إيران مركز الأزمات… والحروب

قبل الثورة الإيرانية عام 1979، لم يشكل الخليج يوماً مركزاً للأزمات الساخنة، أو مصدراً للإرهاب والحروب المحدودة أو الشاملة، لكن بنجاح الثورة الدينية في الاستيلاء على السلطة في إيران، تحوّل الخليج، ومعه الشرق الأوسط، إلى المنطقة الأكثر سخونة في العالم.

لماذا هذا التحوُّل؟

السبب الأساسي لهذا التحوُّل يكمن في الفكر التوسعي الجديد الذي حمله القادة الإيرانيين الدينيين الجدد، في حلم بناء إمبراطورية فارسية تسيطر على منطقة الشرق الأوسط، وتجلس بعدها إلى طاولة الكبار في العالم. ارتكزت الاستراتيجية الإيرانية الجديدة على عاملين، أحياناً متناقضين: الأول مذهبي شيعي، يشكل لها أذرعاً عسكرية في بعض بلدان الشرق الأوسط (السنّة)، والثاني إتِّهام الدول العربية (السنة) بالتنازل عن القضية الفلسطينية.

بعد حربها الدموية (ثماني سنوات) مع العراق، انتقلت إيران إلى تشغيل أذرعتها العسكرية في لبنان وسوريا والعراق واليمن وقطاع غزّه، وهكذا انكشفت معالم إمبراطورتيها المنشودة، على شكل هلال يبدأ في لبنان على البحر المتوسط وينتهي في اليمن على مضيق باب المندب، مركزه طهران وطلائعه قطاع غزّه، لتطويق العالم العربي وتسهيل الانقضاض عليه.

هذه الإمبراطورية “الحلم”، تحاول إيران دعمها بحيازة سلاح نووي خلافاً لكل الاتفاقات الدولية التي تمنع انتشار الأسلحة النووية، وباعتماد الإرهاب حول العالم عبر بعض أذرعتها العسكرية. وهكذا توضّحت خطورة الفكر التوسعي الإيراني على السلام في الشرق الأوسط والاستقرار الدولي. فكانت المواجهة العربية ـ الفارسية فوق الساحات السورية والعراقية واليمنية والبحرين وغزّة، ثم تطورت إلى مواجهة أميركية ـ إيرانية حول حيازة الأسلحة النووية والإرهاب.

المواجهة الأميركية ـ الإيرانية أرادها الرئيس الأميركي اقتصادية، باعتبارها الأقل كلفة على الشعبين الأميركي والإيراني والأكثر إيلاماً للنظام. ففرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران لإجبارها على الدخول في مفاوضات مباشرة مع الإدارة الأميركية، لإعادة النظر بالاتفاق النووي، وتحجيم دورها في الإقليم المرتكز على الأذرع العسكرية والإرهاب.

الرد الإيراني

الردُّ الإيراني الأول على العقوبات جاء عسكرياً مدوزناً تحت سقف خفيض، بعد عجزها على مواجهة العقوبات، فأقدمت على إسقاط طائرة عسكرية أميركية مسيرة، في محاولة منها لاستدراج ردٍّ عسكري أميركي متناسب هي بحاجة إليه أمام شعبها، يسمح لها بتعويم النظام بعدما أنهكته العقوبات وكشفته تجاه الإيراني. لكن الإدارة في واشنطن أبت أن تمنح النظام هذه الفرصة، فاستوعبت قضية إسقاط الطائرة دون أي ردٍّ، واكتفت بتشديد العقوبات على إيران.

الردُّ الإيراني الثاني جاء بعد فشل أهداف الردِّ الأول، عندما رفعت منسوب المواجهة العسكرية، فوجّهت وابلاً من الطائرات المسيرة الملغومة والصواريخ، إلى منشآت شركة “أرامكو”، مستهدفة بذلك المملكة العربية السعودية والاستقرار النفطي العالمي. واستمرت الولايات المتحدة الأميركية بالتزام الصمت مع تعزيز الدفاع عن المنطقة الشرقية في السعودية حتى كتابة هذه الأسطر.

خيارات واشنطن

خيارات واشنطن المفتوحة عديدة. نبدأ بالأعلى البعيد الاحتمال، إذ بفضل آلتها الحربية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط، يمكنها “ترميد” إيران و”تسطيحها” وإعادتها إلى العصر الحجري. لكن واشنطن لا ترغب في تدمير إيران، إنما إعادتها إلى حدودها الداخلية، وإجبارها على التخلي عن فكرة بناء إمبراطورية مستندة إلى القوة والإرهاب، وذلك بإجبارها على الدخول في مفاوضات تعيدها حتماً إلى حدودها الداخلية. بعد إسقاط هذا الحل الأقصى، نرى الولايات المتحدة الأميركية متأرجحة بين حلّين: إما أن تكتفي باستيعاب ضربة أرامكو بتعزيز الحصار القاتل لإيران، أو توجيه ضربة عسكرية محدودة وموجعة لإيران يستفيد منها النظام بتعويمه في الساحة الداخلية، بعد أن يتحوّل الخطر من عقوبات اقتصادية بسبب ممارسات النظام المرفوضة أصلاً من الشعب الإيراني، إلى خطر عسكري هجومي على الأمة الإيرانية وكرامة شعبها كما يسهل على النظام تسويقه لاحقاً ليمارس قمعه من جديد ويشدد قبضته على الشعب الإيراني.

في رأيي لا يمكن لواشنطن هضم إسقاط الطائرة ثم استهداف أرامكو من قبل إيران دون ردٍّ عسكريٍّ ما. لكن الرد العسكري الأميركي، إذا حصل، سيكون جراحياً موجعاً ومحدوداً حتى لا يمنح النظام عناصر التعويم.

ميزان القوى

مقياس التوازن بين الجيش الإيراني والقوات الأميركية في الخليج مفقود؛ لأن هذا الميزان “يطبش” كليّاً لصالح القوات الأميركية.

بحراً، القوات الأميركية قادرة على إغراق الأسطول البحري الإيراني في وقت قياسي. جوّاً، سلاح الجو الإيراني عاجز عن الإقلاع من قواعده الجويّة، أو على الأقل الوصول إلى أجواء الخليج. القتال برّاً غير وارد، لأن الأميركيين ليسوا في صدد الدخول براً إلى الأرض الإيرانية. يبقى خطر الصواريخ الإيرانية، المشكوك بدقة إصابتها وبالتالي فعاليتها، لكن السيطرة الإلكترونية الساحقة للجيش الأميركي، القادر على “تقزيز” إيران، و”خربطة النخاع الشوكي” للجيش الإيراني خلال دقائق، بضربة إلكترونية “تشلُّ” كلياً مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات لهذا الجيش، كفيلة إما بمنع استخدام هذه الصواريخ أو على الأقل الحدّ من إصابتها أو بلوغ أهدافها إذا نجحت في الانطلاق. ويبقى بيد إيران سلاح الإرهاب غير المباشر، الذي لا يمكن استثماره بشكل مباشر في حرب محدودة، والذي سيرتبط مصيره بنتائج هذه المواجهة الشاملة بين الفريقين.

الاهتراء الاقتصادي في إيران بسبب العقوبات، والانتخابات الأميركية المقبلة، يفتحان الباب واسعاً على وضع جديد بين إيران من جهة، والقوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى، وبالتالي على شرق أوسط جديد يُنهي مآسيه المزمنة ويكون واعداً لشعوبه.

لقراءة المقال باللغة الانكليزية: إضغط هنا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل