انتحر ناجي فانتعشت السلطة!

انتحر ناجي الفليطي ابن عرسال لأنه لم يكن يملك الف ليرة ثمن منقوشة لابنته! لأنه مديون بـ 700 ألف ليرة! لأنه لا يملك ثمن ادوية لزوجته المصابة بالسرطان. ضاق به الحال فقرر التحرر من حكم الارض ليلتحق بعدالة السماء. ظلمته الارض كثيرا هو والالاف الالاف مثله في لبنان. 700 الف ليرة قطعت ظهر ناجي، وفي ذات اللحظة التي كان يلف حبل المشنقة حول عنقه وروحه معلقة بين الارض والسماء، كان من يتحكّم بالسلطة في لبنان يحصي ارباحه المنتظرة من صفقة كهرباء جديدة، وصفقة مياه جديدة وكسارات جديدة وشحنة مرفأ ومطار جديدة، ولعابه يسيل بغزارة النهم فوق مائدة مال الحرام الفاحشة بالأطايب!

الثورة التونسية اندلعت فعلا يوم اشعل المواطن محمد بو عزيزي النار بجسده. مات الرجل وأزهر ربيع تونس. لكن تونس غير لبنان، هنا تشتعل الثورة منذ 47 يوما، صراخ الناس اخترق كل الاسوار والابراج العالية في كل العالم، كل العالم الا اسوار السلطة هنا، لم يكترثوا، سمعوا وادعوا انهم لا يسمعون، لا يعرفون، ويستغربون ماذا يجري. السلطة في لبنان من دون قلب، كلما صرخ الناس كلما استفحل فيها صوت التحدي. السلطة في لبنان لا تكترث لمصدر السلطات، اي الشعب، وحتى اللحظة لم تشبع من التهام الاخضر واليابس! السلطة في لبنان وحش مسعور جائع يريد التهام البشر قبل الاموال، ولا يهم من يموت ومن ينتحر ومن يتبقى ومن يرحل. سلطة بالأساس مش شبعانة، فكيف ستعتمد سياسة اشباع المواطنين؟

أخطأ ناجي ابن عرسال وما كان عليه الانتحار، لمن وهب موته؟ لاجل من خسر حياته؟! لمن ترك الزوجة والابناء تنهش لحمهم الطري سلطة جائعة تنهش خيرات وطن؟! مات ناجي وهم احياء يعيشون بنعيمهم، لم يبدِ اي منهم اي أسف ولا حتى كلمة مجاملة معسولة بالنفاق. لم تهتز ضمائرهم بطبيعة الحال، وها هم اكثر من مليوني لبناني يصرخون بوجهها يوميا ولا تبالي!!

احيانا اقول ان هذه الثورة لن تنجح ما لم تبلّ يديها بوجه مسؤول، تضربه نعم، وهذه ليست دعوة للعنف انما للحق، علّ الضرب الذي نتلقاه يوميا في شوارع الثورة يوجَه مباشرة الى وجوههم، علهم يسمعون حينها هؤلاء الجبناء الصغار القتلة.

اخطأت يا ناجي حين سلبت بيديك حياتك، لا يحق لك اساسا الانتحار، الرب هو من يمنح الحياة والموت، واصطفل فوق انت وربك والحساب، لكن هنا على الارض منح موتك اللصوص اندفاعا اكبر للمضي في لصوصيتهم بدل أن يردعهم.

تصوّر يا اخي المنتحر الى اي قعر انحدرت الانسانية في لبنان، لدرجة ان عندما يختار مواطن الموت طوعا هربا من وضعه، تعتبر السلطة انه مصروف بالناقص، وانها ادّخرت ما كان يحق له لتدخله من ضمن ارباحها. الانسان مجرد رقم في مفهوم السلطة في لبنان يا صديقي المواطن المنتحر، وليس انسانا كما شاءه الرب ان يكون على صورته ومثاله… آه.

على فكرة وبعد رحيلك بساعات قليلة، اخبرونا ان صار لنا اكثر من اله، واحد في السماء وآخرون على الارض، ومن لا “يعبد” مجموعة الالهة تلك معا بالتساوي وبذات القوة وحرارة الايمان، فجهنم السلطة سيفتح عليه جحيما اكبر بعد مما هو حاصل الان تماما!

ما كان عليك الانتحار يا ناجي العرسالي، اذ خسرت تلك الفرصة في ان تعبد كل تلك الالهة مجتمعة هنا على الارض، فاكتفيت باله واحد آمين، لتجلس بقربه في خانة المظلومين والضعفاء، وتروّح عليك متعة اكتشاف ان يكون الاله متجسدا شخصيا في سلطة ارضية، مع فارق بسيط مساحته من هون للسما، ان آلهة الارض يستعبدون وطنا ليكتنزوا ولا يشبعوا من خيراته، واله السماء صانع كل ذاك الخير، صار هو بدوره يتعرّض على مدار الثواني للقرصنة ولسرقة خيراته، واحتكار ابداعه وسرقة ملكيته الفكرية، في اجتراع الاعاجيب! وهنا بالذات اسال نفسي، ما بعرف اذا اخطأت معك سيد ناجي ، لعلك احسنت في اختيار موتك، في حين نعيش في لبنان مع أموات احياء كثر في الشهادة والتضحية، واحياء اموات في السلطة يستعبدوننا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل