واشنطن لطهران في الشرق الأوسط: كش ملك

 

اسقاطاً لقول شعبي مأثور على واقع الازمة السياسية في لبنان: ان اردت ان تعرف اسبابها عليك ان تعرف ما يحصل في الملف الايراني. فالحقيقة التي لا يشير اليها الكثيرون ان اللحظة الحالية هي من اشد لحظات الخطر والتأزم على خط الملف الايراني بدء من الملف النووي وانتهاء ببدء مرحلة تراجع النفوذ الايراني في المنطقة ولا سيما في البلدان التي اعتبرتها طهران حدائق خلفية لها كالعراق واليمن وسوريا ولبنان.

قراءة مختصرة ومتأنية للمشهد الايراني عامة، تحملنا على تسجيل الاتي:

أ – في الداخل الايراني: انتفاضة بدأت بوادر تحولها الى ثورة شعبية تحت شعار لقمة العيش وارتفاع سعر البنزين في الدولة الثالثة عالميا المصدرة للنفط.

فما يحصل في ايران حاليا لدليل قاطع على امرين: الاول تحول الرأي العام الايراني ضد سياسة الحكومة الإيرانية، بفعل الفشل الاقتصادي والمالي الذريع. والثاني سقوط هيبة نظام الملالي في ظل انقسام المعارضة بين عرب الاحواز والبلوشيين والفارسيين وعدم اتفاقهم على قيام جبهة معارضة قوية موحدة وشاملة ضد النظام، في ظل اكتساب الانتفاضة كل يوم المزيد من الضحايا، وسط تعتيم اعلامي ـ سيبيري شبه مطبق لمنع خروج الاخبار الى العالم.

لكن في هذا الإطار، يخطئ من يظن ان اوان سقوط النظام في ايران قد حان، اذ لا مجال حاليا لسقوط النظام لأسباب عدة ليس اقلها عدم رغبة الاميركيين والغرب بانتشار الفوضى المهددة لأمن الملاحة في الخليج لا سيما في مضيق هرمز الذي يشكل 30% من تصدير النفط في العالم، كما لسبب استراتيجي اميركي اخر بعدم الرغبة في تغليب فريق اقليمي على اخر، وتحديدا رغبة الاميركيين بالاحتفاظ بتوازن قوى اقليمي بين العرب (خصوصاً الخليجيون) والجمهورية الاسلامية الايرانية.

ب – في العراق: التحول الدراماتيكي للثورة العراقية ضد حكومة عبد المهدي من خلال استهداف تظاهرات إيران وارتفاع اصوات المعارضة لنفوذها في العراق وصولا الى ظواهر خطيرة لم يشهد العراق مثيل لها كما احراق القنصلية الايرانية في النجف موئل الرمزية الدينية حيث الحوزة العلمية ومقر اقامة المرجع الاعلى علي السيستاني على وقع هتافات “إيران برا”.

فالعراق بدأ يتفلت من قبضة النفوذ الإيراني، ما يضعف احدى اوراق إيران الاساسية في المنطقة وفي الصراع مع الغرب وفي مقدمته الاميركيين، ومن هنا يمكن فهم موقف الفريق العراقي الموالي لإيران في اعتباره ان ما يحصل من تعاظم للحراك ليس بريئا بل مخطط اميركي محكم لزعزعة قبضة التأثير الايراني على العراق، خصوصاً ان من يقوم بهذه الثورة اساسا العراقيون الشيعة وجنوب العراق المعروف لونه المذهبي.

فالأميركيون متهمون بتخطيطهم لإلغاء الحشد الشعبي واسقاط حكومة عادل عبد المهدي الذي تجرأ بنظر واشنطن على معارضة العقوبات الاميركية ضد طهران والسماح لقوى الحشد الشعبي بالتمدد داخل مؤسسات الدولة العراقية وصولا الى افتتاح الحكومة العراقية معبر القائم – البوكمال الحدودي بين العراق وسوريا استجابة لطلب طهران لربط الاخيرة ببغداد ودمشق وبيروت.

ج – في اليمن: وفي ظل سقوط المشروع الايراني – الحوثي بالاستيلاء على النظام وحكم البلاد ونجاح المصالحة الجنوبية بين الشرعية والانتقالي اليمني وتوقف التدخل الاقليمي في الشأن اليمني ما أفقد ايران ورقة اليمن الاستراتيجية وافشل بالتالي تأثيرها المباشر والكامل على الوضع والحكم في اليمن.

د – في سوريا: فشلت طهران في الاستئثار بالورقة السورية مع دخول الشريك الروسي القوي على خط الحرب الاهلية ومن ثم ادارته الريادية للتسوية السياسية، في ظل تنسيق مع الاميركيين، وتقاسم مناطق نفوذ تحفظ لواشنطن سيطرتها على المنطقة الاقتصادية الهامة شرق الفرات، او ما يعرف بسوريا المفيدة، وحماية امن اسرائيل من المد الايراني العسكري الذي كاد يصل الى ابواب اسرائيل الشمالية ـ الشرقية عبر الجولان.

فموسكو وان راعت مصالح طهران في اية تسوية في سوريا الا ان تقاسم الروس معها الكعكة السورية، الى جانب انقرة، ومن وراء الكواليس واشنطن، اخرجت الورقة السورية من يد طهران التي كانت تطمح بإدارة سوريا مع حليفها بشار الاسد لاستكمال الهلال الشيعي من جهة ولتهديد امن اسرائيل من جهة ثانية.

ه – لبنان: وهنا نصل الى بيت القصيد، إذ ان لبنان لطالما اعتبرته طهران ورقتها القوية الى جانب الورقة العراقية، خصوصاً مع وجود فرعها العسكري ـ الاستراتيجي الاقوى الا وهو حزب الله والذي نجح في تهديد امن اسرائيل وبالتالي جسد لسنوات القبضة العسكرية الاشد في مواجهة العدو والولايات المتحدة من ورائه.

فطهران اليوم في لبنان محاصرة سياسيا من خلال محاصرة حزب الله بعدة عوامل اهمها:

اولا: الانتفاضة الشعبية او الثورة التي اندلعت بتاريخ 17 تشرين الأول، والتي باتت يوما بعد يوم الرقم الصعب الذي يصعب تجاهله او تجاوزه، خصوصاً مع فشل اساليب السلطة المدعومة من الحزب في الترغيب والترهيب بدء من اقتراح التفاوض مع ممثلين عنها وصولا الى انزال شارع مقابل شارع وافتعال تصادم طائفي ـ مذهبي لإسقاط الحراك او شله في احسن الاحوال.

فالتحدي الاساسي الذي يواجهه حزب الله هو مطالب الحراك لا الحراك بحد ذاته، اذ ان حكومة تكنوقراط مستقلة نقيض حكومة تضمن مصالح الحزب وبالتالي مصالح طهران فضلا عن مكافحة الفساد الذي سيؤدي، ان حصل، الى جر حلفاء كثر للحزب والذين كانوا يغطون وجوده السياسي ومشروعه المقاوم، للمحاسبة والخروج من الحياة السياسية والوطنية.

ثانيا: الانعطافة الاوروبية ضد حزب الله، وحديثا موقف المانيا المستجد باعتبار حزب الله إرهابيا، ما يؤشر الى انضمام اوروبا الى وجهة نظر واشنطن بعدما كانت اوروبا ولا سيما فرنسا والمانيا لا تزال تبقي التمييز البريطاني بين الجناحين السياسي والعسكري.

فموقف المانيا يخالف التفاهم مع الفرنسيين، ما سيضطر باريس الى الالتحاق بالموقف الألماني، خصوصاً أن وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لو دريان كان واضحا في كلمته امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي، حين عدد مأخذ اوروبا على اداء الحكومة الايرانية وانتهاكات طهران للاتفاق النووي وتوتر العلاقة بين باريس وطهران، أخيراً.

ولعل هذا التحول الاوروبي ازاء حزب الله يترجم تحولا اوروبيا تجاه إيران – مع تهديد الاوروبيين لإيران بنقل كامل الملف النووي الايراني مجددا الى مجلس الامن الدولي بالاستناد الى الاليات المنصوص عليها ومنها الية فض النزاعات ما يعني امكانية اعادة فرض عقوبات على طهران خصوصاً بعد تشغيل طهران لمفاعل “فوردو”.

ثالثا: الحصار الاقتصادي والمالي والمعيشي الذي يعيشه لبنان والذي بدا ينعكس دراماتيكيا على خبز اللبناني وسعر صرف ليرته وودائعه المصرفية، في ظل اشتداد التضييق الدولي على لبنان للضغط على الخط الايراني السلطوي في بيروت، وللدفع باتجاه الاسراع في تشكيل حكومة ترضي الشعب.

ففي ظل هذه المشهدية الشاملة، يبدو جليا ان لبنان بات في عين العاصفة الإقليمية، والسلطة اليوم تدفع ثمن تحالفها مع الخط الايراني في المنطقة بدليل الرأي الغربي المكون من حركة الموفدين والذين خرجوا جميعهم بانطباع واحد مفاده ان الوضع اللبناني بات محكوما بالكباش الإقليمي، مضافاً اليه تعقيدات الوضع الداخلي ماليا واقتصاديا ومعيشيا. لبنان في عين العاصفة التي لطالما حذرونا منها، ومن هنا، فإن تشكيل حكومة جديدة ما دونها عقبات وتعقيدات تمتد من طهران الى واشنطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل