بشارة الخوري… بطل ثورة الإستقلال وضحية الثورة البيضاء (1)

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” العدد ـ 1701

بشارة الخوري (21/9/1943 – 19/9/1952)

بطل ثورة الإستقلال وضحية الثورة البيضاء والتجديد (1)

إتسمت عهود الجمهورية كلها بالأزمات، وإن تفاوتت بين فترة وأخرى بحسب الظروف والتداعيات. توالت تلك الأزمات وتوالدت، ما جعل لبنان بحق جمهورية على خط الزلازل، من المدمّر منها إلى الهزات الإرتدادية. ربما يعود ذلك إلى التركيبة الهجينة غير المتراصة منذ تأسيس الجمهورية، وربما يعود إلى الموقع الجغرافي وسط شرق مضطرب. وفي جميع الحالات ثمّة أداء لم يكن سليما بما يكفي لتجنيب البلاد ما حاق بها من مخاطر وما داهمها من ضيق وتدخّلات.

عهد الرئيس بشارة الخوري إفتتح هذا الجو الملبّد من الغرب ومن الشرق.وواجهته مصاعب سياسية تمثلت أقله في قضيتين كبيرتين:أولاهما قضية فلسطين، مع ما استلزمته من عدم الخروج على الإجماع العربي ومداراة التوازنات الداخلية. والثاني مواجهة إنقلاب الحزب السوري القومي الإجتماعي وما رافقه من أعمال عُنف. غير أنه كان عهد البدايات الصلبة والتأسيس لمراحل لاحقة من العمل الرسمي والإداري، والأهم أنه كان عهد الإستقلال…

عهد الرئيس بشارة الخوري يمكن وصفه بحق بأنه كان عهد الأزمات والتضحيات والنجاحات. هو عهد الإستقلال الأول مع ما رافق ذلك من تجاذب داخلي على خلفيات مبدئية وسلطوية، ومعاناة طويلة مع سلطات الإنتداب الفرنسي الرافضة أحيانا للإستقلال أو الرافضة أقله للآليات المعتمدة لتحقيقه.

الإشكالية الثانية البارزة بعد نيل الإستقلال أو بموازاته، كانت أيضا إدماج لبنان في محيطه العربي غير المستقر المواقع والشرائع. والمسألة كانت متشعّبة سواء في المحيط الأقرب بين مناصري الوحدة مع سوريا ورافضيها، أو في المحيط الأبعد بما يخص مسائل الهوية العربية من جهة والشخصية اللبنانية المتمايزة عبر العصور حتى في أشدها وطأة من المماليك إلى العثمانيين. لكن يُسجَّل لرجالات ذاك العهد أنهم تحلّوا بما يكفي من الوطنية والرصانة والتخلي عن الشخصانية، لولوج تلك المرحلة الدقيقة بنجاح ولو نسبي على الرغم من الصعوبات والضغوط. وكأن ما كان ينقص ذاك الوضع المشوّش المتشابك أزمات حتى حلّت النكبة بفلسطين في العام 1948 وكان الرئيس بشارة الخوري لم يُتمَّ عهده بعد ولم يشتد عضد الجمهورية الوليدة، فاصابها ما أصابها من الوهن والإرتباكات.

بدايات وحكايات

في أيلول من العام 1943 تم انتخاب أول مجلس نيابي بعد الإستقلال. وفي 21 منه عقد المجلس الجديد جلسته الأولى وترأسها جورج زوين رئيس السن وانتخب صبري حماده رئيسا له. ثم بدأ الإقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية فنال بشارة الخوري 44 صوتا وكانت هناك ثلاث ورقات بيضاء. وغاب عن الجلسة إميل إده وبعض نواب الكتلة الوطنية ونواب مستقلون. ذاك المجلس وهو الخامس بين مجالس دولة لبنان الكبير، كان الأول المنتخب بجميع أعضائه الـ 55 أي أنه لم يتضمن أعضاء معينين على غرار ما كانت عليه المجالس السابقة للإستقلال. وهكذا انطلق عهد الرئيس الذي قال بُعَيد انتخابه بما يعبّر عن صعوبة الوضع وإدراكه مدى العمل المنتظر: «من الدقيقة الأولى تجلّى أمامي عظيم المسؤولية، ولم أشعر بنشوة الظفر بقدر ما شعرت بالتبعات الجسام الملقاة على عاتقي، شأني في جميع الظروف السارة».

حتى طريق الإنتخاب لم تكن سهلة وممهّدة، بل شابتها التجاذبات كما يجري في أية عملية إنتخابية، فكيف بظروف إنتقالية كالتي كانت سائدة يومها. فالتنافس كان على أشده بين الرئيس إميل إده والشيخ بشارة الخوري، فيما كانت هناك أسماء أخرى مطروحة من دون أن تكون على الحلبة، بينها كميل شمعون الذي لم يكن مقبولا بأي حال من الفرنسيين نظرا إلى قربه من الإنكليز. وفي النهاية رضخ الجميع لمشيئة الأكثرية النيابية التي كانت بجانب بشارة الخوري… وصار هو الرئيس.

في الطريق إلى الجمهورية

كما طريق الإنتخاب، كانت طريق الحكم غير ميسّرة. فبعد تكليف رياض الصلح بتشكيل الحكومة طلب إليه الرئيس أن يسعى لحكومة إئتلافية. تشكّلت الحكومة بموجب المرسوم رقم 2 تاريخ 25 أيلول سنة 1943. نالت الحكومة الثقة بالإجماع وامتناع واحد. وأعلنت الحكومة الأولى في بيانها الوزاري: «أن لبنان دخل مرحلة جديدة، وأن هذا العهد هو عهد الاستقلال، كما جاءفي البيان الوزاري إنها ستبادر بالتعاون مع المجلس النيابي لإصلاح الدستور اللبناني بحيث يصبح ملائماً لمعنى الاستقلال الصحيح وإلغاء المواد التي لا يتفق وجودها وقيام الاستقلال ومنها ما يجعل لغير اللبنانيين مشاورة في تسيير شؤونه…»

بالتوازي واجه الرئيس والحكم عموما مسألة توقيع معاهدة فرنسية – لبنانية تكون بديلا من الإنتداب. لكن الأمر لم يكن مقبولا من اللبنانيين، وقد عبّر الرئيس عن هذا التوجه بقوله للمسيو هللو: «إن مصلحتكم تقضي بعدم التمسك بثوب الإنتداب البالي ولا بأهداب معاهدة مستحيلة الوقوع في هذه الظروف العالمية». وتوالت الأحداث مع توالي الأيام على طريق بناء الجمهورية الجديدة. هي أزمات صغيرة أحيانا، ولكنها مشاريع كبيرة في مسار طويل، كان لا بد له من سلوك التعرجات وتخطّي العقبات.

ولم تكد بعض الأمور تأخذ طريقها في المسلك الآمن، حتى أطلّت ورشة تعديل الدستور التي أجّجت الخلاف مع فرنسا. ففيما كانت الحكومة اللبنانية بل الرئيس بشارة الخوري شخصيا يدرس المواد الدستورية الواجبة التعديل لتنقيتها من كل ما يعطي صلاحية للإنتداب، كان المفوض الفرنسي يُبدي تشدّدا أكبر حيال الموضوع.

وكان من بوادر إرساء السلطة القوية، أن لا الرئيس ولا سائر أركان الحكم رضخوا للضغوط ولم يتم إرجاء الجلسة، بل حصلت في موعدها المحدد تمامًا. وتم التصويت بإجماع الحاضرين على التعديلات المقترحة، فانتقلت معركة التأجيل إلى توقيع القانون ونشره، لكن هذا أيضا لم يتم، فوقّعه الرئيس فورا ونُشِر في عدد خاص من الجريدة الرسمية، وأصبح معمولا به ابتداء من يوم الثلاثاء في 9 تشرين الثاني من العام 1943، «وانقطعت كل مخابرة مع الفرنسيين مباشرة أو بالواسطة».

راشيا: بابٌ إلى وطن جديد

هذا التأزم مع سلطات الإنتداب دفع الفرنسيين إلى اتخاذ إجراء زجري بحق السلطة اللبنانية، فاعتقلت في 11 تشرين الثاني أركان الحكم وسجنتهم في قلعة راشيا وهم: بشارة الخوري رياض الصلح كميل شمعون عادل عسيران حبيب أبو شهلا سليم تقلا عبد الحميد كرامي.

تحت ضغط التظاهرات، خصوصًا في ساحة الشهداء، وبعد إنتقال مقر الحكومة الى بشامون وثبات المعتقلين على التمسك بالإستقلال التام، تم إطلاقهم في 22 تشرين الثاني الذي أصبح تاريخ الإستقلال. وشيئا فشيئا عادت عجلة الدولة إلى العمل وأمامها الكثير من المهمات. وفي الأول من كانون الأول عقد المجلس النيابي جلسته الأولى بعد تلك الأحداث. واستُكملت بعد ذلك عملية تسلّم المصالح المشتركة من الفرنسيين، الأمر الذي ولّد في بعض محطاته تجافيا واختلافا بالرأي مع السوريين. وهذه بدورها ولّدت أزمات واتفاقات.

أما أهم إتفاقيات نقل السلطة فكانت الإتفاقية المالية الجديدة التي ضمنت قيمة الليرة اللبنانية حتى لو تدنّى الفرنك الفرنسي. وتوالت الأعمال الحكومية داخليا وتوسّعا إلى ترتيب العلاقات مع المحيط العربي. غير أن هذا المسار في المجمل كانت تشوبه من وقت لآخر بعض الإشكالات والحوادث العابرة.

هذه القضايا على أهميتها لم تحجب الإهتمام عن الهدف الأساس وهو مسألة الجلاء التي وصفها الرئيس بشارة الخوري بـ»القضية الحيوية». ففي 14 كانون الثاني من العام 1946 طلب وزير إنكلترا المفوّض مقابلة رئيس الجمهورية ومعه الجنرال باجيت القائد العام للقوى البريطانية في الشرق فاستقبلهما، وحاول الفوز من القائد العام بتصريح رسمي يطمئن إلى قرب الجلاء. غير أن الرئيس لم يُفلح في ذلك لأن ثمّة غموضا كان يكتنف نصوص الإتفاق بين بريطانيا وفرنسا كشفه له باجيت. تضاف إليه مذكرة الوزير البريطاني المفوّض المرسلة من حكومته وفحواها أن الحكومة البريطانية كانت قد تعهدت في 15 كانون الأول 1945 بعدم إخلاء الأراضي السورية واللبنانية من جيوشها قبل أن تخليها الجيوش الفرنسية.

وما أن أعطيت الـتأكيدات من الحكومة اللبنانية بتسهيل عمليات الجلاء وقبِل المسيو بيدو مبدئيا بتقديم تاريخه، حتى وقفت الجهة العسكرية الفرنسية موقفا معاكسا ما أخّر بعض مراحل التنفيذ من غير أن يلغيه طبعا. «ولم ينتهِ شهر آب من العام 1946 إلا ومعظم القوى المحاربة قد جلت عن البلاد ومعها أسلحتها ومعداتها، بعد أن قدّم الجيش اللبناني المساعدات المطلوبة منه وزاد عليها بغية الإستعجال». وما أن انتهت مفاوضات الجلاء حتى انطلقت مفاوضات التمثيل الديبلوماسي بين البلدين معلنة رفع مدماك آخر في صرح الجمهورية الوليدة. ونتيجة لهذه المفاوضات تم تعيين أرمان دي شيلا مندوبا فوق العادة ووزيرا مفوضا لفرنسا، شأنه شأن سائر الدول الصديقة، وتمّت بذلك آخر مرحلة من مراحل الإستقلال. ورُفعت على صخور نهر الكلب اللوحة الشهيرة التي كُتِب عليها حفرًا في الرخام: «في 31 كانون أول 1946 تمّ جلاء جميع الجيوش الأجنبيّة عن لبنان في عهد فخامة الشيخ بشارة خليل الخوري رئيس الجمهورية».

(يتبع)

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل