.jpg)
عقد عضو كتلة الجمهورية القوية النائب جورج عقيص مؤتمراً صحفياً في مجلس النواب، لطرح رؤية التكتل وحزب القوات اللبنانية من منظومة مكافحة الفساد أيّاً يكن شكل السلطة الحاكمة، جاء فيه:
أحببنا ان نلتقي بكم اليوم زملائي وأنا، في الوقت الذي يكثر فيه اللغط حول مكافحة الفساد وانخراط الكتل النيابية في هذا الهمّ الوطني الكبير ودور كل منها فيه، لا لكي نتنقد خطوات الآخرين او ندخل في سجال عقيم مع احد، بل لكي نوضح للرأي العام، بعض الحقائق الثابتة التي لا بد من ايرادها بالاتساق بين بعضها البعض لكي يسهل فهمها من قبل الموطن العادي، ومن ثم لكي نطرح رؤية تكتل الجمهورية القوية وحزب القوات اللبنانية من منظومة مكافحة الفساد أيّاً يكن شكل السلطة الحاكمة وأيّاً يكن مصير الثورة المندلعة منذ اكثر من شهر ونصف.
ليس هدفنا اذاً رفع منسوب الاختلافات بين القوى السياسية، بل دراسة ما هو المطلوب فعلاً في مجال مكافحة الفساد بحيث تصبح خطواتنا كقوى سياسية تكاملية لا تنافسية، هادئة ومتزنة لا انفعالية مرتجلة.
واسارع الى القول ان المشكلة الأساسية في لبنان ليست في وجود او عدم وجود قوانين تكافح الفساد، بل المشكلة هي في النيّة الفعلية والجديّة لدى السلطة السياسية في مكافحة الفساد وفي قدرة الجهات المعنية واجهزتها البشرية وحياديتها واستقلاليتها وكفاءتها لاجراء هكذا عملية.
النصوص اذاً موجودة ومنذ زمن، لكننا تخلفنا عن تطبيقها او عرقلنا اصدارها، وعندما دقّت ساعة الحقيقة مع الشعب سارع البعض الى تقديم اقتراحات قوانين جديدة، كأن المشكلة في النصوص غير الموجودة، بدل المسارعة الى تنفيذ القوانين النافذة، حيث ان عدم تنفيذها هو جوهر المشكلة:
– نبدأ بقانون الاثراء غير المشروع رقم 154/1999 الذي احالت الحكومة مشروع قانون بتعديله بموجب المرسوم رقم 2490 تاريخ 3/7/2009. استمرّت مناقشة المشروع المذكور امام لجنة الإدارة والعدل حتى العام 2012، ومن ثمّ امام لجنة فرعية منبثقة من لجنة الإدارة والعدل حتى تاريخ 24/5/2017، ومن ثمّ امام لجنة المال والموازنة التي لم يتسنَّ لها ربما تحت ضغط مناقشة الموازنات العامة للأعوام 2017 و2018 و2019 مناقشته واحالته الى الهيئة العامة حتى تاريخه. الحرص على مكافحة الفساد يبدأ من تسهيل تمرير هذا القانون واقراره لأنه يشكل المظلّة العليا والإطار القانوني الأعمّ الذي من خلال تطبيق مواده. لا شك ان الرأي العام يستنتج ببداهة من هي القوى التي سهلّت مناقشة هذا القانون ومن هي القوى التي أخّرت بالمقابل مناقشته.
– قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ايضاً هذا القانون استغرق سنوات طوال لمناقشته واحالته الى الهيئة العامة لمجلس النواب التي أقرّته دون ادخال أي تعديل عليه خلال الجلسة التشريعية التي عقدت في شهر حزيران من العام 2019 ، إقرار هذا القانون اعتبر انجازاً من قبل جميع القوى السياسية لا سيما التيار الوطني الحرّ، نواباً ووزراء، الا ان فخامة رئيس الجمهورية ما لبث ان ردّه الى المجلس النيابي بموجب المرسوم رقم 5272، واليوم يستحيل تعيين أعضاء الهيئة بسبب عدم وجود حكومة. اذاً، أيضاً وأيضاً، يستنتج الرأي العام من هي القوى التي عرقلت وتعرقل اصدار قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومن هي القوى التي تريد بالحاح انشاء الهيئة.
– كل ما سبق كان قبل اندلاع الثورة، وقبل اندلاع الثورة اذكّر بأن القوات اللبنانية اجتهدت خلال المجلس النيابي السابق في طرح ومناقشة وتعجيل اصدار قوانين اساسية في منظومة مكافحة الفساد نذكر منها: قانون حماية كاشفي الفساد، قانون الشفافية في قطاع النفط والغاز، كما تقدمت خلال المجلس النيابي الحالي وقبل الثورة ايضاً باقتراحات اساسية من شأنها استكمال تلك المنظومة نذكر منها: اقتراح تعديل قانون حق الوصول الى المعلومات، اقتراح قانون مكافحة الفساد في القطاع الخاص واقتراح قانون آلية التعيين في وظائف الفئة الأولى.
– اما بعد الثورة وعلى الرغم ان بجعبتنا كتكتّل الكثير من اقتراحات القوانين الا اننا آلينا على انفسنا عدم المسارعة الى تقديمها كي لا تفسّر هكذا خطوة على أنها لاستمالة الرأي العام من خلال الشعبوية ولايماننا الراسخ بأن الزمن اليوم هو لتشكيل حكومة انقاذ تعمل الى منع التدهور المالي والاقتصادي المستفحل يوماً بعد يوم، وليس لعرض العضلات والمزايدة الرخيصة وتسجيل نقاط سياسية وهميّة، والأهمّ لأننا لا نشعر بأننا قد خسرنا شيئاً نريد بأي ثمن تعويضه من خلال الاقتراحات المرتجلة.
– هذا كان سلوك تكتلنا طوال الفترة السابقة قبل الثورة وبعد اندلاعها، بالمقابل هناك قوى سياسية اخرى، اخّرت عمداً اصدار قوانين اساسية في موضوع مكافحة الفساد، ولم توقّع على اقتراحات هامّة اخرى كاقتراح قانون استقلالية السلطة القضائية، واسقطت في المجلس النيابي صفة العجلة عن اقتراحات اخرى مثل اقتراح قانون آلية التعيين في وظائف الفئة الأولى في القطاع العام.
– اودّ ان انتقل الى موضوع استرداد الأموال المنهوبة الذي يشكّل عصب المطالب التي ينادي بها كل اللبنانيين سواء المنتفضين او سواهم. بدايةً لا بدّ من الاشارة الى انه ليس هناك في التاريخ سابقة ان تكون السلطة المتهمة بالفساد وبنهب الأموال هي نفسها، وبكلّ مكوناتها، من تنصّب نفسها كجهة مستردّة للمال المنهوب. هذا في الشكل، اما في المضمون فلا بدّ من الاشارة الى ان القانون رقم 44/2015 المعروف بقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب يوفّر آليات واضحة لاسترداد الأموال، استُكمِلَ هذا القانون بقانون آخر هو القانون رقم 55/2016 الذي يعطي الدولة اللبنانية الحق بتتبع الحسابات المصرفية الموجودة في الخارج والعائدة للبنانيين، وذلك بموجب اتفاقية دولية متعددة الأطراف انضم اليها لبنان تجيز للدول تبادل المعلومات الضريبية الكترونياً. بتاريخ 26 ايلول 2019 تقدمت عبر رئاسة المجلس بسؤال الى الحكومة عن مدى تطبيق واستفادة لبنان من احكام القانون رقم 55/2016 فجاء جواب الحكومة صادماً لجهة تأكيده ان لبنان يسلّم الى الدول الطالبة معلومات عن حسابات مصرفية مودعة في لبنان لكنه لا يستلم بالمقابل معلومات عن حسابات اللبنانيين المفتوحة في الخارج لأن وزارة المالية بصدد تنفيذ خطة عمل لتحسين نظام السرية والأمان، مما سيتيح للبنان الحصول على المعلومات المصرفية من الخارج لاحقاً.
– اعرّج هنا على الاقتراح الذي تقدّم به تكتل لبنان القوي الرامي الى تعديل صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب القانون رقم 44/2015 لأؤكّد أننا لانمانع باعطاء هذه الهيئة اوسع الصلاحيات، ونتلاقى في ذلك مع زملائنا في تكتل لبنان القوي، ولكن لا بد لي في معرض هذا الاقتراح من الاشارة الى الملاحظتين الجوهريتين التاليتين:
أ- سبق لنادي القضاة ان تقدّم من الهيئة المذكورة بعد ايام من اندلاع الثورة بطلب كامل متكامل يطلب منها بموجبه تجميد الحسابات المصرفية لكل متولي الخدمة العامة او الوظيفة العامة في لبنان والتدقيق فيها. لماذا لا نؤازر هذا الطلب؟ وهو يرمي الى نفس ما يرمي اليه اقتراح القانون المقدم من الزملاء في تكتل لبنان القوي، الذين ادعوهم اليوم، وبصدق، الى ملاقاتنا كتكتل الجمهورية القوية لدعم الطلب المقدم من نادي القضاة، فنصبح اربعين نائبا وحوالي 100 قاضي يشكلون نادي القضاة يطلبون من هيئة التحقيق الخاصة تحمّل مسؤولياتها؟
ب- الملاحظة الثانية تنصبّ على المادة الثانية من اقتراح القانون المقدم من تكتل لبنان القوي التي توصي بانشاء لجنة قضائية مؤلفة من رئيس مجلس القضاء ومدعي عام التمييز وآخرين للتحقيق في الملفات المحالة اليها من هيئة التحقيق الخاصة والحكم فيها. يبدو انه غاب عن بال مقدّمي الاقتراح من الزملاء انه سبق لرئاسة المجلس النيابي ان دعت النواب خلال جلسة 19/11/2019 المنصرم والتي لم تعقد بسبب الاعتصام حول مقرّ المجلس، الى مناقشة قانون كان الرئيس ميشال عون قد تقدّم به عام 2013 ويرمي الى انشاء محكمة خاصة للجرائم المالية ينتخب النواب قضاتها، وبالتالي اصبح هناك تضارب واضح بين احكام قانونين مقدّمين من الجهة السياسية نفسها، لا نشكّ ولو للحظة انه تضارب مقصود، بل هو ربما ناتج عن التسرّع في صياغة اقتراح دون التمعن في اقتراحات سابقة له.
انطلاقاً من كل ما تقدّم يعود تكتل الجمهورية القوية الى المطالبة الفورية بتشكيل حكومة حيادية ومستقلة وانقاذية تعمل على انقاذ لبنان من الافلاس والفوضى، على ان يواكب عمل الحكومة العتيدة ورشة تشريعية متبصّرة، هادئة، وفعالة تستكمل كل عناصر منظومة مكافحة الفساد بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية وأهمّها UNODC والتي تعتبر الجهة المخوّلة بمساعدة الدول التي تعاني من الفساد، كما هي حال لبنان، في اعادة بناء مؤسساتها العامة واستعادة اموالها المنهوبة، على أن تتكون خارطة الطريق من المحطات الأساسية التالية:
1- إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية
2- تفعيل عمل لجنة التحقيق الخاصة المنصوص عليها في القانون رقم 44/2015
3- الانتهاء من وضع آليات تفعيل قانون تبادل المعلومات الضريبية الكترونياً من قبل وزارة المال
4- والأهم التقدم باقتراح تعديل دستوري يسقط الحصانات الدستورية ويعدّل من شروط الاتهام امام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وبذلك نستعيد على الأقل المرتبة التي كان يحتلّها لبنان العام 2006 في مؤشر مدركات الفساد والتي كانت المرتبة 63 والتي اصبحت العام 2018 في غضون 12 سنة من محاولات الاصلاح الوهمية المرتبة 138 على 175 دولة.