كميل شمعون… نضال وبحبوحة ومشاريع ومواجهات (1)

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد ـ 1701

كميل شمعون (23/9/1952 – 22/9/1958)

نضال وبحبوحة ومشاريع ومواجهات (1)

أن تكتب عن كميل نمر شمعون يعني أن تكتب سيرة مغامر أبحر في زورق وطن ليزرعه على شواطئ العالم.

أن تكتب عن مارد وقف في وجه اعاصير التدخلات الخارجية والرياح الناصرية والعروبية بصدر من صخر فذلك هو المقاوم كميل نمرشمعون .

أن تكتب سيرة عهد تكلل بالبحبوحة وشق الطرقات وارتفاع الجسور وإضاءة أعمدة بعلبك فهذا يعني أيضاً عهد مهندس الرقي والجمال كميل نمر شمعون.

معلّم النظام والأناقة والسحر، لا ولم ينكسر، لا ولم يُهزم، لا ولم يهادن. كلمته كانت كلمة، وقراره لا يحيد عنه. لم يساير يوما، ولم يتراجع بتصريح واحد. هو الممتلئ حباً بلبنان، كان يقلب المعادلة ويبدل الموازين ويخلط الأوراق فاستحق لقب فخامة رئيس الفعل وليس رد الفعل، والسدّ المنيع والمنقذ، المهاجم والرادع في آن معاً، وأيضا المتّهم والمدّعي العام عموماً.

هو كل ذلك أو قل هو النمر الساحر ورجل الحزم والمناور بتفوق وكفاية الذي أتقن كيفية مغالبة الثعالب.

بكلمة هو الرئيس النمر الذي بدأ عهده بثورة بيضاء وانتهى بثورة دموية. فما هي قصة عهد الملك المقاوم كميل نمر شمعون؟

في 23 أيلول من العام 1952 كان موعد إنتخابات الرئاسة في لبنان بعد استقالة الرئيس بشارة الخوري. وكان المرشحان البارزان كميل نمر شمعون وحميد فرنجية. غالبية الأصوات كانت لصالح حميد بك، وبدا انتصاره مؤكداً. فجأة وبسحر ساحر إنقلبت الموازين ووصل كميل شمعون إلى الرئاسة، بغالبية 74 صوتا من اصل 77 نائبا.  ما الذي غيّر الأحوال؟

لم يقترن اسم كميل شمعون مرة ببرنامج رئاسي أو سياسي.كأن الرئاسة في بيت كميل شمعون هي الرئاسة لكميل شمعون وحده، حتى بات الرئيس الدائم. هو الرئيس عندما كان في سدة الرئاسة، ورئيس الظل بعدما غادرها. ورئيس المسيحيين عندما كان سواه في رئاسة الجمهورية. كان كميل شمعون يحكم بإسمه لا ببرنامجه، وخارج الحكم كان يعارض ويستقطب بإسمه لا ببرنامج حكم بديل أو مناوئ.

في «الحلف الثلاثي» مع بيار الجميّل وريمون إده تمكن الرئيس شمعون من التعايش معهما بأعجوبة في الانتخابات النيابية عام 1968، لمواجهة مفاعيل مرحلة حكم فؤاد شهاب والتنسيق مع جمال عبد الناصرخصوصا مع صعود العمل الفلسطيني المسلح في لبنان.

حكم الرئيس كميل نمرشمعون بالسلطة الدستورية، وبعد بضعة أشهر على انتخابه في 23 أيلول 1952 إختلف مع  كمال جنبلاط في»الجبهة الاشتراكية الوطنية» التي رشّحته للرئاسة، إذ اتهمه الأخير بالخروج على برنامجها والإستقلال بالحكم والتفرّد بالسلطة. هو «الخصم النبيل» بحسب عبارة كمال جنبلاط، وهو بعد سنين طويلة «الخصم اللذيذ» بحسب وريثه وليد جنبلاط.

على هامش مشاورات تأليف حكومة رشيد كرامي عام 1984 طُلِب من الرئيس شمعون توزير داني بديلا منه مع وليد جنبلاط ونبيه بري في مرحلة ما بعد إلغاء «اتفاق 17 أيار»، فكان جوابه: «هلق وقت توزير ولاد؟…».. ذلك ما فعله كميل شمعون تكراراً من غير أن يقول ببرنامج. وقبل شهرين من إنتهاء ولايته إختار وزيره المفضّل سليم نسيب لحود مرشحاً لخلافته فلم يقبل به الأميركيون. وفي 13 آب 1970، أي قبل أربعة أيام من موعد الانتخابات الرئاسية ترشّح، إلا أن الحسابات الدقيقة لجوزف سكاف دفعته و»الحلف الثلاثي» الى مركب مرشح آخر قوي في مواجهة الياس سركيس هو سليمان فرنجيه.

بقي شمعون رئيس الظل في عهد سليمان فرنجيه، وخصوصاً في أولى سني الحرب (1975 – 1976)، حيث سكن موقتاً في قصر بعبدا بعد إحتلال الدامور ومغادرته قصره في السعديات على متن طوافة عسكرية. ومن قبل هو رئيس الظل في عهد فؤاد شهاب الذي لم يتردّد في محاصرته وإسقاطه في الانتخابات النيابية عام 1964، لكن الرجل بقي متقدماً في صفوف القيادة والزعامة. ويذكر الشهابيون القدامى أنهم كانوا يطلبون من التلفزيون الرسمي في القداديس التي يحضرها فؤاد شهاب توجيه الكاميرا عليه لتصويره في مقدم الصفوف هو يرسم شارة الصليب بغية إجتذاب المسيحيين الى رئيسهم غير المحبوب. فإذا بها تتوجّه الى الرئيس الفعلي للمسيحيين، أي إلى كميل شمعون الذي كان يجلس في المقعد الخلفي. وفي كل استحقاق رئاسي كانت له بصماته. فترشيح الياس سركيس عام 1976 لم يصبح جدياَ إلا بعدما أيّدته «الجبهة اللبنانية» بزعامة كميل شمعون، مع ان سوريا كانت أيّدته قبلها. ولم يكتسب ترشيح بشير الجميل شبه الإجماع المسيحي إلا بعد تلاوة كميل شمعون بنفسه بيان تأييد «الجبهة اللبنانية» لهذا الترشّح بعدما كان يتجه إلى ترشيح نفسه. وبعد اغتيال بشير الجميل عاد مرشحاً ولكنه بفعل المعطيات عاد وانسحب لمصلحة النائب أمين الجميل.

عهد البحبوحة

تميّز عهد الرئيس كميل شمعون  بالرخاء الاقتصادي والبحبوحة والإستقرار الأمني، وحقّق إصلاحات إدارية عديدة، كما حرر القضاء من الضغوط السياسية، ودعم حرية التعبير والإعلام اللبناني. إلا ان عهده أُصيب بانتكاسة بعد سقوط غالبية معارضيه المدعومين من الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الانتخابات العامة عام 1957، وواجهته تحركات شعبية ضد علاقته مع واشنطن تخوفا من التمديد لنفسه. لكن معارضيه فشلوا في إسقاطه بسبب تماسك حلفائه وفي طليعتهم حزب الكتائب ورئيس الحكومة سامي الصلح، وظل في منصبه حتى نهاية عهده.

منذ انتخابه إعتمد الرئيس شمعون سياسة خارجية معتدلة مستوحاة من الميثاق الوطني، أي سياسة الإنفتاح على العالم العربي. لكن سياسة لبنان الخارجية بدأت تواجه منذ العام 1954 تحديات على الصعيدين الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل سياسة الأحلاف التي أخذت تنهض في تلك الفترة، وأبرزها حلف بغداد في العام 1954، ثم مشروع أيزنهاور في العام 1957، فاختار شمعون الإنضمام إلى هذا الحلف، الأمر الذي اعتبره معارضوه إنقلابا على ميثاق 1943، وكان مقدمة لأزمة كبرى، خصوصاً مع إتهامهم له بأنه يرغب في تجديد رئاسته. ويقول الوزير والنائب الراحل يوسف سالم: «أدرك اللبنانيون العقلاء والشخصيات المعتدلة خطورة الحالة وخطرها، وأيقنوا أن كميل شمعون لم يبعد عن المجلس النيابي أقطاب المعارضة والزعماء السياسيين إلا ليعمل على تجديد رئاسته في خريف العام 1958، كما أدركوا أنه إذا استمر اللبنانيون منقسمين، فإن هذا الإنقسام ينذر بشبه حرب أهلية تعرّض لبنان إلى خطر فادح». وعلى أثر ذلك، عُقد إجتماع في منزل يوسف سالم حضره بالإضافة إليه كل من بيار الجميل، وهنري فرعون، وشارل الحلو، وغسان التويني، والدكتور يوسف حتي، وبهيج تقي الدين، وجورج نقاش، ومحمد شقير، وجان سكاف، وغبريال المر، ونجيب صالحة، وقرر المجتمعون قيادة حوار بين جميع الأطراف والإتصال بأطراف السلطة والمعارضة، وأطلقوا على أنفسهم إسم «القوة الثالثة»، لكن سرعان ما انسحب بيار الجميل وشارل حلو، من دون أن يحددا الأسباب.

بدأت هذه القوة إتصالاتها مع الأطراف المختلفة، وكان اللقاء الأول مع الرئيس شمعون حيث طلبت منه إعلان عدم رغبته في التجديد في ظل هذا الجو المشحون بالقلق، فرد الرئيس بلهجة لا تخلو من الحدة وقال: «لا أستطيع أن أعلن ذلك، لأنني إذا لم أجد في الميدان مرشحاً يستطيع أن يكمل السياسة التي سرت عليها، عند ذلك أرى نفسي مكرهاً على العمل للتجديد».

وهكذا أفضى هذا الحوار إلى الفشل. كان كميل شمعون يواجه محاولة ضم لبنان إلى دولة الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا برئاسة جمال عبد الناصر في شباط 1958. ومنذ العام 1957 كانت المخابرات السورية والمصرية بدأت ترسل الأسلحة إلى أطراف المعارضة. كل ذلك أدى إلى إندلاع أحداث 1958 في أيار التي لم تتوقف إلا بعد نزول قوات المارينز في بيروت بعد نجاح الإنقلاب على النظام الملكي في العراق في 14 تموز. هذه الأزمة إنتهت سياسياً بانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، والذي كان أساسا من اختيار الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، ووافقت عليه الإدارة الأميركية التي عملت على تسويق ترشيحه من خلال مساعد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، روبرت مورفي الذي نصح شمعون بأن لا يفكر في تجديد ولايته، وعندما أعرب شمعون عن خيبة أمله من أصدقائه الأميركيين، أجابه مورفي: لن نجعل الناس تعتقد أن الأسطول السادس جاء لخدمة شخص… إن اللواء شهاب هو أصلح المرشحين في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها لبنان.. وهكذا كان.

(يتبع)

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل