هون عين الرمانة الشياح

حملت السيدة المحجبة جبينها المحفور بصليب المسيح وصرخت “ما بدنا حرب اهلية كلنا هون اهل”. وهون عين الرمانة، تاريخ البطولة والنضال، وهون الشياح الجارة اللصيقة، وهون تعانقت الحرب مع السلم في زواج ماروني أبدي، قالت الحرب “اتيتُ لأعقد صفقة سلام انا ضجرت من حالي وهربت لعندك”، فمد السلام يديه معانقا “اهلا بالابن الضال نحن معا لأجل الانسان في لبنان”.

حلوة يا عين الرمانة، حلوة كتير. حلوة يا شياح، للمرة الاولى صراحة اجدك حلوة، لا أكذب ولا أجامل! لم أكن اجد فيكِ الا طوابير الموتوسيكلات التي تتعدى من حين لآخر على الشوارع الآمنة في عين الرمانة والرينغ وكل لبنان، ووحدهن، وحدهن سيدات الشياح وعين الرمانة، غيّرن نظرتي السلبية الى ذاك الحي في قلب بيروت. اريد ان اصدق هذه الصورة فقط لينتعش ايماني بأن لبنان صار يحب حاله، يحب ثورته الى درجة انه لن يعود يوما الى الحرب مهما كانت الاستفزازات والتحديات.

ليست مشهدية الرز الذي هطل فوق الرؤوس في الشياح وعين الرمانة هو المشهد، وليست تلك الزغاريد التي انهالت من حناجر الامهات على الشرفات المزدانة فرحا، بل كنّ هنّ الفرح والحدث وكل الحكاية والمشهدية. السيدات اللواتي صنعن ثورة لبنان، والتقين في ساحة عين الرمانة الشياح ليصنعن اللحظة التاريخة الصارخة بوجه الفتنة، فكن هن وجه الشمس في ساحات الوطن.

“مين بعد بدّو وردة صبايا؟” سألت سيدة تحمل صندوقا من الورد الابيض، ترشه عطرا فوق عطر حضورهن في الساحة، اقترب شاب من شباب عين الرمانة يحمل ضحكة القلب في عينيه “انتو البركة وانتو الورد بحياة بلادنا”، فانهالت قبلاتها فوق جبينه “تقبرني يخليك لأهلك يا رب”.

عبر مكبر الصوت صرخت النساء “نحنا كلنا خلقانين هون ما بدنا طائفية بدنا بلد الحرية هيدا شارع لكل الناس”، بكت السيدة المحجبة، يا الله لماذا تبكين سيدتي؟ لا تزعلي رجاء، اعرف ما تحت المنديل الفاضل ذاك، اعرف ان ما يجمعنا واحد، الخوف على الابناء والبلاد، الغضب من الذل، النضال لاجل الكرامة، لا تبكي يا سيدة ارجوكِ، ستأتي الايام وستكون احلا وحياة الدمع لـ بعيونك. اقترب حاج من الشباب وبلكنته البيروتية العتيقة المتأرجحة بالدمع المستحي قال “انتو كلكن ولادي وأني كل عمري عايش هون معاكن اكتر ما عايش مع عيلتي”، فصرخ الشباب “يطول عمرك يا حاج”.

انهال المطر غزيرا فوق الرؤوس الحلوة المزدانة بكرامتها “وشو عليه معنا شماسي ومحضرين حالنا”. لم تبالِ السيدات بزخات البركة التي بدت وكأنها تماهت معهن في زرع الخير حيت تطأ اقدامهن، وحيث ترسمن الدروب سنابل قمح ليحصد الوطن غلة المحبة. فتحلّق الجميع حول مراسلة الـ mtv الاعلامية المتميزة، دنيز رحمة فخري، التي كانت رافقتهم منذ الصباح وسعت معهم لتأليف حلقات حوار بين الشارعين، لإعادة لم الشمل بعد ليلة عاصفة من الاعتداءات والاستفزازات وتبادل الحجارة، ولولا تدخل الجيش اللبناني لكان وقع المحظور حتما. “ما حدن بدو حرب ولا فتنة، اللبنانيين بيحبوا بعضن وخايفين ع بعضن وقلبي كبر من هالمشهد الرائع، كنت خايفة من فتنة وبس اجتمعوا الشارعين تأكدت قديش اللبنانيين واعيين ورافضين منطق الحرب والتباعد” قالت دنيز.

هبط الليل وشرفات عين الرمانة الشياح دخلت في هدوئها، استكان الشارع. خلا من الاستفزازات، وحدها خطوات السيدات وصرخاتهن حفرت عميقا في ارجاء المكان. تركن الدمغة التي لا تُمحى، اذا شاء اللبنانيون ذلك، لا للحرب، لا للفتنة، هذه ثورة محبة ولن نسمح ان تتحول الى مشروع دموي لإرضاء نزوات سلطة متعطشة للخراب. ومضين في نضالهن وعلى الطريق سقطت دمعة صافية، ام شهيد من الشارعين، ومحجبة بصليبها تعلن “وطني وطايفتي لبنان”…هون عين الرمانة الشياح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل