إميل إده.. الرئاسة الصعبة قبل الإستقلال (1)

كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1701

إميل إده.. الرئاسة الصعبة قبل الإستقلال

إنتخاب وتعيين وعزلة ومعارضة ونوبة قلبية (1)

هي الذكرى المئوية لإعلان دولة لبنان الكبير تتزامن وسبعين وفاة الرئيس الراحل إميل إده، أحد مهندسي حدود لبنان الكبير.. هو لبنان إميل إده سعى له قويا بحياده، لا للشرق ولا للغرب، بل لبنان أولا مع أفضل العلاقات شرقا وغربا، هو زعيم كبير من بلادنا من زمن سياسي جميل، من رجالات كبار صنعوا تاريخ لبنان الحديث، كان إميل إده في طليعتهم، أحب لبنان كثيرا، أعطى له الكثير الكثير، أخطأ مرة، لكن ثمن إخطاء الكبار كبير، المحامي اللامع أخفق في الدفاع عن نفسه، وعهده المثير للجدل قيل عنه وفيه الكثير..  حورب، ظُلم، غُيِّب كثيرا، عُتم كثيرا على إنجازاته، وما أُنصف، لكنه التاريخ يحكي..

رئيس الجمهورية اللبنانية الثالث في عهد الإنتداب الفرنسي يكفيه فخرا أنه أحد صانعي لبنان الكبير، وقبل ان يتبوأ الرئاسة.

فذاك المحامي اللامع الذي كان والده وجده يعملان ترجمانان ووسيطان في القنصلية الفرنسية في دمشق، تابع دروسه في الحقوق في فرنسا في جامعة إيكس مارسيليا واضطر للعودة الى لبنان بسبب وضع والده الصحي، وسرعان ما انخرط في حياة لبنان السياسية ليلعب دورا بارزا قبل وطيلة عهد الإنتداب.

في بداياته، ناضل إميل إده في سبيل إستقلال لبنان عن الإمبراطورية العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى، ساعيا إلى فصل جبل لبنان عن الدولة العثمانية واستعادة الأراضي الطبيعية التي كانت سُلخت عن لبنان، يومذاك، إعتقلت السلطات العثمانية عددًا من الناشطين الذين شاركوا في الدعوة إلى الإنفصال عن السلطنة، أو كانت لهم علاقات مع الحلفاء وألقتهم في السجن وأعدمت قسمًا منهم. إلَّا أن إميل إده إستطاع الهرب ولجأ إلى الإسكندرية، وفي مصر شارك في إنشاء الوحدة الشرقية في الجيش الفرنسي والتي تألفت من متطوعين لبنانيين وسوريين، محافظا في هذه الفترة على إتصالاته، عبر أخيه جوزف المقيم في فرنسا، مع أعلى السلطات الفرنسية ولا سيما الرئيس ريمون بوانكاريه.

المحامي اللامع

ومع إنتصار الحلفاء وبنهاية الحرب العالمية الأولى، عاد إميل إده إلى لبنان ليؤسس مكتبا للمحاماة وليصبح مستشارًا للقنصليات الفرنسية، البريطانية والإيطالية، كما عمل محاميًا للعديد من الشركات اللبنانية والأجنبية العاملة في لبنان وسوريا.

لمع إسمه في عالم المحاماة، وأصبح مكتبه من أهم المكاتب في بيروت ليتدرج فيه عدد من أبرز الشخصيات اللبنانية وفي طليعتهم  بشارة الخوري (خصمه السياسي اللدود لاحقا)، وكميل شمعون، لينتخب عام 1922 نقيبا للمحامين في بيروت.

ما كانت إنشغالاته الكثيفة في عالم المحاكم والنقابة لتردعه عن نضاله السياسي، يومذاك كان الصراع عنيفا بين تيار ينادي بضم لبنان الى سوريا في مملكة يحكمها فيصل الأول، وآخر يسعى لاستقلال لبنان ضمن حدوده الطبيعية، وفي هذه الأجواء بدأ الإستعداد لانعقاد مؤتمر الصلح في قصر فرساي عام 1919 حيث شارك إميل إده في وفدين من ثلاثة وفود لبنانية  طالبت باستقلال لبنان وإعادة الأراضي التي سلخت عنه سابقا، لينتصر التيار الإستقلالي، وليسجل التاريخ لإميل إده دورا بارزا في استعادة لبنان حدوده التاريخية وبتأسيس دولة لبنان الكبير.

«كل من يحاول إبتلاع لبنان سوف يختنق»

يروى أنه  خلال إنعقاد مؤتمر الصلح في باريس، إلتقى إده الأمير فيصل بن الحسين الآتي باسم سوريا  الذي حاول إقناعه والوفد المرافق بالعدول عن فكرة الإستقلال قائلا: لا أدري لماذا تطالبون بدولة مستقلة عن سوريا وهي بما فيها جبل وساحل تبقى صغيرة جدا.. لبنان الكبير يشبه شكل حسكة السمك، هو سهل الإبتلاع».

كلام الفيصل إستفز إميل إده فأجابه قائلاً: «قد يكون له شكل الحسكة لكن كل من يحاول إبتلاع لبنان سوف يختنق، لأن هذه الحسكة بالعرض وليست بالطول».

عمّت لبنان الإحتفالات بإعلان لبنان الكبير، لكن على خط آخر، بدأت الخلافات بين الفرنسيين والسياسيين اللبنانيين، وهؤلاء أيضا بعضهم مع بعض، مع طرح فكرة تنصيب حاكم في سدة الرئاسة، ليدافع إميل إده عن فكرة إعطاء المنصب لسياسي لبناني يختار لا لانتمائه الطائفي بل لكفاءاته، فيما سعى غيره من السياسيين لإسناد حاكمية لبنان الى فرنسي نظرا للظروف السياسية كما زعموا.

وإن كان عُرف أميل اده بتعاونه مع السلطة الفرنسية وممثليها في لبنان وسوريا، وكان يرى بذلك حماية للبنان، لكنه تعامل معهم على أساس الوسيلة لا الغاية ، كما عُرف عنه ان صداقته للفرنسيين كانت أقرب الى الدولة الفرنسية منها الى حكامها في لبنان كما يقول الأب اميل اده في كتابه «آل اده في التاريخ».

تحت قبة البرلمان

عام 1922 دُعي اللبنانيون لانتخاب نوابهم ليحقق  إميل إده ولائحته بكامل أعضائها نجاحا كبيرا، وليسجل تحت قبة البرلمان مواقف غير متساهلة ساعيا لتحقيق الإستقلال في الخدمات الإدارية من جهة حيال دمشق، ومن جهة ثانية حيال ممثلي الإنتداب الفرنسي. وليسجل له وقوفه في وجه الحاكم الفرنسي الرائد ترابو الذي كان كثير التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية «لذا ألف جبهة معارضة وأخذ يخطب ويهاجم من على منبر البرلمان فتردد الأوساط السياسية والاجتماعية صدى تلك المناقشات والخطابات بالإعجاب والتقدير».

تألقه البرلماني تُرجم في 21 تشرين الاول 1924  بانتخابه رئيسا لمجلس النواب، كما عُيِّن عضواً في مجلس الشيوخ.

الماروني في السراي الحكومي

في أوائل أيلول 1929 قدم بشارة الخوري إستقالة حكومته  تحت ضغط أزمة خانقة هزت البلاد وتفجرت مع أزمة اقتصادية ومالية عالمية كبيرة بسبب إنهيار البورصة في نيويورك ما أدى الى إفلاس دول عديدة.

وفي 12 تشرين الأول 1929، وفيما هو في عطلة مع عائلته في باريس، أُبلغ إميل إده رسميا بتعيينه رئيسا للوزارة خلفا لبشارة الخوري، فعاد الى بيروت وألّف حكومة من خمس وزراء .

ذيول الأزمة الاقتصادية إمتدت الى عهد (الأرثوذكسي) شارل دباس وحكومة (الماروني) إميل إده، وما وقف إده مكتوف اليدين بل لجأ الى سلسلة إقتراحات  إصلاحية – تقشفية لمواجهة الأزمة محاولاً  إبعاد تداعياتها الهائلة عن لبنان.

فخلال توليه رئاسة الحكومة قام بإصلاحات واسعة شملت كافة الميادين الإدارية، والتعليمية، والقانونية، والاقتصادية والمالية. فاستخرج، عبر وزارة المالية، لائحة بجميع موظفي الدولة المدنيين وكان عديدهم 3121، ليتبيّن ان وراء توظيف هذا العدد الكبير (آنذاك) مصالح ومحسوبيات، فقرر الإستغناء عن 400 موظف «من أجل سلامة الجسم كله».

وقسَّم إده الوطن الى خمس محافظات بدلاً من الإحدى عشرة القائمة فاستعاض بذلك عن 36 مديرية، وشدد على تحسين وضع القضاة مرددا: «إذا أردنا أن نعرف مستوى القضاء العام وجب علينا قبل كل شيء إعطاء قضاتنا رواتب لائقة».

وفي المقابل قلص إده عدد المحاكم، لندرة الحوادث والإرتكابات والدعاوى. و «نقّح» قاعدة وضع الضرائب وطريقة الجباية. وقرر مضاعفة  المبلغ لصيانة وتحسين الــ2000 كلم من طرقات لبنان.

كما عمد الى تخفيض وتجميع المدارس الرسمية في كل منطقة معتبرا ان ذلك لا يضرّ بالتعليم بل يزيده «قيمة وشأناً»، وقام بتنشيط مدرسة الفنون والصنائع في بيروت. وقرر إستثمار أراضي لبنان الخصبة والإهتمام بزيادة السلفات الزراعية، مع تخصيص «جانب كبير» من المال الذي ينجم عن الاقتصاد لأعمال الري (سهول بعلبك والبقاع والسواحل وعكار).

إلا أن نمط إصلاحاته السريعة والقوية باغت الكثيرين ولم يرق لأصحاب المصالح، ما جلب إليه خصومات كبيرة خصوصا أولئك الذين أُبعدوا عن إدارات الدولة أو السياسيين الذين أُبعدوا بتهمة تحويل إدارات الدولة الى مزرعة، فعمد خصومه الى تشويه سمعته، وتجمّعت المعارضة ضده حول شخصين: بشارة الخوري ومحمد الجسر. كما ان المفوض السامي آنذاك هنري بونسو ما كان راضيا عن أدائه وقراراته اللبنانية الصرف.

وجاء قرار إقفال قسم من المدارس الرسمية ليثير ردود فعل قوية ضده في الشارع الإسلامي، وطبعا إستغل خصومه هذه الأجواء  لتشويه سمعته «إسلاميا»، مروّجين لعبارة نسبوها زورا إليه «إذا لم يعجب ذلك المسلمين فليذهبوا الى مكة».

وقامت قيامة المسلمين ضده، وعلق ريمون إده يوما «الغريب ان أحدا لم يتذكر ان أول رئيس وزراء مسلم في لبنان واسمه خير الدين الأحدب عيّنه والدي عندما كان رئيسا للجمهورية، ثم بعده في 1938 جاء بعبد الله اليافي وحينها رفض المسيحيون ذلك وذهب الشيخ بشارة الى البطريرك عريضة محتجا على إميل إده لأنه جاء برئيس وزراء مسلم، ما أدى الى خلاف بين إده وعريضة».

حيال ذلك سقطت وزارة الإنقاذ في مجلس النواب، وسقطت حكومة إده نتيجة إصلاحاته، وكتبت يومها صحيفة Journal Des Debats: «إننا نشهد إفلاس النظام البرلماني في بلد لا يزال بعهد الطفولة السياسية».

وفي هذا الجو قرر إده المستقيل الإبتعاد ولو لحين عن المعترك السياسي ليزاول مجددا مهنته محاميا بارعا مرافعا في قضايا تجارية أو جنائية كبرى.

في سدة الرئاسة

أواخر العام 1931 كان السباق الى رئاسة الجمهورية وكان الصراع محتدما بين الغريمين اللدودين إميل إده زعيم «الكتلة الوطنية» وبشارة الخوري زعيم «الكتلة الدستورية»، نزاع لم يسبق له مثيل في تاريخ الحياة الحزبية البرلمانية في لبنان، وبنتيجته، وإثر تيّقنه ان المفوض السامي، وبعد إتصالات مع المسؤولين، يسعى علانية وباندفاع لإسقاطه، إنسحب إده داعما الشيخ محمد الجسر، لكن، ومع رفض البطريرك عريضة مرشحا مسلما لرئاسة الجمهورية، أعلن المفوض السامي تأجيل انتخابات رئاسة الجمهورية الى أجل غير مسمى، وكلف شارل دباس القيام بأعباء الحكم.

في الأثناء بلغ الصراع بين بشارة الخوري وإميل إده ومناصريهما ذروته، يؤججه جريدة «لوريان» الداعمة لإده، وجريدة «لو جور» الداعمة للشيخ بشارة.

وفي كانون الثاني 1936 حُدد موعد انتخابات رئاسة الجمهورية، فكانت منافسة شرسة مرة أخرى بين إده والخوري، لكن باريس كانت تميل لإده، فكان النجاح من نصيبه بأكثرية 3 أصوات، لينصّب رئيسا ثالثا للجمهورية اللبنانية على عهد الإنتداب الفرنسي.

أبرز ما ميّز عهده الأول، توقيعه مُعاهدة مع فرنسا سميت «مُعاهدة الصداقة الفرنسية ـ اللبنانية» بالإضافة إلى إتفاق عسكري وخمسة بروتوكولات وتبادل رسائل.. وكان إده أول من عيّن مسلما سنيا في رئاسة الحكومة عام 1937، قبل ان يتكرس الأمر في ميثاق العام 1943، وهو صاحب الفضل في تضمين المعاهدة اللبنانية – الفرنسية مبدأ 6 و6 مكرر، وكانت تعتبر السند القانوني لتوزيع المناصب في الدولة اللبنانية بصورة متساوية بين جميع الطوائف، حينما كان المسيحيون محظيين عند سلطات الإنتداب الفرنسي، وقادرين على فرض ما يريدون.

إعتبر أده يوم توقيع المعاهدة أجمل يوم في حياته، وقد انهالت عليه برقيات التهنئة من كل فئات الشعب اللبناني ومن بلاد الإغتراب  حيث جسدت الإتفاقية إتجاه إده الأساسي وهو لبنان مستقل يتمتع بضمانة دولة كبيرة هي فرنسا.

صادق المجلس النيابي اللبناني على هذه المعاهدة بالإجماع في 24 تشرين الثاني، إلا أن الحكومة الفرنسية لم تصادق عليها ولم تعرضها على البرلمان الفرنسي لأسباب لم تعلنها فرنسا آنذاك، لكن علم لاحقا ان السبب هو ضغط اللوبي الصهيوني.

يتبع

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل