تخاذل الثوار قاتل

لا يمر يوم في لبنان الا ويحمل معه تبدلات وتطورات جديدة. ننام على حكومة مستقيلة منتظرين الاستشارات فنستيقظ صباحًا بانقلاب دستوري مع حكومة شبه مشكلة من دون تكليف ومن دون استشارات. يطالب الناس بحكومة أخصائيين مستقلين فتجيبهم الطغمة الحاكمة بحكومة أخصائيين تسميهم هي بعينها مقابل أن تضع عليهم ستة وزراء سياسيين كشرطي مرور حاضرين لإشهار دفتر الظبوطات عند أي تجاوز للأعراف التي يفرضونها عليهم.

وذلك كله بتغييب كلي لإرادة الناس التي  انتفضت وثارت على فقرها وجوعها في  17 تشرين المنصرم. لقد وقف الزمن عند أهل السلطة قبل هذا التاريخ. تجدر الاشارة إلى أن أي سلطة لا تنبثق عن إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات بحسب دساتير العالم كله، هي سلطة فاقدة للشرعية.

وما يدهش في  واقع الحال اليوم أن أهل السلطة غير آبهين لقدرة الشعب على المحاسبة. وهي التي  استطاع الناس استعادتها من الذين أوكلوهم هذا الحق في الانتخابات الماضية بعدما تقاعس معظمهم عن آداء دوره في المحاسبة.

يخطئ من يظن أنه يستطيع أن يسكت الناس  كلهم بالقمع والترهيب. فلبنان ليس طهران ولا دمشق. بيروت هي أم الشرائع ومدينة الحرية، وهذه الأساليب البائدة لا تنفع. فليبحثوا عن غيرها. لقد أعلن الثوار رفضهم لأي حكومة new look تجدد سابقاتها. المطلب الوحيد والملزم في  هذه المرحلة هو حكومة التكنوقراط التي تستطيع أن تنقذ البلاد من الانهيار المالي  الوشيك.

تعاني السوق النقدية اليوم من شح في  الدولار، وقد يطاول هذا الشح العملة الوطنية بعد تهافت الناس على سحب ودائعهم المصرفية اللبنانية بداية هذا الشهر. وتتزامن هذه الحالة مع انهيار سريع للعملة في سوريا لم تشهد له البلاد أي مثيل بعدما تجاوز سعر صرف الدولار في سوريا 900 ليرة سورية وقد سجل في سوق دمشق 940 ليرة بيعًا و920 شراءً. وذلك وسط ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية. وهذا يؤشر إلى تهاوي الأنظمة التي  تدور في فلك إيران اقتصاديًا بعدما تعذر إسقاطها بقوة الشارع.

أما الوضع في لبنان، يسير بوتيرة أسرع وبخطين متوازيين: الشارع والاقتصاد. ما يعني أن سقوط المنظومة الايرانية في لبنان سيكون أسرع من سقوطها في سوريا. وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على أن لبنان بالنسبة إلى الغرب ليس كغيره من الدول. فللساحة اللبنانية، وللشعب اللبناني المفطور على الحرية مميزاته أيضًا. لن يستطيع أحد أن يكبح جماح الثورة في لبنان. ومخطئ من يظن بأنه يستطيع الالتفاف على مطالب وحقوق الناس في لبنان. فما نجح في سوريا حتمًا لن ينجح في  لبنان.

من هذا المنطلق، على الثوار أن يتابعوا حركتهم التصعيدية باتجاه الذين لا يزالون يمارسون حياتهم بشكل طبيعي لكأن البلاد بألف خير؛  لا سيما باتجاه المدارس والمؤسسات التي لا تزال تعمل بشكل طبيعي؛ والأدهى أن هذه المؤسسات بمعظمها باتت تدفع نصف رواتبها لموظفيها؛ في حين أن القانون لا يسمح لها بذلك حيث نشطت الاتفاقات بالتراضي حينًا وبالالتفاف على القانون حينًا آخر.

غير ذلك ستتابع الحياة دورتها بشكل طبيعي كما كانت ما قبل  17 تشرين وستستطيع السلطة أن تفرض أجندتها السياسية على الناس بالقوة التي  اكتسبتها من تخاذل شارع الثوار. فهل ستنتفض الثورة على ذاتها بعدما ركدت تحت وقع افتعالات أهل السلطة الترهيبية بلقمة عيش الناس؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل