الحريري يعرّي متّهميه ويحشرهم في الزاوية

حتى قرابة الثانية والنصف من بعد ظهر أمس الثلاثاء، كان وضع الحكومة العتيدة لا يزال معلقاً على حبل الاستشارات النيابية الملزمة للتكليف والتأليف المتمادية في التأجيل، وسط المعلومات المتناقضة عن قرب تحديد رئيس الجمهورية ميشال عون موعداً للاستشارات بعد “نفاد الصبر” من انتظار أجوبة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري على عرض الحكومة التكنوـ سياسية، من جهة، وبين مخالفة مصادر قريبة من بعبدا لهذا التوجه والقول إن المشاورات مستمرة من جهة ثانية.

لكن الحريري قطع الشك باليقين، في البيان الذي أصدره، بعد ظهر أمس، ورمى الكرة في ملعب العهد والتيار الوطني الحر وفريق الممانعة (حزب الله وأمل)، إذ أكد ما أصرّ عليه منذ تقديم استقالة حكومته قبل نحو شهر، من أن موقفه واضح وأجوبته لم تتغير حول “ضرورة تشكيل حكومة اخصائيين، لتحقيق مطالب اللبنانيات واللبنانيين الذين يواصلون تحركهم منذ أكثر من أربعين يوماً”.

موقف الحريري الصريح أعلنه في وجه “حالة الإنكار المزمن التي بدت وكأنها تتخذ من مواقفي ومقترحاتي للحل ذريعة للاستمرار في تعنتها ومناوراتها ورفضها الاصغاء إلى أصوات الناس ومطالبهم المحقة ومن يصر على أني استقلت لأسباب مجهولة”.

كما وجه صفعة قاسية لفريق العهد والتيار الوطني الحر، بقوله “عندما أعلن للملأ، في السر وفي العلن، أنني لا أرى حلا للخروج من الأزمة الاقتصادية الحادة إلا بحكومة اخصائيين، وأرشح من أراه مناسبا لتشكيلها، ثم أتبنى الترشيح تلو الآخر لمن من شأنه تشكيل حكومة تكنو- سياسية، أواجه بأنني أتصرف على قاعدة (أنا أو لا أحد) ثم على قاعدة (أنا ولا أحد). علمًا ان كل اللبنانيين يعرفون من صاحب هذا الشعار قولًا وممارسة”.

وقمة رفع السقف من قبل الحريري بتعريته من يحمّلونه مسؤولية عرقلة التكليف والتشكيل من كل حججهم، إذ فجّر قنبلة مدوية في وجههم وحشرهم في الزاوية، معلناً أنه “متمسك بقاعدة (ليس أنا، بل أحد آخر) لتشكيل حكومة تحاكي طموحات الشباب والشابات والحضور المميز للمرأة اللبنانية التي تصدرت الصفوف في كل الساحات”، آملاً “من رئيس الجمهورية أن يبادر فورا إلى الدعوة للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد بتشكيل حكومة جديدة، متمنيا لمن سيتم اختياره التوفيق الكامل في مهمته”.

موقف الحريري سبقه إشارات نُقلت عن رئيس مجلس النواب نبيه بري بتخليه عن التمسّك بالحريري وأن الأسماء المرشحة لم تعد تهمه وأنه مع الإسراع في تأليف حكومة من دون التوقّف هذه المرة عند اسم رئيسها. بالإضافة إلى التحرك الدولي، من بيان مجلس الأمن، إلى تغريدة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش حول الهجمات الجديدة ليلة الاثنين من قبل مناصرين لحركة أمل وحزب الله على المتظاهرين في بيروت وصور، وصولاً إلى الرسالة التي نقلها مدير الادارة السياسية في وزارة الخارجية البريطانية ريتشارد مور حول اجتماع باريس الثلاثي البريطاني الفرنسي الأميركي إلى المسؤولين.

عضو كتلة التنمية والتحرير النائب ياسين جابر يستغرب، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “عدم قيام حكومة تصريف الأعمال، رئيساً وأعضاء، بأي شيء”، لافتاً إلى أن “السقف يقع علينا وبيوت الناس تخرب، أفلا يستدعي ذلك من رئيس السلطة التنفيذية عقد لقاء مثلا مع لجنة مختصين من وزير المال وحاكم مصرف لبنان ووزير الاقتصاد وغيرهم ليروا ماذا يمكن فعله؟”.

ويسأل: “هل تُرك الأمر لجمعية المصارف لتشرِّع في لبنان؟! قولوا كلمة لتطمئنوا الناس فالبلد يخرب”. ويشير إلى أن “رئيس حكومة تصريف الأعمال مكلَّف بموجب مرسوم بهذه المهمة، بالإضافة إلى أنه رئيس كتلة نيابية كبيرة وشعبه من ضمن الناس الذين تخرب بيوتهم، فهل هكذا يكون تحمل المسؤوليات؟”.

ويشدد على أن “البلد لم يعد يحتمل والوضع الحكومي بحاجة إلى معالجة بسرعة، فكل يوم تأخير عن تشكيل حكومة جديدة نرتكب جريمة بحق البلد والشعب”، مؤكداً على أن “المطلوب تعيين موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس بتشكيل الحكومة في أسرع ما يمكن، لأننا لا نملك ترف تضييع الوقت”.

ويعتبر جابر أن “البلد تعوَّر وما حصل سيعيش معنا لسنوات مقبلة، وكلما تأخرنا في المعالجة ستزداد الأمور صعوبة”. ويلفت إلى عدد الدعاوى الكبير المرفوعة ضد المصارف، سائلاً: ماذا نفعل بقطاعنا المصرفي؟ هل هناك قطاع مصرفي في أكبر دول العالم يمكنه عندما تكون هناك حالة (Panic) وخوف تحمّل إعطاء كل المودعين أموالهم؟ مستحيل”.

ويؤكد أنه “كان يجب على حكومة تصريف الأعمال أن تصرّف الأعمال بشكل جدي، وهذه ليست أعمالاً عادية بل طارئة”، مشيراً إلى أنه “كان يجب قبل إعادة فتح المصارف أن تُتخذ تدابير استثنائية بدعم من السلطة السياسية في البلد، لا على طريقة (اذهب أنت وربك قاتِلا) ونحن جالسون هنا، وترك الناس والمودعين والمصارف في وجه بعضهم البعض ليدبّروا حالهم”.

ويضيف: “علينا أن نحرص على قطاع المصارف في لبنان بعيوننا، فهو جوهرة القطاع الخاص، وإذا انهار هذا القطاع وإذا دخلنا في قصة الدعاوى، وربما تأتي دعاوى دولية في المستقبل، ماذا يبقى؟، مشدداً على أنه “من واجب حكومة تصريف الأعمال أن تقوم بدورها”.

وحول الخوف من التكيف مع الوضع في حال الركون إلى ممارسة تصريف الأعمال بدل التركيز على وجوب تشكيل حكومة جديدة، يرى جابر أن “هناك ضرورة للاستعجال بإجراء الاستشارات للتكليف، هي ضرورية لكن غير كافية، المطلوب استشارات وتأليف سريعين. ومن الأسباب الموجبة للتعجيل، عدم قيام حكومة تصريف الأعمال بأي شيء، أين الوزراء؟ أين رئيس الحكومة ووزير المالية ووزير الاقتصاد؟ لم نسمع سوى حاكم مصرف لبنان (حكي كلمتين وبرم ضهرو وفلّ)، وبعدين؟ هل هذا يعني أن البلد متروك هكذا كي يسير وحده؟”.

جابر يعرب عن اعتقاده أن “الأمور لا يمكن أن تطول أكثر وإلا فالناس ستقوم وتشلّح بعضها في الشوارع، إذ كيف يمكن أن ينتهي ما يحصل إذا كان من يملك الأموال والودائع لا يعطونه إياها، والبعض يدخل إلى المصرف مصحوباً بقوة مسلحة، فكم بالحري الذي لا يملك المال لسد حاجاته أو العاطل عن العمل؟”.

وعما يحكى عن إمكان تعيين موعد للاستشارات خلال هذا الأسبوع أو مع مطلع الأسبوع المقبل، يقول جابر “من المرجح أنه أصبح هناك وعي معين، بالإضافة إلى الحراك الدولي والضغط المواكب، وهناك بوادر معينة”. ويؤكد “ألا إمكانية لفعل شيء ما لإنقاذ الوضع المتدهور إلا عبر المؤسسات الدستورية، من هنا أهمية الإسراع في إجراء الاستشارات والتكليف وتشكيل الحكومة بالتوازي”.

أما عن حكومة اختصاصيين مستقلين لفترة أشهر بمهمة محددة باتخاذ إجراءات إصلاحية سريعة توحي بالثقة للثوار والدول المانحة، فيعرب جابر عن اعتقاده بأننا “تخطينا هذا الجدل، ونشعر أن هناك تفاهماً ما على أن تكون الحكومة بأكثريتها من الاختصاصيين وإشراك الحراك الشعبي، ويكون فيها تمثيل سياسي معين من شخصيات غير مستفزة، أي لا يمكن إعادة الأشخاص السابقين الذين (بدّعوا)، وهناك وجوه كثيرة مقبولة، هذا هو المشهد الحكومي الذي يرتسم في الأجواء”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل