عهود وأزمات… ثورة إستقلال بعد 76 عامًا

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” العدد ـ 1701

لكل عهد قوته وكبوته وأزمته وثورته. بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وبشير الجميل وأمين الجميل قبل الطائف. ورينيه معوض والياس الهراوي وإميل لحود وميشال سليمان وميشال عون بعد الطائف. ثلاثة عشر رئيسًا وثلاث عشرة تجربة على مدى 76 عامًا منذ الإستقلال الأول في 22 تشرين الثاني 1943.

رئيسان شهيدان قضيا إغتيالاً وضاعت باغتيالهما فرصتان لاستعادة السيادة والإستقلال الحقيقي. أربعة قادة للجيش لا يشبهون بعضهم لا في الشخصية ولا في طريقة الحكم ولا في المرحلة. عهود عاشت أكثر من ثورة وأكثر من إنقلاب ومن حرب. ولكن المفارقة أن أيًا من هؤلاء لم ينتهِ عهده في منتصف ولايته كما يحصل اليوم مع الرئيس ميشال عون. تجربتان قاسيتان خاضهما الجنرال في السلطة. الأولى من 23 أيلول 1988 إلى 13 تشرين الأول 1990 عندما تولى السلطة بالتكليف رئيسًا للحكومة الإنتقالية العسكرية، والثانية مستمرة منذ 31 تشرين الأول 2016 بدأت قوية ثم ترنحت واهتزت وتكاد تتهاوى.

لقد وصل بشارة الخوري إلى رئاسة الجمهورية الأولى بعد اعتقاله في قلعة راشيا. التظاهرات التي نزلت إلى الشوارع تطالب بالإستقلال لم تكن تنادي به ولكنه كان يلعب الدور جيدًا متخطيًا سلطات عهد الإنتداب الفرنسي إلى عهد الإستقلال الأول من دون أن يضعف أن ينسحب. ولكن الرئيس الذي تغلّب على إنقلاب الحزب السوري القومي الإجتماعي وتجاوز إعدام زعيمه أنطون سعاده، سقط في التجربة عندما ارتضى أن يجيّر صلاحياته لبعض حاشيته وقبل بتزوير الإنتخابات والتمديد، ولذلك دفع الثمن وكان بعد تسعة أعوام فقط على إعلانه بطل الإستقلال ضحية أولى لهذا الإستقلال، مع أنه يسجّل له قبوله بالتنازل عن الحكم من دون أن يدفع الجيش إلى حماية عهده ربما أيضا إدراكا منه أن هذا الجيش بقيادة فؤاد شهاب سيخذله.

الرئيس كميل شمعون وصل إلى الرئاسة على متن الثورة التي أسقطت فؤاد شهاب. لم يكن قائد تلك الثورة البيضاء ولكنه أصبح رمزها في ما بعد. على رغم أنه كان أكبر من مجرد رئيس صنع أحلامًا لوطن كبير جعله أوسع من حدوده، إلا أن كل ذلك لم يمنع المتضررين من حكمه الإنقلاب عليه ولو أدى هذا الإنقلاب إلى تدمير بنية وطن حديث الولادة. ثورة 1958 لم تستطع أن تنهي عهد كميل شمعون ولكنها أنهت تجربة رائدة في الحكم وجعلت التسوية تتقدم في انتخابات الرئاسة.

هذه التسوية أوصلت قائد الجيش فؤاد شهاب إلى الرئاسة. لم تكن ساعة اللواء قد أتت في العام 1952. أمّن انتخاب كميل شمعون وعاد من رئاسة الحكومة الإنتقالية إلى مقر قيادته العسكرية. ديمقراطية القائد العسكري لم تنجح مع الرئيس القائد. بعد محاولة إنقلاب الحزب السوري القومي الإجتماعي في العام 1961 أعطى للشعبة الثانية دورًا أكبر للتحكم بالحياة السياسية، ولذلك كانت الإنتخابات النيابية في عهده شاهدة على إسقاط بعض خصومه كما حصل مع سلفيه بشارة الخوري وكميل شمعون. وإن كان الرئيس شهاب باني دولة المؤسسات، ومع أن ظروف التمديد أو التجديد له كانت متوافرة، فقد رفض أن يقع في التجربة كما حصل مع بشارة الخوري. كان مقتنعًا أنه بكل ما يتمتع به من قوة عاجز عن تحقيق الجمهورية القوية وفضّل أن يخرج من السلطة كبيرًا ويبقى كبيرًا.

شارل حلو أتى من خلفية غير عسكرية. ثقافة لاهوتية ومدنية وآفاق واسعة وعلاقات لا عداوات فيها. صحيح أنه كان من إختيار فؤاد شهاب إلا أنه حاول سريعًا أن يتخطى أبوة الرئيس الأسبق لعهده وعمل على التحرر من نفوذ الشعبة الثانية وضباطها. ولكن السلام الذي كان سمة عهده في بدايته تحول عدم إستقرار في نهايته. لم يستطع أن يقف في وجه العمل الفلسطيني المسلّح الذي شرّع الجمهورية اللبنانية على سلسلة حروب طويلة.

كان إنتخاب سليمان فرنجية في العام 1970 مؤشرًا لانتفاضة سيادية جديدة. ولكنه انتهى إلى حرب. لكن على رغم هذه الحرب، وعلى رغم إنقسام الجيش والمؤسسات والدولة والأرض، بقي الرئيس فرنجية ممكسًا بقرار الرئاسة وصامدًا في موقعه إلى جانب الجبهة اللبنانية، حتى بعدما اضطر إلى مغادرة قصر بعبدا وإلى التنازل وتعديل الدستور بما يسمح بانتخاب رئيس يخلفه قبل ستة أشهر من إنتهاء ولايته.

وعلى رغم إنتحابه رئيسًا في 8 أيار 1976، بقي الياس سركيس منتظرًا حتى حان الموعد الدستوري لتسلّمه صلاحياته في 23 أيلول 1982. هذا التاريخ بقي محترمًا ومقدسًا منذ انتخاب كميل شمعون. وبقي كذلك مع إنتخاب بشير الجميل ثم أمين الجميل. حافظ سركيس على نقاوة الرئاسة وعلى موقعها وصلاحياتها ولم يتوان عن رفض التمديد له على رغم توافر كل الظروف التي كانت ستسمح له بذلك. ولم يخف من دعم وصول الشيخ بشير الجميل قائد «القوات اللبنانية» إلى قصر بعبدا.

لم يستمع الرئيس المنتخب بشير الجميل لنصائح الرئيس سركيس بالإنتقال إلى قصر بعبدا والإقامة فيه حفاظاً على حياته. لا الرئيس الموجود في القصر خاف على صلاحياته ولا الرئيس المنتخب أراد كسر الأعراف والدستور. كان انتخابه بمثابة حلم للإنقاذ وكان إغتياله بحجم إنكسار هذا الحلم. على مدى 21 يومًا من تاريخ انتخابه رسم حدود الجمهورية القوية التي كانت خشبة خلاص لبنان.

دخل أمين الجميل إلى قصر بعبدا حاملاً عبء الحلم الذي تركه بشير الجميل. بعد حروب الضاحية والجبل وبيروت الغربية، وبعد الإنتفاضات وانقسام الجيش والمؤسسات والحكومة، بقيت الرئاسة تنتظر موعدًا جديدًا لخلاص جديد لم يأت. إختار الرئيس الجميل في نهاية عهده أن يسلّم المسؤولية إلى العماد ميشال عون. إنتهت تجربة عون الأولى بكارثة 13 تشرين. أضاع الفرصة التي أتيحت له، وأضاع الفرصة التي أتيحت للبنان بعد انتخاب رينيه معوض رئيسًا لأول جمهورية بعد إتفاق الطائف. قضى معوض شهيدًا وآلت الرئاسة بعده لـ الياس الهراوي. كان عهد الهرواي تأسيسًا لعهد الوصاية وكان التمديد له تمديدًا لهذا العهد وإمعانا بانتهاك الدستور والمؤسسات، تمامًا كما حصل مع عهد خلفه الرئيس إميل لحود.

لقد انهار عهد لحود مع خروج جيش الإحتلال السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 ولكنه أكمل ولايته حتى انتهائها في 24 تشرين الثاني 2007. عامان وأكثر من الفراغ سلّم الرئاسة بعدهما إلى الفراغ.

كان قدر العماد ميشال سليمان أن يتسلّم الرئاسة بعد عملية 7 أيار 2008 التي نفذها «حزب الله» وبعد إتفاق الدوحة. ضاع الكثير من ولاية سليمان بالبحث عن حكومات في ظل تفاهم «حزب الله» والعماد ميشال عون على التعطيل. كأن القاعدة باتت تعطيل موعد انتخاب الرئيس، لذلك خرج من قصر بعبدا وبقيت الرئاسة من دون رئيس.

عندما تم إنتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ساد إعتقاد أن الرئاسة القوية قد أتت. ولكن بدل أن يكون العهد قويًا رزح تحت طائلة سياسة صهر الرئيس الوزير جبران باسيل. كأن العهد دفع ضريبة قاسية وانتهى قبل أن يحين موعد نهايته في 30 تشرين الأول 2022.

منذ 17 تشرين الأول بات العهد فاقدًا للسلطة تقريبًا إلا في ما يتعلق بتوقيعه الرئاسي الدستوري. بدل أن يستخدم هذه الصلاحية للإنقاذ إستخدمها للتعطيل. ربما كانت ثورة 17 تشرين موعدًا مع إعلان جديد لاستقلال جديد. ولكن في وجه هذا التغيير الكبير الذي يمكن أن ينقذ لبنان ويؤسس لاستعادة حقيقية للدولة ولدور المؤسسات، يصادر «حزب الله» مع الوزير جبران باسيل هذا الحلم. يفضّلان أن تقع الكارثة على حساب الجميع على أن يتنازلا من أجل مصلحة الوطن، ليبقى السؤال المحوري: كيف سينهي الرئيس عون عهده؟ وهل تنازل عن صلاحياته بدل أن يكون سيد هذا العهد الذي انتظر بلوغه طويلا؟

بعد 76 عامًا على الإستقلال ربما هي اللحظة المتاحة لتأكيد هذا الإستقلال ولاستعادة روحيته وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فهل ستنجح ثورة 17 تشرين في كتابة صفحة جديدة من تاريخ لبنان؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل