خطران بوجه الثورة وشرطان أمام السلطة

 

ما لا شكا فيه ان الوضع اللبناني برمته بات في عين الإعصار ليس فقط الاقتصادي ـ المالي بل السياسي والاستراتيجي الاقليمي والدولي. فأهمية الثورة الشعبية التي اندلعت في 17 تشرين الاول الماضي انها “فقت دملة” الصفقات السياسية ـ الاقتصادية الفاسدة التي حكمت لبنان لسنوات منذ العام 2008 كما انها كشفت النقاب عن الجهات التي تدير فعليا البلاد والعباد وفقاً لأجندات ليست بريئة وليست وطنية بكاملها لا بل في القسم الأكبر منها.

واللافت ان لبنان كما دول المنطقة يعاني من ازمة حكم ونظام تماما كما دول المنطقة الواقعة على الصفيح الايراني ـ الاميركي ـ الخليجي الساخن: ففي العراق ثورة الشيعة ضد النظام المدعوم من نظام الملالي في إيران، والعراق حاليا في ازمة حكم ونظام في ظل ازمة اقتصادية ـ مالية ـ معيشية خطيرة ودراماتيكية وطرح مصير تأثير طهران على المستقبل العراقي.

واليمن ازمة نظام وحكم واقتصاد ومعيشة ـ بعد الحرب الاهلية التي وضعت اوزارها مع فشل المشروع الايراني ـ الحوثي في استلام النظام ـ وتحقيق وحدة جنوبية (بعد مصالحة المجلس الانتقالي مع الشرعية) وانسحاب المملكة العربية السعودية وحلفائها من الميدان لترك اليمنيين يضعون “طائفا يمنيا جديدا لبناء نظام جديد للبلاد”.

ومستقبل سوريا يبحث في الدوائر والكواليس الدولية والاقليمية اي ان كل شيء الان يبنى مجددا في سوريا بدء من شكل وخصائص النظام الجديد وصولا الى كيفية التعامل مع تقاسم البلاد بين القوى الاقليمية والدولية العظمى.

واسرائيل حتى في ازمة حكم ونظام، خصوصا مع فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة للمرة الثانية وهو يواجه خطر السجن في حال مغادرة الحكم نظرا لملفات الفساد التي تحاصره.

فمن ليبيا الى العراق، المنطقة في مخاض انقلاب الانظمة ومشهدية الأزمات المتحركة والمواجهات المستعرة تمهيداً لولادة نظام اقليمي جديد.

لبنان إذاً في قلب المخاض المحلي والاقليمي والدولي، وإذا كانت الثورة انطلقت عفويا ولا تزال مدفوعة بالألم والحرمان والفقر والجوع، الا ان الصحيح ايضا ان لامبالاة السلطة ومؤثراتها البحث عن صيغة ضمان مصالحها على حساب صراخ الناس تحت شعار “ضمان التأليف قبل التكليف” فتح قابلية الدول المحورية في المنطقة والعالم للتدخل علها تجد في الثورة البريئة ما يمكن ان يخدم اجنداتها ومنازلاتها مع خصوم ما وراء الحدود اللبنانية.

فالسلطة في لبنان اليوم جزء من منظومة ليس فقط الفساد بل ايضا الاصطفافات الاقليمية والدولية: فأمامنا سلطة محور روسيا ـ طهران ـ دمشق في مواجهة قسم من قوى سيادية تشرذمت وتفتت، وساومت وغطت وتشاركت في بعضها مع تلك المنظومة وشاركتها الفساد والمحاصصة والصفقات المالية والسياسية. وهذه السلطة وسياساتها هي التي فشلت في نظر قسم كبير من الناس، فكانت الثورة التي تواجه اليوم خطرين:

الاول: خطر التحجيم والتدجين، اذ ان تراجع الزخم الثوري الشعبي منذ “حفلة المصالحات على محاور العاصمة” اعطى انطباعا ان المرحلة الاولى من الاندفاعة الثورية انتهت بمعادلة “لا غالب ولا مغلوب”، اذ لم تخسر الثورة ولم يخسر من صوبت عليهم الثورة جام غضبها في الاندفاعة الاولى.

ولعل مشهد المصالحات هذا وان كان مرحب به ومبارك ومطلوب الا انه اخفى في الوقت عينه ولادة معادلة جديدة مفادها ان “تحريك شارع ضد شارع” ورقة رابحة في يد الثورة المضادة لفرملة الثورة الحقيقية وحملها على الانكفاء ولو التكتيكي بانتظار معطيات الكباش الإقليمي ـ الدولي وتحديدا الكباش الأميركي ـ الإيراني ـ الخليجي.

والخطر الثاني يكمن في المعلن من الثورة يقابله المبطن من الثورة المضادة، والمبطن معروف: ضمان اجندة مصالح وسيطرة حزب الله وبالتالي طهران على السلطة ومفاصل الحكم في لبنان وقرار الحرب والسلم في ظل تغيير في كلمة سر التسوية من “نحمي فسادكم مقابل حماية سلاحنا” الى “تحمون سلاحنا مقابل حمايتكم من غضب الشعب”.

والمعلن في المشهد اللبناني عكس المبطن، من محاولة القفز فوق الارادة الشعبية والثورية بالذهاب نحو تشكيل حكومة اللون الواحد (وهنا المقصود باللون الواحد ليس 8 اذار بل حكومة القوى المتألفة والتي تخاف على مصيرها في حال خروجها من السلطة) الى ضمان اجندات خارجية من خلال محاولة الابقاء على اساس “ستاتيكو” الذي كان يحكم لبنان طوال سنوات الثورات المجاورة في الاقليم ولحين الانتخابات الأميركية، او لحين اي تطور دراماتيكي جديد في المنطقة يخلط الاوراق مجددا ويعيد الكثير من حسابات الربح والخسارة (على سبيل المثال ما يمكن ان يحدث في الخليج عسكريا مع توافد قوات اميركية جديدة الى المنطقة).

والمعلن باختيار سمير الخطيب رئيسا للوزراء قيد التسمية، فيما الباطن مساومات اللحظات الاخيرة بين السلطة ولا سيما حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري مع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لإقناعه بالعودة على رأس حكومة يريدها الثنائي الشيعي على قياساته بمباركة التيار الوطني الحر المغمس في لعبة الموالاة للمحور الاقليمي.

فعلى وقع هذه الازدواجية بين المعلن والمبطن، يترنح الاقتصاد الوطني ويترنح معه المواطن اللبناني الذي بات اليأس يتآكله فيختار الانتحار على الذل والهوان، في ظل ضغط دولي على لبنان يبدأ بالاجتماع الثلاثي الفرنسي ـ الأميركي ـ البريطاني في لندن والذي يضغط على السلطة باتجاه تشكيل حكومة لا يتولى فاسدون حقائبها المالية والاقتصادية اقله وصولا الى مساعي باريس لعقد مجموعة الدعم للبنان والتي قد تعقد في شهر كانون الاول الجاري، مرورا بمعادلة واشنطن للبنانيين “ساعدوا انفسكم كي نساعدكم”.

الامر الاكيد ان باريس مفوضة من الاميركيين والبريطانيين لتولي متابعة الملف اللبناني ضمن شرطين: حكومة ترضي الشعب، وتوحي بالثقة للمجتمع الدولي والمانحين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل