وطني لا يموت

نفحاتٌ من العطر العذب عن أرواح شهداء الفقر والبطالة، شهداء الجوع.

شهداء بسبب أولئك الذين استشهد ضميرهم وانتحرت قلوبهم وأعميت أعينهم. شهداء وطنٍ لا يرحم أبناءه، ولا يقدّم لهم الا الذّل وهم يحاولون الارتماء في حضنه فيضمهم ترابه. يا لهذا الحب القاتل!

بئس بلدٍ يخطف ترابه خيرة شبابه.

بئس زمنٍ ما عاد فيه للفقير مكانّ. أيّ وطنٍ تريدون؟ وطن الأرامل، والأيتام، والأمهات الثّكالى؟ عن أيّ بلدٍ تتحدثون؟ عن بلد الفقر والجوع والعوز؟

أيها الأصنام القابعون على كراسيكم، كيف تنامون؟ كيف تغمض أجفانكم؟ فمن مسكينٍ ما استطاع تأمين أبسط حقوق أبنائه، إلى موجوعٍ ضاق صدره ذرعًا فوضع حدًّا لحياته. وما بين المسكينين دموعٌ، وعويلٌ، ونحيبٌ، ووجعٌ، ألمٌ.

دموع أمهاتٍ فقدن فلذات أكبادهنّ، وصراخ أطفالٍ غاب عن حياتهم السّند والملجأ الآمن، ونحيب أرامل انطفأ ضوء حياتهنّ بانطفاء شريكهنّ، انطفأ في أرض الوطن التي يفترض بها أن تحضن لا أن تقتل.

(ناجي) ما استطاع تأمين ثمن منقوشة لابنته، فهل أنتم من عقاب الله ناجون؟

(داني) تكاثرت عليه الديون وما من حلّ، فهل أنتم من المحاسبة دانون؟

يا أصحاب الموائد الفاخرة، والأطعمة الدّسمة، أخوكم في الوطن انتحر لأنه ما كان يملك ثمن الصّعتر.

يا أصحاب الجيوب المنتفخة، والأموال المكدّسة، ابنكم في الوطن النازف، وضع حدًّا لحياته لأنّه لا يملك مبلغًا يسدّ عوز عائلته وأهله.

وذلك المتألّم، حاول إحراق نفسه ليزيد لهب النار المشتعلة في داخله علّ مشاكله وهمومه تنطفئ.

وآخر حاول أن يرمي بنفسه من مكانٍ عالٍ علّه بسقوطه يرتفع إلى السّماء ويتخلّص من أعبائه.

وسواهما حمل المسدس وأفرغ رصاصةً في رأسه المثقل بالهموم والمشاكل وهو لا يكفّ عن التفكير في محاولةٍ لإيجاد حلولٍ من دون جدوى.

أين أنتم؟ أين تعيشون؟ هل أنتم من كوكبنا؟ أم أنكم تعيشون في كوكبٍ آخر؟ هل تعلمون ما يجري بسببكم؟ هل حاولتم إصلاح أي شيء؟ أم أنكم تزيدون الأمر سوءًا، وتصبون زيت الحقد اللامبالاة فوق نار العوز فيتأجج الشعب جوعًا وفقرًا.

ليتكم تصبحون من هذا الشعب، ليتكم تتنازلون عن عروشكم المرصعة بجواهر أعمت قلوبكم وأعينكم، ليت ضمائركم تستفيق من غيبوبتها، وتعودون إلى رشدكم وصوابكم لتنهضوا بهذا الوطن، تحت مسمّى (بلد واحد لأبنائه جميعهم) لا للأغنياء فقط. إنه ليس ملككم، فالطّيبة فيه لا تشبهكم، والجود المتمثّل في أبنائه بعيد عنكم، والكرامة المعمّدة بدماء التضحية لا تمت إليكم بصلة.

تنازلوا عن عروشكم لأنها باقية هنا، في هذه الدّنيا الفانية؛ ولن تأخذوا ثرواتكم معكم فلن تحملوا سوى خطاياكم التي اقترفتموها بحق الوطن. عوا مسؤولياتكم أمام الشعب الموجوع، الفقير. انهضوا بوطنكم وبأبنائه علّكم تستطيعون إنقاذ ما تبقّى من بشرٍ وحجر. كونوا لمرّةٍ واحدةٍ اسماً على مسمّى، كونوا مسؤولين

انظروا إلى الشعب الذي يحتضر طبطبوا على من طالتهم الخسائر الجسيمة، داووا أوجاع الأرامل والأيتام، ونالوا رضى الأمهات الكئيبات.

فالويل لكم من لعنة أمٍ ثكلى. والويل والثغور لكم من وطن أثكلتم أمّه. أولا تعلمون أنّ مريم العذراء هي أمّ لبنان، وهي لم ترضى يومًا بأن تكون ثكلى. فبصلاتها وتضرّعاتها قام ابنها في اليوم الثالث!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل