#adsense

شارل حلو… إصلاحات وإخفاقات وسلام هش (2)

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في مجلة المسيرة العدد ـ 1701

شارل حلو (23/9/1964 – 22/9/1970)

إصلاحات وإخفاقات وسلام هش (2)

هو «الرئيس الحلو» كما كان يحلو للبعض أن يسميه، علما أن عهده كان مؤطراً بالمرارة. مرارة أثارت الكثير من أجواء الشغف والهدوء الفلسفي الذي لا يُعطى إلا للكبار.

من مصافي الرؤساء الكبار الذين صارعوا القدر من الندّ إلى الندّ وأدرك بالحدس قبل العقل أن القدر ليس بالبطل القوي الذي لا يُقهر، وجمع بين الفلسفة والإيمان فكانت سياسة عهده قائمة على الإصلاح وتطهير الإدارة والقضاء من عناصره الفاسدة والكسولة. وربط مصير العهد بنتيجة هذه الإصلاحات.

هو الرئيس «الساحر» بحسب توصيف من أحاطوا به، الذي حوّل اللامعقول إلى ممكن، والمثقف الذي قيل فيه بأنه»سببية ملزمة» كونه بالكاد آمن بالتاريخ.

هو الرئيس شارل حلو الذي فاجأ الجميع ببساطته المربكة لحظة الإعلان عن انتخابه رئيساً للجمهورية خلفاً للرئيس فؤاد شهاب في 23 -9- 1964 حيث قال: «ما فعلت شيئاً ولم أطلب شيئاً. صرت رئيساً فقط لأنه صادف أنني كنت هناك…».

وقبل أن يخرج ذاك الرئيس الحلو من الهيكل الذي لازمه راهبا على مدى ولاية رئاسية كاملة (6 سنوات) توجه الى اللبنانيين قائلا: «يجب أن تؤمنوا بماضيكم وحاضركم ومستقبلكم وإذا كان ثمة فترة لا تزال صعبة فهذا لا يعني أننا نهبط نهائيا». فهل ثمة من قرأ في سيرة عهد الرئيس شارل حلو؟

مسار الدولة في عهد الرئيس شارل الحلو 1964 – 1970

إنجازات العهد:

بعد انتخابه عام 1964، توزعت إقامة الرئيس حلو بين قصر مستأجر في سن الفيل شتاء وقصر بيت الدين صيفا، بسبب الأعمال في القصر الرئاسي الجديد في بعبدا تحت إشراف وزارة الاشغال. وساهم مدير الاثار آنذاك الامير موريس شهاب واللبنانية الاولى نينا حلو، في إدخال تعديلات على التصميم العام للمشروع لإضفاء طابع لبناني عليه.

تميّز عهد حلو بالحكمة والديمقراطية وساهم في تعزيز مفهوم حرية الصحافة إلى جانب العديد من الإنجازات أبرزها إقرار مشروع الكابل البحري وتشييد محطة العربانية للأقمارالإصطناعية  وتطوير خطوط شبكات المياه والكهرباء.

سياسيا تفرد الرئيس حلو بذكائه وهدوئه ووطنيته وكان يتكلم دائما بإسم لبنان لا بإسمه وكان متمسكا بالتعايش ويعتبر أنه الطريقة الأمثل للحوار كونه يفرض شيئا من التآلف والمحبة. وحرص على وضع لبنان على سكة الوفاق مع المحيط وتأمين اللحمة لضمان عدم حصول أي صراع على الساحة العربية وبالتالي عدم تحويل مسار صراعاتهم على الأراضي اللبنانية. مع ذلك جاءت حرب العام 1967 التي غيرت وجه العروبة وأرخت تداعياتها على لبنان نتيجة بروز الثورة الفلسطينية.

بدء إنهيار الحكم

إحتفظ الرئيس حلو احتفظ بمعظم الموظفين والمستشارين الذين كان الرئيس فؤاد شهاب قد اختارهم لمساعدته، كما اعتمد في بداية عهده على المكتب الثاني لمساعدته في تنفيذ سياسته التي أكّد أكثر من مرة أنها استمرار للنهج الشهابي، إلا أن تعاقب الأحداث والأزمات الخطيرة داخليًا وإقليميًا، دفعته إلى اتخاذ خيار جديدبهدف التكيّف مع الواقع لا سيما بعد الخطوة الإصلاحية في الشأن الإداري التي أقدم عليها ولم تأتِ بالنتائج المرجوة.

كان الرئيس حلو يدرك فضل الرئيس فؤاد شهاب عليه في اختياره حلفائه. بعدما رفض عروض التمديد له معتبرا أن الصلاحيات التي يعطيه إياها الدستور لا تساعده في إنجاز الصلاحيات التي يريدها بعد ستة أعوام في الحكم، إقترح على مؤيديه إنتخاب شارل حلو. البعض اعتبر أن هذا الإختيار كان يستند إلى أن بإمكان رجال الشعبة الثانية ورجال فؤاد شهاب في الدولة يمكنهم أن يتحكموا به ويحكموا من خلاله. لكن شارل حلو لم يستسلم أمام هذا الواقع. كان يعرف، مع الوقت، أن هؤلاء لا يزالون يعتبرون أن شهاب هو الرئيس وأنهم يواظبون على زيارته في منزله في جونيه غير البعيد عن منزل حلو في الكسليك، ليأخذوا منه التعليمات وليطلعوه على ما يقومون به. لذلك اختار حلو أن يتحرر من هذه التجاوزات ومن هذه التبعية مع الوقت. فعمل على الخروج من ظل فؤاد شهاب.

أولى هذه المحاولات كانت في دعم ترشيح ريمون إده في الإنتخابات الفرعية في جبيل في العام 1965 وتأمين فوزه بعد وفاة النائب أنطوان سعيد الذي كان مدعوما من الشعبة الثانية. ذلك العام شهد انطلاق العمل الفلسطيني من لبنان مع العملية الأولى التي نفذتها حركة فتح بزعامة ياسر عرفات، الأمر الذي أدّى إلى بدء تسليح المخيمات الفلسطينية وضعف إشراف الشعبة الثانية عليها. وقد مهّد ذلك إلى عسكرة هذه المخيمات وتعريض لبنان لمخاطر الإعتداءات الإسرائيلية وكان أبرزها تدمير الطائرات اللبنانية في مطار بيروت في 28 كانون الأول 1968 رداً على عملية نفذتها مجموعة تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضد طائرة إسرائيلية في مطار أثينا. هذا الوضع فاقم الخلاف اللبناني حول طبيعة العمل الفلسطيني بين مؤيد له ومعارض.

ما فاقم هذا الوضع حرب 1967 التي أدت إلى هزيمة الأنظمة العربية واحتلال إسرائيل سيناء في مصر والجولان في سوريا والضفة الغربية التي كانت تحت السيطرة الأردنية. صحيح أن لبنان نجا من هذه الهزيمة ولكن نتائجها كانت كارثية عليه. فقد انصرفت الدول العربية إلى لملمة آثار الهزيمة بينما كان لبنان يتجه إلى دفع الثمن بعد الإتجاه إلى دعم خيار منظمة التحرير الفلسطينية بالتسلح على أساس أن الفلسطينيين يتمتعون وحدهم بحق تقرير المصير وهذا ما أدى إلى محاولة الرد على الهزيمة بزيادة تسليح المنظمات الفلسطينية التي توزعت ولاءاتها بين عدد من الدول العربية. وبطبيعة الحال كان لبنان ساحة مفتوحة لهذه المنظمات الأمر الذي مهّد لانقسام داخلي كبير.

اتفاق القاهرة… تنازل أكثر مما يجب

اتجاه الرئيس حلو في انتخابات جبيل 1965 طوّره أكثر في الإنتخابات العامة في آذار 1968. هذه الإنتخابات جاءت لتشكل رداً على انتخابات 1964 التي تدخلت فيها الشعبة الثانية لتأميت أكثرية نيابية يمكن أن تؤمن التجديد لفؤاد شهاب. يعتبر كثيرون أن الرئيس حلو كان مباركاً للحلف الثلاثي الذي قام بين الزعماء الموارنة الثلاثة كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده، الذي امتد على مساحة كل الدوائر الإنتخابية في كل لبنان، وشكلت نتائج تلك الإنتخابات انقلاباً فعلياً على انتخابات 1964، من دون أن يتمكن الحلف من الحصول على أكثرية فعلية. ولكن هذه الردّة الشعبية كانت تعني أن ثمة أزمة كبيرة ستنشأ حول الأخطار التي تشكلها عمليات التنظيمات الفلسطينية. هذه الأزمة برزت بوضوح في العام 1969 عندما حصلت اعتداءات فلسطينية ضد مواقع تابعة للجيش اللبناني في أكثر من منطقة لبنانية خصوصا في الشمال، في ظل أزمة حكومية مع اعتكاف الرئيس المكلف رشيد كرامي وبضغط سوري ومصري، توجه قائد الجيش العماد إميل بستاني إلى القاهرة لإجراء مفاوضات مع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات على أساس أن يتبعه كرامي. لكن كرامي بقي معتكفاً فبقي بستاني وحيداً في المفاوضات التي أدت إلى ما سمي «اتفاق القاهرة» في 3 تشرين الثاني من ذلك العام الذي كرّس التنازل عن السيادة اللبنانية لمصلحة الكفاح المسلح الفلسطيني. حتى أن عبد الناصر اعتبر أن لبنان أعطى الفلسطينيين أكثر مما يجب. وبقي هذا الإتفاق سرياً ولم يتم إطلاع مجلس النواب عليه. ومع ذلك لم تحترمه المنظمات الفلسطينية، وقد دفع العماد بستاني ثمنه إذ أن البعض اعتبر أنه كان يريد أن يقدم نفسه مرشحاً لرئاسة الجمهورية وقد أدى ذلك إلى إقالته وتعيين العماد جان نجيم قائداً للجيش مكانه في 7 كانون الثاني 1970. كل ذلك اوحى وكأن هناك انفجاراً كبيراً أمنياً مؤجلا وبدا كأن اللعبة خارج قبضة رئيس الجمهورية الذي كان يراقب من موقعه هذا الإتجاه إلى الإنهيار.

هذا الجو أسس لانتخابات 1970 الرئاسية. ولم يكن رئيس الجمهورية بعيدا عن التحالف الذي أوصل سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا باتفاق الحلف الثلاثي حوله بأكثرية صوت واحد. هذا الصوت يعيده مراقبون إلى النتائج السلبية التي ترتبت على اعتقال شبكة تجسس سوفياتية كانت تخطط لخطف إحدى طائرات الميراج اللبنانية وقد كشفت الشعبة الثانية هذه العملية وأحبطتها في 30 أيلول 1969، الأمر الذي أدى إلى عدم التشديد على الإلتزام بانتخاب الياس سركيس مرشح الشعبة الثانية بناء على اقتراح فؤاد شهاب أيضا، خصوصا أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يلتزم بتأييده بعدما قال لموفد عسكري أنه لا يعرف سركيس بل يعرف فؤاد شهاب. لكن شهاب كان قد عزف عن الترشح نهائيا.

سقوط إمبراطورية بنك إنترا

لم تكن تلك الأزمة الوحيدة الكبرى التي عرفها عهد حلوز إقتصادياً ومالياً، هزت لبنان في العام 1966 أزمة بنك إنترا بعد إعلان إفلاسه. تلك الأزمة أدت إلى إنشاء مصرف لبنان وتعيين الياس سركيس حاكماً له. إلا أن هذه الحاكمية لم تؤهله للفوز في انتخابات العام 1970 الرئاسية وإن كانت أهلته للنجاح في تكوين إحتياطي كبير من الذهب لمصلحة الخزينة اللبنانية. ذلك الذهب في عهد شارل حلو لم يكن يعني على الإطلاق أن العهد من الذهب، بل كان نقطة بيضاء في صفحة بدأ يغمرها السواد والضباب وتبشر بالكوارث.

كأن اتفاق القاهرة لم يكن وحده يكفي لبعثرة الطمأنينة اللبنانية. في أيلول 1970 حصلت أحداث في الردن بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش الأردني الذي تمكن بقيادة الملك حسين من حسم المعارك. صحيح ان الردن أنقذ نفسه من «اتفاق القاهرة» ولكن هذا الإنجاز كان وبالا على لبنان عندما أمّن النظام السوري بقيادة حافظ الأسد إنتقال المسلحين الفلسطينيين من الأردن إلى لبنان منتهكاً بالكامل السيادة اللبنانية بعدما فشل في محاولة تدخله العسكرية في الأردن.

كان لبنان عاجزاً عن مقاومة هذا الإنتقال. كان ضحية تواطؤ الأنظمة العربية. في القاهرة انعقدت القمة العربية للبحث في وضع حد لأحداث الأردن في 23 أيلول 1970. قبل يوم من انتهاء ولايته شارك الرئيس حلو في الإجتماع التمهيدي وعاد إلى لبنان لتسليم الرئاسة إلى الرئيس سليمان فرنجية وعاد إلى القاهرة لمتابعة أعمال القمة. هكذا في وداع عهد واستقبال عهد كان لبنان يودع عهداً من الإزدهار ويستقبل عهداً من القلق والإضطرابات.

السلام في الشرق الأوسط… غير ممكن

في كتابه «حياة في ذكريات» يقول الرئيس شارل حلو في معرض رده على سؤال عن السلام في الشرق الأوسط: «لا سلام في الشرق الأوسط قبل مرور مدة من الزمن، قد تكون عشرات السنين وربما أكثر. لو نقدر أن نحلل معنى السلام، لكنّا فهمنا أنه غير ممكن، أولا لأنه ليس مسألة وقف إطلاق نار، ولأن السلام يعني التعاون مع الآخر. والأخطر من كل ذلك أنه يعني محبة الآخر. فهل تتوافر هذه العناصر اليوم في محيطنا العربي والدولي؟ طبعا لا. متى يتم ذلك؟ لا أعرف. ربما يلزمنا عشرات السنين. الصراع حاليا لا يزال بين الأنبياء. هو صراع ديني أكثر منه سياسي أو زمني…. القرار 242 لا يعني جلاء عن جزء من الأرض أو عن كل الأرض، يجب أن يكون واضحا تماماً. إنه جلاء عن كل الأرض. أي أرض؟ أيضا يلزمها بحث. حدود ال 1967 كانت حدود حرب لا حدود سلم. قبلها كنا نطالب بجلاء العدو عن الأراضي المحتلة عام 1948…. في أي حال السلم الواضح ليس واردا على الإطلاق. فالسلم النهائي يعني ،في حال قبوله، عدم المطالبة بشيء آخر… من غير الوارد أن يأخذ طرف نصف حقوقه وإذا وافق على هذه التسوية يكون في حال مراوغة لسنوات طويلة،لذلك أقول أن لا سلام الآن في المنطقة».

كأن الرئيس اللبناني الذي استطاع رياض الصلح اثناء إحدى وزاراته ان يجنده للقضية الفلسطينية بتعيينه مسؤولاً عن مكتب لها في باريس، انتهى به الامر في آخر المطاف لأن يعنى عناية فكرية جادة بالتمييز بين نوعين من السلام: السلام المبني على المنطق الكارتزياني، أي مذهب ديكارت المفتوح على التطبيع، والسلام غير المطبع المحكوم بظروف الصراع والمختلف عما يسميه هو،السلم اي السلام المطبّع.

الراهب في غير هيكله

في رسوماته الكاريكاتورية رسم الفنان الراحل بيار صادق الرئيس شارل حلو في زي راهب. فكان أن شبّهه الصحافي غسان تويني خلال عهد الرئاسة بأحد الكهنة الأسطوريين في مصر القديمة… إنما في غير هيكله.

كثيرة هي المطبات والخضات التي اجتازها الرئيس شارل حلو خلال عهده لكن إيمانه  ب»لبنان وطن المحبة ووطن الرجاء» لم يهتزّ. كان مؤمنا بلبنان وشعبه وكان يكررعلى مسامعه بضرورة تمسك هذا اللبناني بماضيه وحاضره ومستقبله، وإذا كانت ثمة فترة لا تزال صعبة إلى حد ما، فهذا لا يعني أننا نهبط نهائيا. أكثر من خمسة عقود مرت على هذا الكلام… وما أشبه الأمس البعيد باليوم وربما غدا.

خرج الرئيس حلو من الرئاسة وبقي الرئيس المرجع في المحطات الصعبة. لم يكن رئيساً مشاكساً صعباً، كان أقرب إلى الحكمة في طريقة إدارة الأزمات. لم يسع لتكوين زعامة. حتى وهو في الحكم لم يفعل ذلك. ولم يسع أيضاً لتكون له حاشية. الرئيس حلو دخل الرئاسة نظيفاً وخرج من القصر نظيفاً. لكن الأحداث كانت اكبر منه وأكبر من لبنان كأن الإنهيار قدراً محتوماً لا ردَّ له.

• مقالات، كتاب «حياة في ذكريات»
للرئيس شارل حلو

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل