حقيقة التعالي والتعامي

وسط هذه الحالة الجديدة التي عصفت في المجتمع اللبناني بعد تاريخ 17 تشرين الأول، يصر أهل السلطة على التصرف كما كانوا يتصرفون قبل هذا التاريخ. لكأن شيئًا لم يحدث، ولكأن عروشهم لا تزال ثابتة، ولم تهتز. هذان التعالي والتعامي ليسا في خدمتهم؛ عكس ما يعتقدون بأنهم يشترون الوقت بانتظار حدث ما.

لا بد من الوقوف وقفة تحليلية عند طريقة تفكير هؤلاء كلهم؛ وهي الطريقة التي تمرسوا عليها في مدرسة البعث السوري طيلة ثلاثة عقود خلت، فضلا عن مدرسة الباسيج التي لا تختلف أبدًا عنها، إذ تابعت مسيرة الخلف وكان السلف أسوء منه. من هذا المنطلق، طريقة العمل التي تواجه بها السلطة الحركة الثوروية اللبنانية ليست بجديدة أبدًا. فهذه الأساليب كلها قديمة، ولو بأسماء ووجوه جديدة: ملاحقات، واستدعاءات، واعتداءات جسدية وفيسبوكية وتويترية وغيرها، فضلا عن محاولات استنهاض الفتن بين المناطق المختلفة الانتماءات، ومحاولات خلق شارع مقابل شارع الثورة لافتعال المشاكل. هذه كلها باءت بالفشل لأنها قديمة، مهما حاولوا تجديدها؛ ولأن الوعي الأخلاقي، والسياسي، والحضاري، قد ارتفع منسوبه عند الجيل الجديد.

وعلى ما يبدو حتى هذه اللحظة أن جماعة السلطة لم تقتنع بعد بضرورة العمل ببراغماتية سياسية مع الواقع الذي استجد، إن من حيث استيعاب الحالة الجماهرية الجديدة، وحتى إن من حيث مواكبة هذه الحالة مع قواعدها الخاصة. لذلك، شهدنا في الأيام الماضية، وسنشهد في الأيام التي ستلي المزيد من التململ داخل بيئة السلطة. لا سيما في المناطق التي اعتادت على طاعة الزعيم العمياء.

ومن الملفت قراءة تقييمية لبيئة حزب الله التي شهدت هذه النهضة، إذ يشهد للحزب انتقاله إلى المرحلة الثانية من التعامل مع بيئته بعدما حاول بادئ ذي بدء ترهيب أهله وناسه بمساعدة حليفه السرمدي. لكنه اقتنع في نهاية المطاف بضرورة استيعاب أهله وناسه كي لا يخسرهم. لذلك نشهد حركة الثورة في أماكن وجود بيئة الثنائي الشيعي في تصاعد مستمر من صور إلى النبطية وبعلبك والهرمل وغيرها من المناطق.

إلا أن المفارقة الكبرى تكمن في شارع رئيس الجمهورية الذي نرفض المساس بموقعه وتحييده عن الانتقاد متى التزم بالدور الذي منحه إياه الدستور، أي الحكم. هذا الشارع الذي قد يكون يُستَخْدَم من حلفائه وليس انطلاقًا من توجيهات أهله وناسه بحد ذاتهم. لذلك شهدنا حكماءه ينتفضون ويكسرون بطاقاتهم، أو على الأقل صامتون يتململون في سرهم.

هذا التعالي عن الحقيقة وما استتبعه من موجات التعامي التي حاولت السلطة أن تمارسها على ذاتها بذاتها لن يفيد هؤلاء بل على العكس تمامًا، هو يضعف رصيدهم وسط بيئتهم نفسها، ويتركهم متضعضعين عاجزين أمام الحالة التي صعقت أبناءهم لدرجة وصلت بهم إلى تأليه زعيمهم متجاوزين بذلك الأعراف والتقاليد الدينية والمجتمعية كلها.

في نهاية المطاف، مسار التاريخ واضح وصريح، لا مواربة فيه. مهما طال ليل الظلم فشمس الحرية أسطع بكثير. على هؤلاء جميعهم الاتعاظ من تجارب تاريخ الشعوب، وليس انتظار حدث مبدل ما، أو قد يفتعلون هم بأنفسهم أي حدث مبدل كما حدث في العام 2005!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل