نعم هي ثورة وطن

اتّقوا الوطن أيها المأجورون، المرتشون ببضع دريهماتٍ لا تكفيكم أجرة العودة إلى أكواخكم المتواضعة، لتجلسوا في غرفة الجلوس العفنة الجدران، ولتدخلوا غرفة النوم حيث تجمّعت مياه الأمطار في بعض زواياها، لتناموا ببطونٍ خاويةٍ.

قبل أن يأتي الغد على وقع أنين أحد أفراد الأسرة الذي يحتاج دخولاً سريعًا إلى المستشفى، فلا تجدون من يعينكم على دفع تكاليف الدخول فتقفون متوسّلين من دون أن تلقَوا آذانًا صاغيةً، متناسين ما اقترفت أيديكم بالأمس، فتعودون أدراجكم منكسرين، فالمستشفى ومن فيها ما رحموكم، وإذ بسيارتكم البالية تنفذ من الوقود الّذي صرفتموه بالأمس في مواكبَ سيٌارةٍ مخرّبين ومندسّين بين اخوتكم السّلميين ناشرين الرّعب والشّر بينهم، فتركنون ما تبقّى من هيكلها على جانب الطّريق منتظرين مرور سيّارة أجرة تنقلكم إلى ذلك المنزل البائس. فتقلّكم سيّارة سائقها رجلٌ سبعينيّ، ما كان في رحلةٍ ترفيهيّةٍ، بل يعمل مكرهًا كأنّه ابن عشرين ليقيت نفسه وأسرته، ويُعيل ابنه المُقعد الّذي ما من جمعيّةٍ تكفّلت العناية به، فيما أمارات التّعب باديةٌ على وجهه المتجعّد الّذي يحمل همّ العمر، وتعب الماضي، وعبء الحياة والأسرة.

ويدور الكلام حول وضع البلد البائس، والسؤال الموحد: “إلى أين نحن ذاهبون بنا وبوطننا؟”

وإذ لا تجدون في جيوبكم الفارغة ثمن الأجرة لأنّكم بذّرتم ما معكم من مبلغٍ زهيدٍ فرحين محتفلين بما اقترفته أيديكم السوداء باخوتكم في الوطن النّازف الموجوع. وتدخلون البيت بعدما عفا عنكم السائق المسكين المحتاج، أخوكم في الوطن الّذي ربما، طال أذاكم منزله البارحة وأرهبتم أفراد أسرته، لتجدوا الكهرباء مقطوعة والطعام الموجود في البراد قد تعفّن.

لكنّ المساء اقترب، إنه موعد الاستعراضات الباهتة، والعضلات المنتفخة كبوالين الهواء، فتهبّون لاتّصالٍ وردكم على هاتفكم الفارغ من الرصيد، كمن صعقته الكهرباء متناسين هموم هذا النّهار لتُضيفوا إلى اليوم التّالي همومًا أخرى.

أي بشرٍ أنتم؟ أيّ مخرّبين؟ يا لكم من مجرمين! فالمجرم ليس من يقتل نفسًا فقط، فإن قتل الوطن والمواطنين أكثر إجرامًا.

استفيقوا أيها النّائمون، لا بل المنوّمون المسيّرون، افتحوا أعينكم لترَوا ما يحل في الوطن بسبب تجاوزاتكم ولا وطنيّتكم، نحن اقتربنا من تحقيق الحلم وأنتم تعودون بنا إلى الوراء، انزعوا أيديكم عن آذانكم ليتسنّى لكم سماع ما يجب أن تسمعوه بصوت أولئك الذين يفترشون الشّارع، شركاء الوطن، الذين يطالبون بالحقوق لهم ولكم، يطالبون بالطبابة وحق الاستشفاء الذي ما استطعتم الحصول عليه اليوم لذويكم، يطالبون بزيادة فرص العمل علّ جيوبكم لا تفرغ من المال الحلال، يطالبون بالكهرباء كي لا ترموا بعد اليوم طعامٌا فَسُدَ كفساد من يقبعون على كراسيهم، يطالبون بوطنٍ للجميع، يضمّ الجميع، إنها ثورة، نعم ثورة.

ثوروا معهم، ثوروا على الفقر، ثوروا على الاحتكار، ثوروا على المستشفيات التي لا ترحم، ثوروا على الطرقات التي تقطف بخطورتها شبابنا وهم في زهرة أعمارهم، ثوروا على من تسبب لكم ولنا بكل هذه المأساة، فيما هو ينعم بالقصور واليخوت والمال المسلوب منا ومنكم.

كونوا لمرّةٍ واحدةٍ أصحاب كرامةٍ لتعوا بعدها معنى الوطنيّة. عندها لن ينالوا منكم سعرًا، لأنّ الكرامة لا تُشرى ولا تُباع والوطنيّة لا تُقدّر بثمنٍ.

فمن ثمن الكرامة… لن تفرغ جيوبكم

ومن أحرفها… لن تجوعوا

ومن صداها… لن تخافوا ولن يستطيع أحدٌ صغيرٌ أن يسيّركم على هواه.

انزعوا القناع، اخلعوا عبوديتكم وكونوا فقط وطنيين.

أرجوكم كونوا لبنانيين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل