.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1701:
سليمان فرنجية (23 /9/ 1970 ـ 22 /9/ 1976)
من الأبواب المفتوحة الى الحرب المفتوحة (1)
إن كان للجمهورية اللبنانية ان تتذكر محطات زاهية في تاريخها، ستتلو علينا حتما ذاك الذي صار يوم 17 آب 1970، يوم انتُخب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية، تاريخ كرسّه أول وآخر رئيس «صُنِع» حقاً في لبنان، كيف كان لنا ذلك؟! كيف سمح لنا ذلك؟! حصل ذلك حقاً، وحفر بأحرف ذهبية على سجل جمهوريتنا، لكن إبتهاجنا وفخرنا بذاك الحدث الإستثنائي لم يدم طويلاً، ما كان مسموحاً لنا ذاك الفرح العظيم، العهد الآتي على أجنحة السيادة وأيام العز المتمددة بين الستينات الى أوائل السبعينات سرعان ما غُلِّف بالظلمة، صار عهد الشؤم الآتي بشرارة حرب ووصاية بدأت وما انتهت ذيولها حتى أيامنا. هي حكاية رئيس أتى متأبطاً بشعار «وطني دائماً على حق» ما أعجب ضيوفاً أرادوا فرض أنفسهم أهل البيت، وجارًا «ديكتاتورًا» لطالما ضاقت عينه بسيادة لبنان، بحدوده.. بما توَّجه سويسرا الشرق.. وحصل ما حصل.. هي حكاية عهد أطل قوياً منتصرًا ب»صوت الله» ورحل ضعيفاً مهجراً بأصوات الشياطين.. وانشقت أبواب الجحيم!
هي حكاية من حكايات أيام عز لبنان، حكاية تدغدغ حنيننا لديمقراطية لطالما حلمنا بها، لحنكة رجالات لطالما افتقدناها.. ونسأل: كيف صُنِع فرنجية رئيساً للبنان بطبخة لبنانية بحت، ولطالما عُيِّن رؤساؤنا بقرارات خارجية وتجاذبات ومصالح إقليمية ودولية؟
حكاية لطالما ردَّدها عميد «النهار» الراحل غسان تويني بفخر كبير مؤكداً ان ذاك الرئيس الذي صُنع رئيساً في لبنان صُنع أيضا في أروقة جريدته العريقة وللتاريخ يعلنها «إنتخبنا الرئيس سليمان فرنجية رئيساً في «النهار» قبل مجلس النواب».
بين النهج والحلف
يومذاك ما كان أحداً ليتوقع انتخاب ذاك «القبضاي» الزغرتاوي رئيساً للجمهورية اللبنانية. كان لبنان غارقاً في سطوة المكتب الثاني ومنقسماً بين فريقين: كتلة النهج التي كانت تعتمد الخط الشهابي والتي اختارت حاكم مصرف لبنان آنذاك الياس سركيس مرشحا لها، وكان سركيس الإداري الناجح والصامت، الإبن المدلّل لشهاب وللعهد الشهابي، ما ساهم في استنفار عصبية خصوم الشهابية. أما الكتلة الثانية فتمثلت ب»الحلف الثلاثي»وأركانها كميل شمعون، ريمون إده وبيار الجميل، وكانت رأس حربة المعركة ضد النهج الشهابي.
وما بين الكتلتين تشكلت كتلة الوسط التي كانت تضم الرئيسين كامل الأسعد وصائب سلام ووزير الاقتصاد آنذاك سليمان فرنجية، وهي أسماء كان الحلف الثلاثي يعوّل على دعمها لإيصال مرشحه. أما موقف كمال جنبلاط الذي كان يترأس جبهة النضال الوطني، فاتسم بالغموض، فهو ما كان ليستسيغ وصول خصمه كميل شمعون الى الحكم، وما كان ليميل في المقابل لاستمرار المكتب الثاني في الحكم . فالزعيم الدرزي كانت تربطه بالرئيس السابق الجنرال فؤاد شهاب صداقة متينة وثقة وقدر كبير من الإحترام المتبادل، لكنه كان على نفور من بعض ضباط «المكتب الثاني» المحسوبين على العهد الشهابي، وعلى هذا الوتر لعب الحلف الثلاثي لاجتذاب أصوات جنبلاط وكتلته الى معركته ضد مرشح النهج.
ويروي غسان تويني: «كانت الانتخابات حامية، وكنا كلنا نرغب في إزاحة المكتب الثاني وعدم إستمرار الشهابيين في الحكم بعد 12 سنة، 6 سنوات لفؤاد شهاب و6 سنوات لشارل حلو، كان خلالها المكتب الثاني بقيادة غابي لحود يفصل ويأمر ويبتّ وينهي، كيفما يحلو له ووفق ما يريد ويرغب، والانتخابات والإتصالات كانت محتدمة جداً». ويتابع تويني: «بدأنا الإتصالات لتوحيد الجهود، وتوحيد المرشح للتوصل الى الفوز. وعقدنا هنا في هذا المكتب (جريدة «النهار»)، سلسلة إجتماعات، وأجرينا «بوانتاجات» عدة وتوصلنا الى خلاصة ان كميل شمعون لا يمكن ان يُعاد انتخابه، وان سليمان فرنجية يتمتع بحظوظ أفضل». وقبل موعد الجلسة الانتخابية بيومين، كان إجتماع آخر في «النهار» وبوانتاجات جديدة، وبنتيجتها يقول تويني «كان العميد إده أول المقتنعين بالتخلي عن فكرة الترشح، وبعد «بوانتاجات» جديدة تخلى بيار الجميل عن الفكرة».
شمعون: «أنا مع سليمان شرط إنو سليمان يوصل»
ومع «بوانتاج» آخر جديد «تبيّن لنا ان فرنجية يجمع صوتين أو ثلاثة أكثر من الرئيس شمعون، لكن شمعون ظل يرفض الإنسحاب، وكاد الإجتماع أن ينفضّ من دون نتيجة». هنا اتصل تويني بكمال جنبلاط وأطلعه على الأجواء، فكان جوابه: «إذا كان فرنجية مرشحاً فسأعطيه الأفضلية على النهج وعلى شمعون».
جواب جنبلاط حسم إسم المرشح حيث توجه تويني الى شمعون مذكراً إياه بدين قديم: «لآل فرنجية في رقبتكم ديناً حان الآن وقت تسديده، فقد نام حميد فرنجية رئيساً سنة 1952 لكن الأمور تبدلت في الليل، وتمكن أصدقاؤك البريطانيون من إقناع الفرنسيين بسحبه من المعركة الرئاسية فانتخبتَ أنت رئيساً. الآن دورك لتنسحب لسليمان ليُنتخب رئيساً»… أدرك شمعون حينها ان لا حظوظ له، وقال: «أنا مع سليمان شرط إنو سليمان يوصل»، وعلا التصفيق «ومن ساعتها بدأنا كلنا بالعمل لوصول سليمان فرنجية الى رئاسة الجمهورية».
كانت»البوانتاجات» كلها تشير الى نيل فرنجية 50 أو 51 صوتاً في مقابل 48 أو 49 صوتاً لسركيس، ولا شك ان لبنان، وكل متابع لتاريخ الانتخابات الرئاسية لا زالوا يتذكرون تلك المعركة التي جرت في 17 آب 1970، كان مجلس النواب يومذاك مؤلفاً من 99 نائباً، ما كانت المعركة سهلة، حتى انها استلزمت ثلاث دورات للوصول الى النتيجة، لتتوّج الأكثر حنكة لا بل المعركة اللبنانية الحقيقية الوحيدة في تاريخ الرئاسيات في لبنان. وفي دورة الإقتراع الثالثة.. إنتُخب فرنجية بنتيجة 50 صوتاً رئيساً للجمهورية اللبنانية وبفارق صوت واحد عن سركيس الذي نال 49 صوتا.
ومع إعلان نتيجة فرز الأصوات، شهدت الجلسة بلبلة كبيرة، حيث امتنع رئيس مجلس النواب صبري حمادة، الشهابي الهوى، الإعتراف وإعلان فوز فرنجية وانسحب مفسراً النص الدستوري ان فرنجية يحتاج الى 51 صوتاً، وطالب بإعادة الانتخاب، وقامت القيامة في البرلمان، النواب رفضوا تفسير حمادة الدستوري، وبينهم النواب الشماليون الشهابيون وعلى رأسهم الرئيس رشيد كرامي الذي قال بالصوت الصارخ لحمادة «إذا أعدتَ الانتخاب فسننتخب سليمان فرنجية». وساد هرج ومرج داخل المجلس، وما كان خارجه بأفضل، إذ بدا الجو مفعماً برائحة البارود حيث غصّ مقر مجلس النواب في ساحة النجمة ومحيطه يومذاك بتجمعات مئات المناصرين الآتين من زغرتا وقضائها في جو يوحي بحماوة المعركة بين مرشح النهج الشهابي ومرشح الوسط المدعوم من الحلف الثلاثي.
وتحت هذا الضغط، إتصل الرئيس شارل حلو بالرئيس حمادة ليقول له بحدة: «الأمر خطير جدا.. فتفضل وأعلن فوز سليمان فرنجية بالرئاسة وبارك له بها»… وبهذا أذعن حمادة للأمر الواقع، لكنه امتنع عن الإعلان عن نتيجة الفوز وتولاه نيابة عنه نائب رئيس المجلس ميشال ساسين.
الصوت الخمسين
وبقي السؤال من هو صاحب ذاك «الصوت الخمسين الذهبي» الذي حسم فوز فرنجية على سركيس في معركة كان فيها المنخار على المنخار، نقلت لبنان من حال الى حال؟
48 عاما على ذلك الإنتخاب «الفريد» ولا زال الجواب غامضاً، وإن صب الشك على شخصين هما: كمال جنبلاط، والنائب فؤاد غصن. قيل يومذاك إن جنبلاط الذي توزعت أصوات كتلته بين المرشحين، آثر بدوره إعطاء صوته لفرنجية، لكن في المقابل نُقل يوما عن الرئيس فرنجية تأكيده أنه كان صوت المرحوم فؤاد غصن النائب عن دائرة «الكورة»، الذي لم يصوّت لحليفه الشهابي الياس سركيس، آثرا منح صوته لجاره الشمالي سليمان فرنجية.
الثورة من فوق
بهذا الصوت الواحد الذي سمّاه كثيرون يومذاك «صوت الله»، إشتعل لبنان من أقصاه الى أقصاه إبتهاجًا بفوز رئيس قوي «صُنع حقا في لبنان» منهيًا نهجًا أنهك البلاد، وفور تسلمه الحكم رفع فرنجية شعاره الشهير «وطني دائمًا على حق»، وبدا عهده إيذاناً بولادة مرحلة جديدة واعدة، عنوانها الإصلاح، حيث كلف صائب سلام تأليف حكومة العهد الأولى، فكانت حكومة من طرازٍ جديد، أُطلق عليها إسم «حكومة الشباب» أريد لها ان تكون «حكومة الثورة من فوق»، وفي بالها مشروع مرسوم 1943 للحد من الإستيراد، فتح ملفات المكتب الثاني، سياسات دوائية جديدة.
إكتمل عقد كتلة الوسط بانتخاب كامل الأسعد رئيسا لمجلس النواب. وحرص فرنجية على إجراء انتخابات نيابية عام 1972 في مناخ من الحرية بعيدا من تدخل «الأجهزة»، فجاءت انتخابات بوجوه جديدة نظر المراقبون إليها على أنها أفضل انتخابات عرفها لبنان.
في رئيسهم الخامس بعد بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب وشارل حلو، أحب اللبنانيون ديمقراطية الفوز بصوت واحد، أحبوا شعار «وطني دائماً على حق»، أحبوا عنفوانه كما خصاله الشخصية التي تميّزت بالشجاعة والكرم والصدق، أحبوا صورته رئيساً منفتحاً يستقبل جورجينا رزق تلك الملكة اللبنانية الساحرة العائدة من بلاد الأميركان متوّجة ملكة على عرش جمال الكون.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]