً وفنيت فيه حياة قد أسدل الستارة على نهاية غير متوقعة لمدرسة صحافية شكلت ركيزة أساسية في نهضة الصحافة الورقية في لبنان والعالم العربي، بل أيضاً على ما آل إليه إعلامنا اليوم، لجهة إنحرافه عن رسالته الأساسية، ولتغيّر في مفهومه ومبادئه، أقله مع ما يُعرف راهناً بموجة الإعلام الإلكتروني الذي يتعزز اليوم على حساب الصحافة الورقية. مع ذلك لملمت بعضاً مني لأسرد ما كانت عليه مسيرة 30 عاماً من التفاني في سبيل قضايا آمنت بها وأعطيتها قلبي وروحي.

لم أدرك حين قررت أن أكون صحافية أن يكون مصير هذه المهنة إلى زوال وهي الأساس في تكوين الرأى العام وبناء الأوطان. كما لم أدرك أن يوماً سيأتي ويكتشف  من تسري في عروقهم الصحافة أنهم خارج هذه المهنة، وهم في أوج العطاء.

باكراً من عمري حلمت بمهنة المتاعب، فبنيت لنفسي علاقة مع القلم والورقة والجريدة، منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، حين شدتني إليها مراقبتي بعيون طفلة تفاصيل اليوم الإنتخابي الطويل في زغرتا، مسقط رأسي. لاحقت يومها  وجوهاً إعلامية طبعت نشرات أخبار تلفزيون لبنان، وهي تؤرخ لذاك اليوم، لأعود في اليوم التالي إلى مدرستي وأجيب على موضوع إنشاء «ماذا تريد أن تكون مستقبلاً؟ فكان الجواب: «صحافية تنقل هموم الناس».

إنضممت الى عائلة صحيفة «الأنوار» منتصف السبعينات من القرن الماضي قارئة صغيرة لصفحاتها، وضيفة  ينشر لها بعض من تجاربها الشعرية في ملحقها الأسبوعي الملوّن…. لأجد نفسي عصر ذات يوم أحد وجهاً لوجه مع عميد دار الصياد الراحل الكبير سعيد فريحة في زيارة تفقدية لإبنة شقيقته، جارتنا في الشبانية، فقلت له بعفوية: «حين أكبر، سأعمل في جريدة الأنوار».

معارضة أهلي الشديدة الإلتحاق بكلية الإعلام، وإلتفافي على قرارهم بدراسة العلوم السياسية، زاد من إصراري على السعي لتحقيق حلمي الذي أبصر النور في آب 1988، لأشهد من  حينه على بداية مرحلة جديدة من تاريخ لبنان، لا زلنا حتى اليوم، نعيش تداعياتها السياسية والوجودية.

منذ اليوم الأول لمسيرتي المهنية تسلّحت بنصائح لا تزال ترافقني حتى اليوم، أولاها من والدي على رغم المعارضة الشديدة، «المصداقية في التعاطي مع أي خبر وكتابة الحق»، أما النصيحة الثانية فكانت ممن تتلمذت على يده المخضرم غسان صقر، إذ كان يكررها على مسمعي ومفادها «المصداقية والدقة في نشر المعلومة بعد التأكد منها، والعمل الميداني لرصد مطلق أي حدث». أما ثالث النصائح فكانت من العم طنوس الذي كان العين الساهرة على المبنى الذي كنا نقطنه في منطقة مار مخايل – الأشرفية حيث كان يكرر على سمعي «يقرأ الجريدة رئيس البلاد وماسح الأحذية، لذا إكتبي يا إبنتي نصاً بسيطاً ومعبّراً يجسد الواقع».

لم تكن البدايات كما النهايات سهلة، لكني خبرت مهنة وعشت كل تفاصيلها بفرح وحماسة، تخللتها نجاحات وخيبات، كان أكبرها وأوجعها إسدال ستارة «دار الصياد».

خبرت بفرح عبور المتاريس الترابية عند مستديرة الصالومي، من أجل أن تبصر النور مواضيع على صفحات الأنوار تستعرض يوميات مواطنين فُرض عليهم حصارا وإنقطاع مياه وخبز وكهرباء…. وصولاً الى طيّ صفحة الحرب في منتصف تشرين الأول 1990، ولتبدأ مرحلة جديدة وأكثر جدية في العمل الصحافي.

خبرت مرحلة مواكبة إزالة كل معالم ما خلّفته حروب لبنان الصغيرة والكبيرة، بدءاً من قلب بيروت وإعادة بناء ما تهدم من حجر ومؤسسات رسمية وخاصة، مروراً بعودة الحياة إلى كل لبنان، وتسليط الضوء على ما خلّفته تلك الحروب من مشاكل لا زلنا نعاني من تبعاتها حتى اليوم، من تلوث للمياه والأنهر، وإنقطاع الكهرباء، والنفايات والمقالع والكسارات، الفساد والإنماء غير المتوازن، التغيّر المناخي، القطاع الزراعي والزراعات البديلة، الصناعة وغيرها من المشاكل التي لم يجد صنّاع القرار حلاً جذرياً لها، عدا عن متابعة النجاحات اللبنانية في بلاد الإغتراب، بموازاة المواكبة الميدانية للسياسة وزواريبها الضيقة والواسعة.

كنا شلة من الصحافيين الذين آمنوا كل من موقعه ومنبره الإعلامي برسالته، والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. أقبلنا على الصحافة الورقية بنَفَس جديد، نَفَس ما بعد الحرب، وناضلنا في سبيل القضايا المحقة، الوطنية والمعيشية منها والإجتماعية والثقافية، وكم كانت كثيرة ومتشعبة وشائكة.

لم يكن السبق الصحافي هاجسنا بقدر ما كنا نسعى لأن نقدم مادة حية وحقيقية، منبثقة من يوميات المواطن والوطن، ولخدمتهما على السواء. تلاقينا في الساحات، تضامنا بالكلمة وأطلقنا حملات وفتحنا ملفات وناضلنا في سبيلها. آمنا بقضايا المواطن والوطن، فكانت لنا معارك مشتركة من أجل حقوق المالكين في وسط بيروت، والحفاظ على البناء التراثي والأثار المكتشفة، وغيرها من الحقوق والمشاكل  التي خلّفتها الحرب اللبنانية وحروب إسرائيل على لبنان، وموجة إغتيالات لمسؤولين سياسيين… وما تلاها من مرحلة لإغتيال وطن لا تزال مستمرة حتى اليوم.

كنا شلة من الصحافيين الذين آمنوا برسالة الصحافة، فكان هاجسنا الخبر والحدث… لا أن نكون الخبر والحدث إلا بما نقدم من مادة تخدم الوطن.

هذه الشلة التي تضم أسماءً كبيرة، عملت بإخلاص وتواضع ، أمست اليوم خارج دائرة مهنة الصحافة، بعدما سال حبر عمرها على ورق الصحف التي تتهاوى الواحدة تلو الأخرى لصالح الإعلام الألكتروني… وجيل لم ولن يختبر طعم الصحافة الحقيقية، صحافة الإستقصاء والتأكد من الخبر، والعمل الميداني…

شلة من الصحافيين يعيشون اليوم حسرة ما آل إليه إعلامنا من تفلّت. شلة من جيل إعلام ما بعد الحرب اللبنانية، أدرك منذ البداية أنه أمام مسؤولية كبيرة تجاه الرأي العام والتاريخ، بعدما ساهم في توثيق أحداث عديدة بواقعية.

هؤلاء لم يجدوا اليوم مكاناً لهم ليكملوا مسيرتهم، بعدما أُسقطوا من لائحة الإعلاميين، على رغم خبراتهم وكفاءاتهم… فيما السؤال اليوم: من يؤرخ بموضوعية لأحداث لبنان وهي كثيرة ومصيرية؟

لعل ما يعزيني اليوم أنني شهدت وشلة الزملاء على طي صفحة الحرب وإنطلاق أكبر عملية إعادة إعمارعرفها لبنان، فكانت لنا ملفات ومتابعات لقضايا أفضى الكثير منها إلى المعالجة بالطرق القانونية والسياسية…

عزائي أننا شهدنا على عودة الحياة بكل مفاصلها بالكلمة الحرة والملتزمة. شهدنا عز لبنان المتجدد بالشخصيات العالمية التي زارته، والمؤتمرات الدولية التي إحتضنتها بيروت، وشكلت ملفاتنا مرجعاً للمؤسسات الحكومية والدوائر الدبلوماسية…

إعلاميو الصحافة الورقية التي ودّعت قراءها على حين غفلة وفي عز حاجة لبنان لدورها، هم صحافيو لبنان ومفخرته لما تميّزت به مسيرتهم وسلوكياتهم من إنضباط بأصول المهنة ورسالتها الوطنية في بناء رأي عام وطني… وعلى رغم عدم توافر  منبر إعلامي لغالبيتهم، إلا أن شغف المهنة لا يزال يسري في عروقهم.

فهل من صحوة إعلامية قبل فوات الأوان لإحتضان جيل أعطى ذاته في سبيل صحافة حرة ومسؤولة؟ أو أقله، هل هناك من يعترف بمسيرتهم وبدورهم الذي كان له الأثر الفاعل على صفحات الجريدة والإعلام ككل؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل